أرشيفات الوسوم: عقيدة التثليث

رأي ابن عاشور في عقيدة التثليث

موجز عن ابن عاشور:
إذا كان الرازي عاش في زمن تطور فيه النظر الفلسفي، وكثرت فيه الردود على الفرق المختلفة، بمنهج المتكلمين الذي اختطه المعتزلة وطوره الأشاعرة، وزاد عليه الرازي حين دمج الكلام بالإلهيات، فإن ابن عاشور عاش في زمن يختلف تماماً عن العصر السابق، وفي جميع مناحيه، سواء في جوانبه السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، إذ أن زمن ابن عاشور شهد سقوط الخلافة الإسلامية، وبروز ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وما انجر عن ذلك من تمزق ثقافي دام قرابة القرنين، إضافة إلى ركام التخلف الذي تراكم عبر القرون، غير أن ما يميز عصر ابن عاشور أيضا ذلك الجانب المضيء منه؛ والمتمثل في جهود التجديد التي انطلقت على أيدي الأفغاني وعبده وتلاميذهما منذ نهاية القرن الميلادي الماضي، ويعتبر ابن عاشور أحد تلاميذ هذا الخط التجديدي، الذي حاول بعث بذور الوعي في الأمة على مختلف المستويات، فأفرز الاستقلال السياسي، إلا أن الاستقلال الثقافي والحضاري عموما، ما زال مطلبا وأملا تعمل له جهود المخلصين.
في ظروف مثل هذه، وبتأثير عوامل متعددة، نشأ ابن عاشور وتكونت شخصيته، واشتهر بمنهجه الأصولي التجديدي، الذي اتبع فيه خطى الشاطبي، واعتمد فيه على علم المقاصد بديلا منهجيا لقضايا الاجتهاد خلفا للمنهج التقليدي القائم على النظر في الجزئيات دون مراعاة الكليات التي جاءت الشريعة لتحقيقها(1) .
ومن بين أعماله التي تدل على هذا، تفسيره المسمى (التحرير والتنوير) الذي ألفه في خمسين عام (2)، وكذا كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، و(أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، وغيرها من المؤلفات التي تبين عن شخصية ذات إطلاع واسع، واهتمامات متنوعة في مجال العربية والفقه والأصول والكلام والاجتماع وغيرها.
كما أنه تولى مناصب إدارية متعددة، ووصل إلى مرتبة المفتي المالكي في تونس، وإمام الجامع الأعظم (الزيتونة)، وباشر خطط إصلاح متعددة تناولت مناهج التربية في الزيتونة وفي غيرها من بلاد الإسلام، كما تناولت مناهج تفسير القرآن، والنظر الأصولي. مما يمكن الخلوص منه إلى القول أن ابن عاشور كان يجمع بين العلم والعمل، فهو شخصية علمية واجتماعية.
منهج ابن عاشور في الرد على اعتقادات النصارى:
كما سبق عند الحديث عن الرازي ومنهجه في الرد على اعتقادات النصارى، وتفسيره للآيات المتعلقة بذلك، فإن الحديث عن منهج ابن عاشور في الرد على هذه الاعتقادات يستلزم النظر في الآيات التي تتعلق بالموضوع وكيفية تفسيره لها، وما استخرج منها من أدلة وردود، وهي كما يلي:
أولاً: قوله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين” [آل عمران: 59-60]، من هاتين الآيتين يرى ابن عاشور أن فيهما بيان ما به نشأ التوهم عند النصارى “عن وصف عيسى بأنه كلمة الله فضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت” (3). وذلك بقولهم أنه نشأ عن اتحاد اللاهوت بالناسوت، فهو له طبيعة إلهية، ولهذا يتجه ابن عاشور إلى إبطال هذه الألوهية، وذلك كما يلي؛
1. التمثيل بين آدم وعيسى: فالنصارى “قالوا بإلهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمة من الله وليس له أب، فقالوا هو ابن الله، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدم” (4)، ومحل التمثيل كما يرى ابن عاشور هو أن كليهما خلق من غير أب، ويزيد آدم بكونه خلق من دون أم.
2. الخلق متعلق بـ(كن): فسواء آدم الذي خلق من تراب، أو عيسى الذي خلق من دون أب، فإن كليهما خلق بكلمة (كن)، وذلك “لتعلق القدرة بتكوينه حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد، ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد”(5).
ثانياً: قوله تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” [النساء:171]، ينطلق ابن عاشور من هذه الآية للتأكيد على أن الانحراف في اعتقادات النصارى سببه الغلو، إذ أنهم “غلوا في تعظيم عيسى، فادعوا بنوته لله، وجعلوه ثالث الآلهة” (6)، ونرى ابن عاشور يستعمل أساليب العربية في محاجة النصارى، والرد على معتقداتهم، وهو في ذلك يبدو شاطبي المنهج، إذ أن خلفيته المقاصدية الأصولية وجهته إلى اعتماد أساليب العربية محورا لتفسير القرآن، كما هو شيخه الشاطبي، ويذهب ابن عاشور من هذه الآية إلى الحديث عن صفات عيسى، والأقانيم، والعبودية، والتطور التاريخي للتثليث، وغيرها كما يلي؛
1. صفات عيسى الرسول: فقوله تعالى: “إنما المسيح عيسى ابن مريم” فهذه “الجملة أفادت قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحا من عند الله”(7)، فالقصر قصر موصوف على صفة، والقصد من هذا القصر كما يرى ابن عاشور هو إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات حتى أخرجوها عن حقيقتها. والقرآن لم ينكر الصفات التي ادعاها النصارى لعيسى، وهي أنه رسول وأنه كلمة من الله وروح منه، وإنما أنكر ما ذهبوا إليه من غلوا، فحولوا الرسالة إلى بنوة، وجعلوا الكلمة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وجعلوا معنى الروح على أن عيسى ذو طبيعة إلهية. كما أن “هذا القصر قصر إضافي، وهو قصر إفراد، أي أن عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يزاد على تلك الصفات من كون المسيح ابنا لله واتحاد الإلهية به وكون مريم صاحبة” (8).
2. تفسير الكلمة: في تفسيره لمعنى (الكلمة) فإن ابن عاشور يرجع إلى الأناجيل، مثل إنجيل يوحنا، الذي فيه “في البدء كان الكلمة …”، ثم يبين ابن عاشور أن القرآن حكى هذا، مما يدل على أن هذا من الكلمات الإنجيلية، ومعناه أثر كلمة الله، والكلمة هي التكوين، وهو المعبر عنه في الاصطلاح بـ(كن)، فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنه تعلق القدرة (9).
3. معنى الروح: أما الروح فإن ابن عاشور يرجع إلى العربية وإلى الأناجيل أيضا لتحديد معناها. فمن وجهة اللغة العربية، فإن الروح بمعنى النفخة، والعرب تسمي النفس روحا والنفخ روحا، أما الأناجيل -فكما يقول- فقد طفحت بذكر هذا اللقب لعيسى بأنه روح منه (10). ويتساءل ابن عاشور: ما السر أو الحكمة في إيراد القرآن لهذين الوصفين (الكلمة والروح) على ما فيهما من شبهة ضلت بها النصارى؟ ويجيب عن ذلك بأن هذين الوصفين وقعا في الإنجيل أو في كلام الحواريين وصفا لعيسى عليه السلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذ، غير أنه مع الزمن وقع التحريف في فهمهما، والقرآن بذكرهما يؤكد بأنهما لا يؤديان إلى القول بأن عيسى ابن الله أو أن الله حل فيه، ولكن النصارى بضلالهم غلوا في التأويل، وغيروا المعاني (11).
ثالثاً: قوله تعالى: “فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا” [النساء: 172]. وفي تفسيره لهذه الآية يذهب ابن عاشور إلى نقض التثليث ومناقشة النصارى في المفاهيم المختلفة التي أعطوها للتثليث.
1. معاني التثليث: ويرى أن “التثليث أصل في عقيدة النصارى كلهم، ولكنهم مختلفون في كيفيته” (12)، ولذلك جاء في القرآن “ثلاثة” في صيغة خبر مبتدأ محذوف ليصلح لكل ما يصلح تقديره من مذاهبهم في التثليث، سواء أن الآلهة ثلاثة {لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة}، أو أن عيسى وأمه إلهين مع الله {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، فالمجموع ثلاثة: “كل واحد منهم إله، ولكنهم يقولون: إن مجموع الثلاثة إله واحد أو اتحدت الثلاثة فصار إلها واحدا” (13)، فمعاني التثليث إذن مختلفة، فمنهم من يرى أن هناك ثلاثة آلهة، ومنهم من يرى أن الثلاثة إله واحد، ومنهم من يرى أن الله جوهر واحد بثلاثة أقانيم.
2. تطور التثليث: يرى ابن عاشور التأثير اليوناني على مفهوم التثليث، حيث أنه نشأ من اعتقاد قدماء الإلهيين من نصارى اليونان أن الله تعالى (ثالوث)، أي أنه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع في ثلاثة أقانيم … أقنوم الأب (الوجود أو الذات)، وأقنوم الابن (العلم)، وأقنوم الروح القدس (الحياة). فأقنوم الذات هو أصل الموجودات، ومن أقنوم العلم كان تدبير القوى العقلية، ومن أقنوم الحياة كان إيجاد عالم المحسوسات (14)، غير أن ذكر ثلاث صفات وإهمال الباقي على تقدير اعتبارهم لها صفات، يؤدي إلى التشابه مع ما كان يقول به الأفلاطونيون الجدد من فكرة التولد والفيض، إذ وكأن الأقنومين الآخرين فيض من الأقنوم الأول.
ثم أن النصارى -كما يرى ابن عاشور- فسروا هذه الصفات تفسيرات أخرى، إذ سموا أقنوم العلم بالكلمة باعتبار أن الأناجيل أطلقت لفظ الكلمة على المسيح، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله، غير أنهم زادوا غلواًّ “فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح فقالوا: أن المسيح صار ناسوته لاهوتا، باتحاد أقنوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول. أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوعة، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح” (15).كما أن ابن عاشور يورد الصراع الذي حدث بين دعاة التوحيد (آريوس) وأتباعه، وبين دعاة التثليث خلال القرن الرابع الميلادي، ثم مؤتمر نيقية الذي جمع فيه قسطنطين الرهبان، وأصدروا قانون الإيمان المسيحي الذي قرر: “أن كلمة الله اتحدت بجسد عيسى، وتقمصت ناسوته؛ أي إنسانيته، فصارت الكلمة ذاتا في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابنا لله تعالى، فالإله مجموع ثلاثة أشياء: الأول الأب ذو الوجود، والثاني الابن ذو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس” (16).
بعد ذلك تطورت النصرانية وتشعبت إلى فرق اليعقوبية وهم الأرثوذكس الآن، والنسطورية، والجاثلقية وهم الكاثوليك (17)، بناء على اختلاف مذاهبهم في التثليث، مع اتفاقهم بالقول به.
3. نقض البنوة: ينطلق من قوله تعالى: “سبحانه أن يكون له ولد”، لنقض شبهة النصارى في أن المسيح ابن لله، “فالبنوة منتفاة، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى. والبنوة تستلزم هذه المستحيلات لأن النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يطلبونها لذلك، وللإعانة على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أن الابن مماثل لأبيه فأبوه مماثل له لا محالة” (18).
وهذا الدليل الذي تحدثنا عنه عند الرازي؛ وهو دليل الكمال وعدم العجز، ودليل عدم المجانسة، كما أن ابن عاشور يوظف مفهوما آخر في نقض هذا الاعتقاد، وهو مفهوم السنن الكونية، التي تحكم المخلوقات كلها، كما أنه جعل من مقاصد البنوة بقاء النوع أو ما يسمى بلغة علم المقاصد كلية حفظ النسل التي هي من المقاصد الضرورية.
رابعاً: قوله تعالى: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير” [المائدة: 17]، وقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد..} [المائدة: 72-74].في هذه الآيات رد لادعاء النصارى بألوهية المسيح، وذلك أنهم “جعلوا حقيقة الإله الحق المعلوم متحدة بحقيقة عيسى -عليه السلام- بمنزلة اتحاد الاسمين للمسمى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهية في ذات عيسى” (19). وفي سبيل إثبات فساد هذه المقولة وانصرافها إلى معنى الحلول والاتحاد، فإن ابن عاشور يرجع في ذلك إلى العربية وإلى صلة المسند بالمسند إليه، وإلى استعمال المنطق من خلال مفهوم “حمل (هو هو)، وذلك حين يكون المسند إليه والمسند معلوما للمخاطب ويراد بيان أنها شيء واحد” (20)، ويرجع ابن عاشور أصل ادعائهم ألوهية عيسى إلى قولهم بالأقانيم الثلاثة؛ أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة.
خامساً: قوله تعالى: “ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون” [المائدة: 75]، وفي هذه الآية أيضا تأكيد لنبوة عيسى ونفي لألوهيته أو ألوهية أمه، والدليل أنهما كانا يأكلان الطعام، كما أن عيسى هذا متولد من أم فهو مفتقر لأم، والمفتقر إلى غيره لا يصلح أن يكون إلهاً. ولهذا يرجع ابن عاشور إلى أساليب العربية لاستخراج الحجج التي جاء بها القرآن على بشرية عيسى ومساواته لبقية الرسل، “وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة. فلا شبهة للذين ادّعوا له الإلهية، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله” (21)، فإذا كان عيسى -عليه السلام- أحي الموتى من الحيوان، فإن موسى -عليه السلام- أحي العصا وهي جماد فصارت حية. فأين العجيب في عيسى، ولم يكن في غيره من الرسل. فإن اختلفت صفات هذه الأعاجيب أو المعجزات فقد تساوت في أنها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض (22)، أما أمه فقد حدد القرآن مرتبتها بأنها {صدّيقة} والقصد من وصفها بأنها صدّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف آخر أعلى من ذلك. وهو وصف الإلهية. ونفي إلهية عيسى وأمه يمكن أن يعقله أي إنسان ذلك أنهما كانا يأكلان الطعام، وهي صفة من صفات البشر، وهي صفة واضحة يراها كل الناس. ويرجع ابن عاشور في تأكيد هذا الأمر إلى الأناجيل نفسها، إذ أنها ” أثبتت أن مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها، وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزاً وشرب خمراً، فيذكر ابن عاشور ما ورد في إنجيل لوقا الإصحاح 22:{وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني لا أكل منه بعدُ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع}” (23)، وكما مرّ معنا عند الحديث عن الرازي بأنه جعل من هذه الآية دليلا على أن عيسى محدث لأنه مفتقر ومحتاج، وينتابه الجوع والحاجة والشهوة، وهذه ليست صفات الله تعالى بل هي صفات ممكن الوجود، الذي هو بالضرورة ليس بإله، والله أعلم.
قواعد المنهج عند ابن عاشور: هذا عن أهم القضايا التي ناقشها ابن عاشور في سياق تفسيره لآيات القرآن المتعلقة بالمسيح عليه السلام والرد على معتقدات التثليث النصرانية، ويمكن أن نكتشف أهم القواعد التي كان ابن عاشور يتبعها في رده على النصارى، ويعتمد عليها في نقض معتقدهم، وهي -حسب رأيي المتواضع- كما يلي؛
1. اعتماد البيان العربي: حيث أنه في تفسيره للألفاظ أو المعاني أو الآيات فإنه يرجع إلى معهود العرب في الاستعمال لاستخراج مدلول الكلمات، وتحديد معاني الجمل، ولقد لاحظنا ذلك عند تفسيرها لمعاني (الكلمة)، و(الروح)، وقوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة}، و{إنما المسيح ابن مريم رسول الله}، حيث اعتمد على أساليب القصر (إفراداً أو قلباً)، والتمثيل، والمجاز، والحذف والتقدير، وغيرها، كما هو مبين أعلاه. والسبب في ذلك على ما يبدو يتضح من مقدماته التفسيرية العشرة التي ذكرها في مقدمة (التحرير والتنوير)، والتي من بينها الرجوع إلى معهود العرب في الاستعمال، كما يبدو منهجه المقاصدي واضحا في سبب اختياره الاعتماد على أساليب العربية أو”منطق اللغة العربية”، حيث أنه وشيخه الشاطبي يجعلان المبدأ الأول للتعامل مع القرآن هو الرجوع إلى العربية، فبمقدار إحاطة المرء بالعربية فهو ملم بالشرع (24).
2. تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا أيضا أحد مبادئ المدرسة التفسيرية الحديثة، التي دعا إليها محمد عبده وتلاميذه، وهو ما صار يعرف بالتفسير الموضوعي، أو التفسير النسقي لآيات القرآن الكريم، وذلك من خلال محاولة جمع آيات الموضوع الواحد وتفسيرها ببعضها، وبالرغم من أن هذا ليس جديداً عند المفسرين، فقد رأيناه عند الرازي، فإن المدرسة الحديثة جعلت منه مبدأ وأعلنته صراحة، وذلك لتفادي تضارب النصوص في ذهن المفسر، والنظر إلى البناء القرآني نظرة متكاملة.
3. الرجوع إلى الأناجيل: وهو ما لم نجده عند الرازي، الذي اعتمد على البرهان العقلي المجرد، فابن عاشور في تفسيره للآيات التي تعرضت لعقيدة النصارى يرجع إلى الأناجيل، وقد تبين ذلك من خلال ذكره لعبارات الإنجيل المتعلقة بالروح، والكلمة، والبنوة، وهي عبارات يحكيها القرآن ولا ينفيها، غير أن القرآن يبيّن غلوهم فيها، وتحريفهم لمعانيها. وهذا الرجوع إلى الأناجيل أيضا كان ابن عاشور يهدف منه إلى تتبع التطور التاريخي الذي حدث في العقيدة المسيحية.
(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة، (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1988)، ص5.

(2) – اسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، الطبعة الأولى، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ/ 1995م)، ص ص90-91.
(3) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(4) التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(5)التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(6)التحرير والتنوير، ج6/ ص50.
(7) التحرير والتنوير، ج6/ ص51.
(8) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(9) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(10) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(11) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(12) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(13) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(14) التحرير والتنوير، ج6/ ص55.
(15) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(16) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(17) التحرير والتنوير، ج7/ ص153.
(18) التحرير والتنوير، ج6/ ص58.
(19) التحرير والتنويرج7/ ص153.
(20) التحرير والتنوير، ج7/ ص152.
(21) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(22) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(23) التحرير والتنوير، ج7/ ص286.
(24) للمزيد انظر: الشطبي، الموافقات، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، (بيروت: دار الفكر)، ج4/ ص115.

رأي الفخر الرازي في عقيدة التثليث

موجز عن الرازي :
يعتبر الإمام فخر الدين الرازي (543-606هـ) علما من أعلام الفكر الإسلامي الذين كانت لهم منجزات علمية معتبرة خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري، هذا القرن الذي شهد انقسامات سياسية كثيرة داخل الخلافة العباسية، وكذلك تصاعد الخطر الخارجي على أرض الإسلام، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار الزاحفة من الشرق الأقصى(1). بالإضافة إلى الجانب السياسي، فإن هذا القرن والذي سبقه كانا قرني أسلمة المنطق والنظر الفلسفي -إن صحّ التعبير – بعد أن بدأ هذا الجهد على أيدي شيوخ المعتزلة من أمثال العلاف والنظام في القرن الثالث، ومن بعدهما الأشعري والباقلاني والجويني، ثم الغزالي وتلاميذه، بعد أن كان الفلاسفة الإسلاميون أمثال الفارابي وابن سينا وغيرهما، اتبعوا الفلسفة اليونانية في كل ما ذهبت إليه، مما أدى بالغزالي إلى ما يمكن تسميته بالثورة الفلسفية التصحيحية (2). ثم تابعه الرازي في الأمر، ولم يقتصر تصديه للفلسفة اليونانية فقط، بل تعداه إلى مناظرة النصارى واليهود ومختلف النحل الباطلة، كما أنه تصدى لمناقشة كثير من الفرق الإسلامية في وقته من كرامية ومعتزلة وحشوية وباطنية وغيرهم، ورد على المبتدعة وأفحمهم. فنقمت عليه كثير من الفرق، مما جعلها تطلق ألسنتها باتهامه بمختلف التهم التي تسقط من قيمته في أعين الناس بعد أن أعياهم الرد عليه بمنطق الحجة والبرهان (3).
اشتهر الرازي بابن الخطيب، والإمام، وشيخ الإسلام، وكان مبرزا في كثير من العلوم؛ في الفلسفة والكلام، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف، واللغة، والتفسير، وله في كل هذه الحقول المعرفية مؤلفات تنبئ عن قدرته العلمية الواسعة، وتحكمه في أدواتها بشكل جعله أحد الأئمة المشهود لهم بالقدر الأوفر من التأثير فيمن لحقهم من أجيال الإسلام. ومن مؤلفاته: “المحصول” في أصول الفقه”، و”مفاتيح الغيب” أو “التفسير الكبير” في التفسير، وله “أساس التقديس” في العقائد وغيرها (4).
يقول عنه ابن خلدون: “ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة … فسبروا قواعد ومقدمات فن الكلام بمعيار المنطق… فكان أول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي، وتبعه ابن الخطيب” (5)، وكأن ابن خلدون يشير إلى كتاب (معيار العلم) للغزالي، الذي احتفى فيه بالمنطق وجعله القسطاس الذي توزن به مدارك العقول، وكذلك مقدمة المستصفى (للغزالي أيضاً)، والتي هي مقدمة منطقية في مراتب الإدراك واليقين، واشتراط العلم بالمنطق.
منهجه في الرد على اعتقادات النصارى:
كما سبقت الإشارة في تمهيد هذا البحث، فإن مجمل اعتقادات النصارى ثلاث، ولهذا كانت مناقشات الإمام فخر الدين الرازي للنصارى تدور في ثلاثة محاور، ومن خلال دراسة تفسيره للآيات المتعلقة بالتثليث، فإنه كان يميز بين هذه الاعتقادات الثلاثة. وفي هذا البحث فإني اخترت بعض الآيات التي لها صلة بالموضوع، وكان للإمام الرازي فيها رأي مميز، ورد على عقيدة النصارى، ومن هذه الآيات نجد ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة 116-177]، فمن هذه الآية يتوجه الرازي إلى نقض بنوة المسيح عليه السلام لله تعالى، وإثبات عبوديته مثل بقية المخلوقات التي ذكرتها الآية، فهو يستعمل الدليل العقلي للبرهان على استحالة أن يكون عيسى ابنا لله تعالى، وذلك من أوجه؛
1. دليل الوجوب والإمكان: وذلك “أن كل ما سوى الموجود الواجب بذاته ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً” (6)، ولتحديد هذا المفهوم أكثر فإن الرازي ذهب إلى الحديث عن استحالة اجتماع موجودين واجبين لذاتهما، فهذا يؤدي إلى اشتراكهما في وجوب الوجود، وهذا يؤدي إلى التركيب، لكن التركيب بينهما يؤدي إلى نقض وجوب الوجود والتحول إلى إمكانية الوجود، وهذا خلف، فالمصير إلى أن كل ما يحتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وهذا يقود إلى القول بأن ممكن الوجود محدث، فهو مخلوق.
2. دليل القدم والحدوث: فالولد المضاف إما أن يكون أزليا وإما محدثا، فإن كان أزليا “لم يكن حكمنا يجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجرداً من غير دليل” (7)، والحكم من غير دليل هو محض الهوى والتقول، ولا يعتد به. وإن كان الولد محدثا “كان مخلوقا لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له” (8). وبهذا فإن عيسى محدث باعتراف النصارى أنفسهم، من خلال قولهم بميلاده وموته، فهو مخلوق ولا أزلية له، وبطلت مقولة البنوة لله كما يزعمون.
3. دليل المجانسة: ومضمون هذا الدليل أن “الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد” (9)، فلو كان لله ولد، لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجوه أخرى، وهذا يقود إلى القول بأن كل واحد منهما مركب ومحدث وذلك محال، لأن الله غير محدث، والنصارى لا تقول بذلك، بينما عيسى محدث من خلال ميلاده، إذ لم يكن فكان، ومن هنا فإن المجانسة ممتنعة، إذن فالولدية ممتنعة بالتبع.
4. دليل الكمال وعدم العجز: ومعناه “أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه، ورجاء الانتفاع به، فعلى هذا كان إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة”(10)، غير أن العجز والحاجة والفقر محال في حق الله تعالى، فهو المستغني عن العالمين، والمتصف بصفات الجلال والكمال، ولهذا يورد الرازي الآيات التي احتج به الله سبحانه وتعالى على استغنائه عن الولد، وذلك في قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [مريم:34]، وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إداًّ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداًّ، أن دعوا للرحمن ولداً، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم:88-93]. فالله سبحانه وتعالى يشنع على الذين نسبوا له الولد، ويحاججهم بأنه مستغن عن الولد، وأن ذلك محال، ولا ينبغي في حقه جل جلاله، لأنه مالك السموات والأرض وما بينهما، وكل من فيهما وكل ما فيهما ملك له سبحانه، فما حاجته للولد، فالأمر أمر ملك وأمر خلق، ولله القدرة على أن يخلق ما يشاء وكيف يشاء، بأن يقول له كن فيكون.
ثانياً: قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء: 171-172].
ففي هذه الآيات يبدو أن الرازي -عليه الرحمة والرضوان- يتجه إلى استعمال أدلته التي ذكرناها في الآيات السابقة، بالإضافة إلى استعمال دليل آخر، وهو الاستدلال بالقرآن ذاته، حيث فسر كلمة (كلمة منه)، و(روح منه) بآيات أخرى من القرآن، وفي رأي الرازي فإن هذه الآيات ردت اعتقادات النصارى الثلاث في المسيح؛
1. رفض القول بالحلول: فالنصارى بالغوا في تعظيم عيسى عليه السلام فجعلوه إلهاً، “فلهذا قال للنصارى {لا تغلوا في دينكم} و{ولا تقولوا على الله إلا الحق}، يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان وروحه” (11)، بل المسيح عيسى بن مريم عبد من عباد الله ورسله، و{كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} [النساء من الآية 171]، ويستشعر الرازي الإشكال الذي وقع فيه النصارى، وهو تأليههم لعيسى من خلال قولهم بأنه كلمة الله وروحه فيدفعهم ذلك إلى القول بالحلول والاتحاد بين اللاهوت والناسوت، غير أن القرآن أكد القول بأن عيسى كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم. ويلجأ الإمام الرازي إلى البحث عن معنى “الكلمة” وفي هذه المرة لا يستعمل الأدلة الفلسفية بقدر ما يلجأ إلى المنطق القرآني ذاته، من خلال إجابة القرآن على هذا الإشكال، وهو قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}[ آل عمران: 59]، فلماذا لا يستغرب النصارى خلق آدم، ويستغربون ولادة عيسى، والآية في خلق آدم أدعى إلى تأليهه من تأليه عيسى، فما داموا لا يؤلهون آدم فمن باب أولى عدم تأليه عيسى، ولعلنا نقول أن في هذه الآية دليلا عقليا هو قياس الأولى، أو بتعبير آخر هو الاستواء في طريقة الخلق. وكما قال الرازي: “والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة” (12) كما أشارت الآية. وينتقل بنا الإمام إلى الحديث عن (الروح)، ويرى أن في هذه المسألة عدة وجوه؛ الأول: أنها تشريف، لأن عيسى خلق من غير نطفة الأب بل من نفخة جبريل عليه السلام، فهي علامة تشريف، أما (منه) فهي إضافة إلى الله تعالى، والمراد منها إضافة نسبة وتشريف، أي أن الله شرّفه وأعلى من شأنه. والثاني: أنه كان سببا لحياة الخلق في أديانهم، ولذلك قال الله تعالى في شأن القرآن: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52]، لأن القرآن أحي الناس لما أخرجهم من الظلمات إلى النور (13). الثالث: روح منه أي رحمة منه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: { إنما أنا رحمة مهداة} فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث كان يرشدهم ويهديهم فإنه سماه روحا منه. والرابع: أن الروح بمعنى النفخ في كلام العرب، فالروح عبارة عن نفخة جبريل، وقوله (منه) أي أن النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، ومثله قوله تعالى {فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12]. أما الخامس: فإن قوله (روح) أدخل التنكير في لفظ (روح) وذلك يفيد التعظيم، بمعنى أن من الأرواح الشريفة القدسية العالية (14).
2. نقض القول بالأقانيم الثلاثة: فمن قوله تعالى {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} يتوجه الرازي إلى الحديث عن مسألتين؛ الأولى: أن الله تعالى ينهى النصارى عن القول بأن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم، فرغم أن النصارى يزعمون بأنهم يثبتون ثلاث صفات لذات واحدة، فإنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، إذ أنهم يجوزون الحلول في الغير والمفارقة لذلك الغير مرة أخرى، فهم في حقيقة الأمر يثبتون ذوات متعددة قائمة بنفسها، رغم أنهم يسمونها صفات. إذ لو اقتصروا على مفهوم الصفات لكان الأمر مقبولا، ولذا قال تعالى: {ولا تقوا ثلاثة انتهوا}، فلو كانت صفات فقط لما نهى الله عنها، ونحن نقول أن الله هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد… الخ. فالصفات غير الأقانيم التي هي ذوات متعددة. أما الثانية: فقوله (ثلاثة) خبر لمبتدأ محذوف، ويرى الرازي أن هناك اختلاف بين اللغويين والمفسرين في تعيين المبتدأ المحذوف، فمنهم من يرى أن المقصود ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة، ومنهم من يرى أن المقصود ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، ويحتج الرازي بالقرآن لتحديد المقصود، فيرى أنه يتضح من قوله تعالى: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116]، فنفهم من القرآن أن النصارى يقولون: أن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة (15). فالرازي هنا يرجع إلى الاستعمال اللغوي للفظ لتحديد المقصود من الآية، والرد على النصارى، من خلال الجواب القرآني عليهم.
3. إثبات عبودية المسيح لله تعالى: فمن قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} يتناول الرازي مسائل ، ومن هذه المسائل؛ أن الله تعالى بعدما أقام الحجة -كما سبق في الآيات الأولى- على أن عيسى عبد الله، ولا ينبغي أن يكون ولداً له، فإن القرآن أجاب عن شبهة دفعت بالنصارى إلى اعتقاد بنوة عيسى لله، وذلك أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويخبر عن الغيب، ويحي الموتى، فأجابهم القرآن بأن هذا ليس مدعاة لرفض عبادة الله من قبل عيسى، فإن الملائكة أيضا تأتي بالمعجزات، وبالرغم من ذلك فإنها تأتي إلى الله طائعة خاشعة، فكيف يستنكف المسيح عن عبادة الله بهذا القدر من العلم والقدرة، والملائكة تفوقه في القدرة والعلم، بل كلاهما عبد لله (16).
ثالثاً: قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 16-17]، ويثر الإمام الرازي سؤالاً مهما، وهو أن أحدا من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح بن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به (17). ويرى الرازي جوابا لهذا السؤال المهم الذي طرحه، بأن هنا يكمن مذهب الحلول، فإن النصارى لا يقولون صراحة بأن الله هو المسيح بن مريم، ولكن حينما يقولون بأن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة، فإن كان ذاتاً فمعنى هذا أن ذات الله تعالى حلّت في عيسى واتحدت به، فيكون عيسى هو الإله الحقيقي على هذا القول. وإن كان أقنوم الكلمة صفة، فإن انتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول، وبفرض انتقالهن فإن انتقال أقنوم العلم مثلا عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم منه خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلهاً، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم، ولذلك قال القرآن { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} فإنهم وإن لم يصرحوا بهذا، فإن حاصل مذهبهم لا يحتمل غير هذا (18).
رابعاً: قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدِّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراًّ ولا نفعاً والله هو السميع العليم} [المائدة: 74-76]. هذه الآية تخاطب النصارى الذين اعتقدوا بنوة أو ألوهية عيسى بن مريم، لنه أتى بالمعجزات، وولد من غير أب، وفي نفس الوقت لا يقولون بألوهية موسى عليه السلام بالغم من أن الله أجرى على يديه معجزات مثل معجزات عيسى أو أبلغ، كما أن النصارى ادعت البنوة لعيسى ولم تدعيه لآدم، بالرغم من أن عيسى خلق من غير أب فقط، بين آدم خلق من غير أم ولا أب، كما أن الرازي بالإضافة إلى استعماله لهذه المقايسة بين عيسى من جهة وبين آدم وموسى من جهة أخرى، وهي قياس الأولى، فإنه يتجه إلى دليل الحدوث ودليل العجز، فيستخرج من قوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام} على أن عيسى يسري عليه العجز وأمه، كما أنه محدث، فالقرآن يجعله ابن مريم، وأنه ولد بعد أن لم يكن موجوداً، “فكل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلهاً” (19)، كما أنهما كانا محتاجين لأنهما كانا يحتاجان إلى الطعام ليتقوتا، و”الإله هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلهاً” من كان يحتاج إلى غيره. ثم أن الإله “هو القادر على الخلق والإيجاد، فلو كان إلهاً لقدر على دفع الجوع عن نفسه بغير طعام وشراب، فلما لم يقدر فكيف يكون إلهاً للعالمين” (20).
خامساً: قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون}[التوبة:30]، من هذه الآية يناقش الرازي عدة مسائل؛ أولها: أن الله وصفهم بالكفر مثل المشركين لأنهم ينسبون لله الولد، وبها فهم “يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جداًّ” (21)، ، وثانيها أن القرآن حكى عن النصارى قولهم بأن المسيح ابن الله، ويرى الرازي “أن هذه المسألة ظاهرة لكن فيها إشكال قوي” (22)، فما هو هذا الإشكال القوي الذي يراه الرازي؟، فكيف تكون القضية ظاهرة من جهة ومن جهة أخرى فيها إشكال؟
الإشكال الذي يراه الرازي هو أن “المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلى الأبوة والبنوة … وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر؟ ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام (23)، يورد الرازي جوابا عن هذا من خلال نقله عن المفسرين قولهم بأن السبب في هذا الانحراف يرجع إلى بولص وإلى الضغوط والمضايقات التي تعرض لها النصارى الأوائل على يد أعدائهم، غير أن الرازي لا يذكر من هؤلاء المفسرين الذين قالوا بهذا الرأي إلا الواحدي، كما أن الرازي يتفق مع كثير من مؤرخة النصرانية في نسبتهم هذه التطورات من التوحيد إلى التثليث إلى بولص (24)، وبشيء من الاختصار غير الدقيق يشير إلى التطورات التي حدثت في النصرانية وأبعدتها عن ما كان عليه عيسى وحواريوه، إذ رأى “أن لفظ الابن لعله ورد في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم أن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة الحال”(25)، ومع العلم بأن الرازي كان على إطلاع على مذاهب النصارى، وعلى أناجيلهم، إلا أنه لم يذكر ذلك هنا، وكأنه لم يحفل بها، واكتفى بإيراد أقوال ليست من صميم ما جرى من تطورات في عقيدة النصارى كما سبق وأن ذكرنا في تمهيد هذا البحث، والله أعلم.
سادساً: قوله تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 30-33]. من هذه الآيات يثير الرازي مسائل عدة يعمل من خلالها على “بطال مذهبهم من جميع الوجوه” ، ولقد تطرق إلى عدة مسائل، هي؛ نقض ألوهية عيسى عليه السلام، والإجابة على شبهات النصارى، ورد مبدأ الحلول وبيان فساد القول به عقلا، وهو في ذلك يستعمل أدلة منطقية عقلية يمكن إدراكها لذوي العقول مهما كانت عقيدتهم، إذا اعملوا عقولهم، وتفصيل هذه المسائل كما يلي:
1. نقض ألوهية المسيح: ينطلق الرازي من مبدأ متفق عليه بيننا وبين النصارى وهو أن “الله سبحانه ليس بجسم ولا متحيز” (27). وذلك من وجوه؛ أولها إن اعتقدوا كونه متحيزا، بطل قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه. والثاني إن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز فحينئذ يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت كاختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام، كما يبطل قول النصارى من أن الله أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه أو أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو نفسه. لأن المسيح جسم ومتحيز والله تعالى لا هو بالجسم ولا هو بالمتحيز حسب القول الذي صدرنا به هذا الكلام.
2. إبطال القول بالحلول والاتحاد: أما إبطال الحلول فإن الرازي ذهب إلى استعمال المنهج الفلسفي والطريقة الجدلية في نفي هذا الحلول، فالقول بالاتحاد” باطل قطعا، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضا لا يكون اتحاداً بل يكون قولاً بعدم ذينك الشيئين، وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعُدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالموجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود فظهر بهذا البرهان أن الاتحاد محال” (28). ، ومع هذا فإن الرازي يذهب إلى تمييز مقامين للحلول؛ المقام الأول: ماهية الحلول، وهي سواء كانت ككون الشيء في غيره مثل كون ماء الورد في الورد أو حلول السمسم في النار، أو كانت حصول الشيء في غيره على مثال اللون في الجسم فإن كلاهما لا يكون إلا في الجسم والله ليس بجسم، أو كان الحلول بمعنى حصول الصفات الإضافية للذوات فإن هذا أيضا باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج، والله مغني عن الحاجة، فبطل معنى الحلول. أما المقام الثاني: فهو نفي الحلول مطلقا سواء مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل، فالقسمان باطلان (29)، كما يرى الرازي. فالقول بالحلول ذاته باطل كما مرّ، وإنما القول بأنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى، أو قدم المحل وكلاهما باطل، فالأدلة التي سبقت في الآيات المذكورة سابقا تثبت أن الله قديم باتفاق مع النصارى، كما أن الجسم (عيسى) محدث، كما أن لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجبا لذاته، وهذا الذي ذكره الرازي وأسميناه دليل الكمال وعدم العجز. ويسترسل في الاستدلال بأدلة كلامية وفلسفية متعددة، لإبطال مسألة الحلول، مستعملا في ذلك أدلة الدور، والتسلسل، وغيرها مما يجعل من نقاشه صعبا على من ليس له خلفية عن المناهج الجدلية والعقلية التي يستعملها المتكلمون، وهي أدلة عقلية غاية في التجريد والتعقيد، وغير متيسرة لأي واحد أن يتابع تسلسلها وفهم مراميها، خاصة مع البعد عن الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الرازي وهو حقل الكلام والفلسفة، ويبدو الرازي في كل هذا غزالي النهج.
ثم يذكر الرازي – وهو في سبيل إيراده الأدلة على إبطال قول النصارى- ما جرى بينه وبين بعض النصارى، فيورد إشكالا طرحه على النصارى وهو قوله: “هل تسلم بأن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديما لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم عدم العالم في الأزل عدم الصانع (الله تعالى) في الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد أو عمرو بل كيف أنها ما حلت في الهرة أو في الكل (30)، ، ولما احتج النصراني لقوله بالأفعال العجيبة التي جاء بها عيسى، احتكم الرازي إلى تسليم النصراني بأنه (لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول)، كما أنه احتكم إلى ما ثبت من معجزات بقية الأنبياء الذين يؤمن بهم النصارى، ومنهم موسى عليه السلام، ومع ذلك لم يقولوا بأنه إله أو حل فيه الله.
3. إثبات عبودية المسيح عليه السلام لله تعالى: ثم أن أحوال عيسى عليه السلام تدل على عبوديته لا على ألوهيته، ذلك “أنه كان مجتهدا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية” (31)، كما أن المسيح إما يكون قديما وإما محدثا، لكن من المعلوم بالضرورة أنه ولد وكان طفلا ثم صار شاباً وكان يأكل الطعام ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثا كان مخلوقا ولا معنى للعبودية إلا ذلك (32). [/ALIGN]
قواعد المنهج عند الرازي:
من خلال ما أوردناه من تفسير الرازي للآيات المتعلقة باعتقادات النصارى في المسيح، فإنه يمكننا أن نخرج بمجموعة من القواعد التي – في رأيي المتواضع- تمثل محددات لمنهج الرازي، استعملها في مناظراته للنصارى، وإبطاله لمذهبهم، ومن أهم هذه القواعد ما يلي:
1. البرهان العقلي: حيث احتفى الرازي بالمنطق كثيرا، فكل الآيات التي استعرضناها، كان الرازي يناقش النصارى من خلالها، بأدلة عقلية قائمة على النظر العقلي، وهو يمزج في ذلك بين منهج الكلام ومنهج الإلهيات، وفي ذلك يقول ابن خلدون: “ثم خلط المتأخرون من المتكلمين علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد… كما فعله الإمام ابن الخطيب” (33)، والفرق بين العلمين أن علم الإلهيات “علم ينظر في الوجود المطلق من الأمور العامة للجسمانيات والروحانيات، من الماهيات والوحدة والكثرة” (34)، أما علم الكلام فهو “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين ..” (35).
2. الاعتماد على المنهج الجدلي: وذلك من حيث استدراج الخصم إلى القول ثم محاكمته من خلال قوله، بإبطاله وإظهار تناقضه، كما يتبين ذلك من خلال ذكره لمناظرته لأحد النصارى الذي ناقشه في الدليل والمدلول وارتباط أحدهما بالآخر. إذ أنه حاججه من خلال قوله فألزمه.
3. تفسير القرآن بالقرآن: وتبين ذلك من خلال الآيات التي وردت في البحث، إذ أنه يورد الآية، ثم يورد ما يفسرها من القرآن ذاته، مثل تفسيره لقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح} فقد فسرها بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وذلك لنفي البنوة ونفي الحلول، لما استغرب النصارى ميلاد المسيح من غير أب ونسوا آدم، وفي آدم الاستغراب أولى بمنطقهم.
4. عدم إيراد أي نص من الإنجيل: فرغم أن الرازي عرف عنه اطلاعه على كل الفرق والمذاهب في وقته، إلا أنه في تفسيره للآيات المتعلقة بعقيدة النصارى، لم يورد قولا من الإنجيل، ولعله في ذلك يهدف إلى الاكتفاء بالقرآن، الذي أورد كل أقوال النصارى في عيسى، ولا حاجة له في الأناجيل.
5. الميل إلى التجريد: الملاحظ على الرازي أنه يميل إلى التجريد ما أمكن، واستعمال أرقى مستويات النقاش العقلي المحض، ولم يتطرق في ذلك إلى المسائل العملية، ولا إلى واقع النصارى، وبالرغم من أنه أورد بعض الملاحظات المتصلة بتطور عقيدة النصارى من التوحيد إلى التثليث، إلا أنها كانت إشارة عابرة، ولا تعطي أولوية للتطور التاريخي للفكرة، وهذا اتساقا مع منهجه القائم على البرهان العقلي المجرد، والله أعلم.
——————————————————————————–
(1) محمد العريبي، المنطلقات الفكرية عند الإمام الرازي، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1992)، ص17.
(2) الأستاذ عرفان عبد الحميد فتاح، “منهج المتكلمين: دراسة وتقويم”، إسلامية المعرفة، السنة الثانية/ العدد الثامن، ذو الحجة 1417هـ/ أبريل 1997م، ص97 وما بعدها.
(3) انظر: تاج الدين بن السبكي، طبقات الشافعية، الطبعة الأولى، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ج8/ ص81.
(4) محمد صالح الزركان، فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، دار الفكر، ص ص3-22.
(5)ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، الطبعة الثالثة، (القاهرة: دار نهضة مصر)، ج3/ ص1082.
(6)مفاتيح الغيب، ج2/ ص25.
(7)مفاتيح الغيب، ج2/25.
(8) مفاتيح الغيب، ج2/ ص ص25-26.
(9) مفاتيح الغيب، ج2/ ص26.
(10) مفاتيح الغيب، ج2/ ص26.
(11) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(12) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(13) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(14) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص 117-118.
(15) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص118-119.
(16) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص119-120.
(17) مفاتيح الغيب، ج6/ ص195.
(18) مفاتيح الغيب، ج6/ ص195.
(19) مفاتيح الغيب، ج6/ ص64.
(20) مفاتيح الغيب، ج6/ ص64.
(21) مفاتيح الغيب، ج8/ ص34.
(22) مفاتيح الغيب، ج8/ ص35.
(23) مفاتيح الغيب، ج8/ ص35.
(24) الطهطاوي، الميزان في مقارنة الأديان، ص144 ؛ وانظر، أعمال الرسل: 23/6 ؛ وكذلك رسالة ثيموثاوس الأولى؛ 1/11 نقلا عن: أحمد شلبي، المسيحية، ص114.
(25) مفاتيح الغيب، ج8/ ص36.
(26) مفاتيح الغيب، ج11/ ص210.
(27) مفاتيح الغيب، ج11/ ص210.
(28) مفاتيح الغيب، ج11/ ص211.
(29) مفاتيح الغيب، ج11/ ص211.
(30) مفاتيح الغيب، ج11/ ص213؛ وانظر: الرازي، مناظرة في الرد على النصارى، تقديم وتحقيق: عبد المجيد النجار، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986)، ص ص26-27.
(31) مفاتيح الغيب، ج11/ ص213.
(32) مفاتيح الغيب، ج11/ ص214
(33) المقدمة، ج3/ ص1146.
(34) المقدمة، ج3/ ص1145.
(35) المقدمة، ج3/ ص1069.

رأي سيد قطب في عقيدة التثليث

موجز عن سيد قطب:
إذا كان الرازي قد عاش في القرن السادس الهجري، في ظل هيمنة الحضارة الإسلامية، رغم بعض مظاهر الصراع السياسي، إلا أن الأمة كانت ذات غلبة على كثير من التحديات التي تواجهها، وخاصة في الميدان الفكري على أيدي الغزالي وتلاميذه وأقرانه من العلماء، وإذا كان ابن عاشور يعتبر امتدادا للمدرسة الأصولية التي وضع لبناتها الشاطبي، فإن سيد قطب يعتبر حالة خاصة تتميز عن السابقتين، ولو كان بينهما نوع من التشابه.
فلقد عاش سيد قطب خلال الثلثين الأولين من هذا القرن العشرين الميلادي، ويعتبر من الناحية الفكرية ثمرة مدرسة محمد عبده، إذ هو خريج دار العل(1). غير أنه من الناحية الحركية الاجتماعية ميلاد العمل الرائد الذي قام به الإمام البنا عليه الرحمة، الذي أسس جماعة “الإخوان المسلمون” في 1928م، هذه الجماعة التي أرادت أن تواجه عملية التغيير من منظور جديد هو منظور إحياء معاني الإسلام والإيمان في نفوس الناس ليعيشوها عمليا في واقع حياتهم.
كان سيد قطب أديبا، وبالتحاقه بدعوة الإمام البنا، تحولت جهوده كلها إلى العمل الإسلامي، فكريا وحركيا وسياسيا، وبالرغم من أن إسلاميته كانت واضحة قبل انضمامه لجماعة الإخوان، وخاصة في كتابه “مشاهد القيامة في القرآن الكريم”، فإن وعيه بالعمل للإسلام، وإخلاص حياته له قد تكرّس بعد انضمامه إلى الجماعة.
ويعتبر سيد قطب المنظر الحقيقي لهذه الحركة في بداياتها، وخاصة في مواجهة العلمانية الناصرية، وتسلطها وطغيانها باسم القومية العربية، وما لاقاه الدعاة من تعذيب وتشريد على أيدي زبانية الناصرية من قيام الثورة الناصرية في 1952 وحتى السبعينيات. وفي ظل هذه التحديات؛ الديكتاتورية، والعلمانية، والماركسية، فإن سيد قطب توجه إلى صياغة معالم الفكر الإسلامي الذي يضمن مسيرة الحركة الدعوية لتحقيق أهداف الإسلام في هذه الحياة، فكان أن توجه إلى تفسير القرآن الكريم تفسيراً يستخرج منه المعالم الفكرية الضرورية، والتصورات اللازمة، والرؤى السديدة، بالإضافة إلى تأكيده على تميز المنهج الإسلامي عن غيره من المناهج الجاهلية والمنحرفة، وكان من أهم كتبه التي تعتبر مؤسسة لفكره؛ تفسير “في ظلال القرآن”، وكتاب “معالم في الطريق”، و”خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”، و”المستقبل لهذا الدين”، وغيرها، مما كان له أبعد الأثر في فكر الحركة الإسلامية المعاصرة، وترك جدلا علميا واسعا بين متقبل لما كتب وبين رافض.
منهج سيد قطب في الرد على اعتقادات النصارى:
لقد تناول سيد قطب اعتقادات النصارى بالمناقشة في مواضع متعددة من تفسيره “في ظلال القرآن”، ولذا نحاول أن نركز على بعض الآيات التي فسرها، وتبين منهجه، وذلك في عدة سور مختلفة؛ البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والنمل، والزخرف.
أولاً: قوله تعالى: “وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون” [البقرة: 116-118]. ينطلق سيد قطب من هذه الآيات لنقض دعوى البنوة التي ادعاها النصارى وغيرهم على الله تعالى، وكذا مسألة الخلق بالإرادة، ثم تحديد الخطأ المنهجي الذي وقع فيه النصارى.
1. نقض البنوة وإثبات الخلق بالإرادة: يرى سيد قطب أن “هذه المقولة ليست مقولة النصارى وحدهم في المسيح، فهي كذلك مقولة اليهود في العزير، كما كانت مقولة المشركين في الملائكة” (2) لذلك لم تفصل الآية هنا هذه المقولات، بل أجملتها لأن هذه الفرق هي المناهضة للإسلام قديما وحديثا، ولها نفس الموقف من الإشراك بالله بادعاء البنوة على الله تعالى. ولهذا القرآن يبادر إلى تنزيه الله تعالى عن هذا القول الفاسد، وهنا كما يقول سيد -رحمه الله – نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعاً… لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة: (كن، فيكون)”(3)، فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على صورته المقدرة، أما “كيف تتصل الإرادة التي لا نعرف كنهها بذلك الكائن المراد صدوره فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه”(4)، وذلك لأنه غير لازم لأداء وظيفة الإنسان في هذه الحياة، أي وظيفة الاستخلاف في الأرض.
2. تحديد الخطأ المنهجي: ومن هنا يرى سيد قطب أن الفلسفات اللاهوتية التي ذهبت بعيدا في تفسير هذه الغيبيات، أدخلت الإنسان في متاهات، وهذا هو الخطأ المنهجي الأساس الذي أنتج تصورات ومقولات منحرفة عن الله تعالى، ومن بينها مقولة البنوة. وهذا بالأساس من تأثير الفلسفات الإغريقية. بينما “في النظرية الإسلامية: الخالق غير المخلوق، والخالق ليس كمثله شيء، ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة (وحدة الوجود)، .. بل الوجود وحدة واحدة في نظر المسلم على معنى آخر: وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع”(5) كما قال تعالى: “بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون”. فالمشكلة التي أنتجت هذه الانحرافات هي فساد التصور عن الله.
ثانياً: قوله تعالى: “تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم اللهُ ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس…” [البقرة:253]، هذه الآية التي تلخص قصة الرسل والرسالات -كما يرى سيد قطب- أفردت للرسل مكانة مميزة بين الناس، وقررت أن الله فضل بعض الرسل على بعض، كما ذكرت بعض أمارات التفضيل، وذكرت الآية عيسى بن مريم – وهكذا يرد اسمه منسوبا إلى أمه في أغلب المواضع القرآنية(6). والحكمة في ذلك أن القرآن نزل وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول عيسى -عليه السلام- بين قائل بالبنوة، وبين قائل بازدواجية طبيعته من اللاهوت والناسوت، وبين قائل بالحلول، إلى غيرها من التصورات الأسطورية التي غرقت فيها الكنائس والمجامع في الجدل حولها؛ وجرت حولها الدماء أنهاراً في الدولة الرومانية، ولهذا فالقرآن جاء بالتأكيد على بشرية المسيح وذكره في معظم المواضع منسوبا إلى أمه مريم.
أما “روح القدس فالقرآن يعني به جبريل – عليه السلام – فهو حامل الوحي إلى الرسل”(7)، وبدون التفات إلى آراء النصارى في روح القدس، فإن سيد قطب يثبت المعنى القرآني، الذي يراد به جبريل عليه السلام، ويكتفي بإيراد اعتقادات النصارى في عيسى، والتي سيأتي على تفصيلها في تفسيره للآيات اللاحقة.
ثالثاً: قوله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون” [آل عمران: 59]، يرى سيد قطب أن ولادة عيسى عجيبة حقاً بالقياس إلى مألوف البشر. ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أب البشر؟” (8)، والنصارى الذين كانوا يجادلون حول عيسى بسبب مولده يقرون بنشأة آدم من التراب، وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني، دون أن يصوغوا حوله الأساطير التي صاغوها حول ميلاد المسيح، في حين أن العنصر الذي به صار آدم إنساناً هو العنصر ذاته الذي ولد به عيسى من غير أب، “عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك وإن هي إلا الكلمة: (كن) تنشئ ما تراد له النشأة (فيكون)” (9)، وبالقرآن تتجلى بساطة الحقيقة؛ حقيقة عيسى وآدم، وحقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس بكل يسر وفي وضوح، وكما يقول سيد قطب: “حتى ليتعجب الإنسان: كيف ثار الجدل حول هذا الحادث، وهو جار وفق السنة الكبرى. سنة الخلق والنشأة جميعا. وهذه هي طريقة الذكر الحكيم في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط”(10)، فسيد يؤكد أن المنطق الفطري هو الطريق السوي الذي استعمله القرآن في الإجابة عن هذه الإشكالات التي أغرق النصارى في تعقيدها وهي واضحة لمن يستعمل نظره وبصره في سنن الله الحاكمة، فالسنة التي أخرجت آدم هي نفسها التي أخرجت عيسى إلى الوجود أيضاً، فلمَ يقبل النصارى تطبيقها على آدم، ويرفضون تطبيقها على عيسى؟ !
رابعاً: قوله تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا..” [النساء: 171-172] في تفسيره لهاتين الآيتين يبسط سيد قطب الحديث عن كيفية دخول فكرة التثليث على فترات متفاوتة من التاريخ، ثم تفسير بنوة عيسى ونقض ألوهيته، ونقض ألوهية روح القدس، ثم إيضاح ماهية الألوهية وماهية العبودية.
1. التطور التاريخي لفكرة التثليث: يرى سيد قطب أن التثليث فكرة وثنية “تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام والملل، التي احتكت بها النصرانية؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان، وأساطير قدماء المصريين وأساطير الهنود” (11) وتولى القرآن تصحيح هذه العقائد التي يتجلى فيها تأثير آراء أرسطو وأفلوطين، وغيرهما من تخبطات الفلاسفة(12)، كما أن الإسلام جاء والنصارى على عقيدة التثليث- على اختلاف مذاهبها- هذه العقيدة ترى “أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس. والمسيح هو الابن .. ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح” (13) بين قائل بازدواجية طبيعته، أو أنه ذو طبيعة لاهوتية فقط، وهل له مشيئة واحدة أم مشيئتين؟ وهل هو قديم أم مخلوق؟ إلى غيرها من الاختلافات. غير أن هذه المقولات لم تكن زمن المسيح عليه السلام، وإنما دخلت عبر فترات متتابعة من التاريخ المسيحي، عن طريق الوثنيين الذين اعتنقوا النصرانية، وعن طريق الاتصال بالديانات الوثنية التي كانت فكرة التثليث راسخة فيها، مثل قدماء المصريين -كما أشرنا في التمهيد- ثم مع الاضطهاد الروماني، وتدخل الأباطرة في ترسيم عقيدة التثليث، والمجامع التي أقيمت لهذا الأمر (14).
2. تفسير البنوة: يرى سيد قطب أنه “تطورت فكرة البنوة، وفكرة التثليث، حسب رقي التفكير وانحطاطه ولكنهم اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد إلى الله، والذي تزيده الثقافة العقلية، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن محبة بين الأب والابن”(15) غير أن القرآن يؤكد بشرية المسيح، “إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه”، شأنه في ذلك شأن بقية الرسل -كما سبق في سورة البقرة- أم تفسير قوله تعالى {وكلمته ألقاها إلى مريم} فإن المسألة تتعلق “بالأمر الكوني المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه (كن .. فيكون).. والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى -عليه السلام- في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله: {وروح منه}”(16)، ويرى سيد قطب أن النصارى انحرفوا بفعل الهوى، إذ أن القضية واضحة وبسيطة، غير أن فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله. وهذا الذي ذكره سيد هو الذي يؤكد عليه القرآن بأنه الهوى، والولاء للآباء ولو كانوا على غير هدى، أي الهوى وتسرب أفكار الوثنية السابقة على النصرانية. فالمنهج القرآني في نظر سيد قطب واضح وبسيط في هذه المسائل التي ثارت حولها الأساطير، ولذلك كان التصور الإسلامي عن الله في غاية الوضوح. أما الولادة “فهي امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل .. والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين وكل ما في السموات وما في الأرض ملك له سبحانه”(17)، ونلاحظ هنا أن سيد قطب يحاول استعمال دليل الواجب والممكن، ودليل عدم العجز الذي ذكرناه عند الرازي وابن عاشور، ولكن بأقل تفصيل.
3. ماهية الألوهية والعبودية: ويصحح القرآن العلاقة بين الله تعالى وبين عيسى عليه السلام وبقية المخلوقات بأنها علاقة قائمة على ألوهية وعبودية، فالألوهية لله وحده، والعبودية لسائر المخلوقات تتوجه بها إلى الله تعالى طوعا أو كرها. {سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً}، ولا شيء غير هذه الحقيقة، ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية، وصلة العبودية بالألوهية(18) حتى روح القدس (جبريل) فإنه تحكمه نفس العلاقة بأنه عبد لله ولو كان من الملائكة المقربين مثله مثل عيسى ومثل أي مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فالألوهية والعبودية “ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان” (19)
خامساً: قوله تعالى: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ..” [المائدة: 72-73]، فالوصف بالكفر جاء في القرآن سواء لمن قال بأن الله هو المسيح ابن مريم أو أن الله ثالث ثلاثة(20) وينقل سيد قطب عن أبي زهرة ما انتهت إليه المجامع النصرانية من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، كما أنه ينقل أقوالاً عن بعض الكتاب النصارى أمثال (نوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني)، و(الدكتور بوست)، هذه الأقوال تحاول تفسير عقيدة التثليث، والقول بأن البرهان العقلي عليها مؤجل وليس هذا أوانه (21) والقرآن يرد على هذه التقولات بمنطقه، إذ “يواجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم، مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح”، حيث أجابهم القرآن بقوله تعالى:{ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون}، واكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح وأمه ولا ينكرها النصارى، وأمه صديقة ليس أكثر، وهذا دليل على أنهما من الحياء الحادثين، ودليل بشريتهما، فالكل تلبية لحاجة جسدية، والله حي بذاته، قائم بذاته، باق بذاته، لا يحتاج.. ونظرا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل، فإن القرآن يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق (22).
سادساً: قوله تعالى: “وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون” [التوبة:30]،يرى سيد قطب أن القول ببنوة المسيح لله قول مشهور، وأول من ادعاه هو (بولص)، ثم ما تلاه من مجامع مقدسة(23)، ثم ينقل عن تفسير المنار معنى (الثالوث-Trinity)، حيث يورد صاحب المنار معانيها عند الكاثوليك والبروتستانت، ثم كيفية نشأتها في العهد الرسولي، وتأثير الفلاسفة اليونان، والأساقفة الهيلانيين، كما يورد تعريف ديكارت للتثليث الذي حاول هو وغيره من العقلانيين إسباغ تفسير عقلي للتثليث(24). أما التعقيب القرآني {ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل}، فهو يثبت أن القول صادر منهم، وليس مقولا عنهم، ثم أن النص القرآني بإعجازه يشير إلى أصل فكرة التثليث، ولم يتضح مداه الدلالي إلا مع دراسة العقائد الوثنية حديثا في الهند ومصر القديمة والإغريق، مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب – وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولص الرسول) أولاً، ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيراً .. (25).وأشار سيد إلى الثالوث المصري، (أوزوريس وإيزيس وحوريس)، والهندي (برهما وفشنو وسيفا)، والآشوريون والإغريق، فمراجعة العقائد الوثنية القديمة تثبت النص القرآني {يضاهون قول الذين كفروا من قبل} (26).
قواعد المنهج عند سيد قطب: في ختام هذا العرض الموجز لأهم تفسيرات سيد قطب للآيات التي تعرض لعقيدة التثليث النصرانية، ورده عليهم، نحاول تحديد بعض معالم هذا المنهج الذي استخدمه سيد في تفسيره لهذه الآيات.
1. التركيز على توضيح التصور الإسلامي: لا يبدو سيد قطب عند تفسيره لهذه الآيات منشغلا كثيرا بالرد على النصارى بقدر ما كان يهدف إلى توضيح التصور الإسلامي عن الله تعالى، القائم على التوحيد بخصائصه التي بينها سيد قطب في كتابه (خصائص التصور الإسلامي ومقوماته)، فالتصور الإسلامي القائم على الوضوح والبساطة، يؤدي إلى حل كثير من التعقيدات التي وقع فيها النصارى وغيرهم، لما انطلقوا من النظرة الفلسفية في عالم الغيبيات، ولما لم يتخلوا عن الرواسب الوثنية، فالبديل لهذه النظرة الفلسفية المغرقة في الإغراب هي النظرة العقيدية التي تتوقف بالعقل البشري عند حدود إدراكهن وعند متطلبات إنجاز وظيفة الاستخلاف، التي أنيطت بالإنسان ليؤديها في هذه الأرض.
2. الاعتماد على الفطرة والمنطق الواقعي: لم يدخل سيد قطب في كثير من الجدل العقلي المجرد، ولم يتجه إلى المناقشات الكلامية التي لاحظناها عند الرازي، بل استعمل منطق الفطرة الذي يفهمه كل إنسان، وحاول من خلاله تزييف آراء الشرك، وإثبات الوحدانية في صورتها الإسلامية النقية، ولعل هذا يرجع إلى تأثير المحيط الذي يعيشه سيد قطب، وإلى العصر الذي عاشه، إذ كان الأمر يغلب عليه الجانب العملي والعلوم التطبيقية وليس منهج المتكلمين أو مجادلات الفلسفة التجريدية.
3. الربط التاريخي: إذ نرى أن سيد قطب يتحرك من خلال محورين أحدهما محور النبوة والتوحيد الذي ابتدأ مع أول نبي واستمر إلى خاتم الأنبياء، ليصل إلى نضجه واكتماله مع الوحي الخاتم، والمحور الثاني هو محور الوثنيات والجاهليات على اختلاف مظاهرها. ولهذا فهو حينما تحدث عن الفرق التي كانت تواجه الرسالة في زمن التنزيل؛ اليهود والنصارى والمشركين، حاول استصحاب هذه الفرق وأسقطها على الصهيونية العالمية والصليبية العالمية والشيوعية العالمية، مع ما لحقها من تطور. ويبدو عليه الجانب الحركي الذي يعل من المفاهيم واقعا متحركا من خلال ربطها بالواقع، وهذا ما لم نجده عند ابن عاشور مثلا ولو كان ابن عاشور معاصرا له تقريبا. وهذا من تأثير المنهج الجديد الذي انبثق عن جهد الحركة الإسلامية المعاصرة التي فعّلت المفاهيم في الواقع.
4.عدم النقل عن الأناجيل: بل وجدناه ينقل عن كثير من المفكرين المسلمين وغير المسلمين، وبالأساس أبي زهرة فيما يتعلق بتاريخ النصرانية، ورشيد رضا فيما يتعلق بأقوال المفكرين النصارى المعاصرين. كما نراه يرجع إلى كثير من الكتب النصرانية للنصارى المصريين وغيرهم.
الخاتمة:
بعد أن تم بحمد الله وفضله إتمام هذا البحث المتواضع، أود أن أختمه بنتيجة أحسب أنها مهمة، وهي أنه باستعراضنا الموجز لتفسير كل من الرازي وابن عاشور وسيد قطب، فيما يتعلق بالرد على عقيدة التثليث عند النصارى، بعد هذا الاستعراض الذي حاولت من خلالها استخراج الكيفية التي نظر بها هؤلاء العلماء الأعلام إلى مسألة الرد على العقائد الباطلة، فإن النتيجة التي أخلص إليها هي؛ أن كل واحد منهم كان له منهج يختلف عن الآخر في قواعد ويتفق في أخرى، ولعل أهم اتفاق بين كل الثلاثة هو أنهم كانوا يناقشون النصارى باعتبار النصرانية محرفة، وأن الحق كله في القرآن الكريم، ولذلك كان عندهم نوع من التمركز حول النص القرآني، وبعبارة أخرى أنهم كان يحكمهم مبدأ وجود الحقيقة في القرآن وليس في غيره من العقائد، وهو المبدأ أو المنهج الذي سار عليه كل علماء الإسلام من قبل في “الرد على الفرق المخالفة”، وهو منهج يولي أولية مطلقة للقرآن دون غيره من مصادر الديانات الأخرى، وهو ليس كالمنهج الحديث الذي يسمونه “منهج مقارنة الأديان”، والذي حسب رأيي ينظر إلى الحقيقة على أنها موزعة بين الأديان، وهذا يخالف قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام} و{ من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}، بحيث صار يُسوى بين الإسلام وغيره في كفة واحدة.
أما ما تختلف فيه مناهج هؤلاء الأعلام، فهو أن كل واحد منهم قد طور منهجه بناء على الإطار التاريخي والثقافي الذي عاشه، وبناء على معطيات الواقع الذي كان يواجهه، والخلفية العلمية والفكرية التي تشكلت وفقها شخصيته. ومن هنا رأينا الإمام الرازي يركز على المنهج الكلامي القائم على الجدل العقلي والبراهين المنطقية في مواجهة موجة الفلسفة والإشراق. أما ابن عاشور فإنه كان بالإضافة إلى بعض الحجج الكلامية، فإنه كان يركز كثيرا على اللغة وفهم مقاصد القرآن من الحديث عن عقائد هذه الفرق، باعتبار أن ابن عاشور من المنادين بالإهتمام بالعربية كأصل أساس لفهم كتاب الله تعالى. أما في حالة سيد قطب، فإن الاعتماد على منطق الفطرة، والاسقاط التاريخي والربط بين هذه المقولات قديما وحديثا كان بارزا في منهجه.
ومن هنا القول بأن كل منهج كان مرتبطا في قواعده وصياغته بالتحديات العقدية والفكرية التي كان يواجهها، وبالتالي يمكن الاستفادة من هذه المناهج والقواعد حسب الحالة التي نكون فيها، فإذا واجهتنا حالة شبيهة بالرازي وهي مواجهة أصحاب اللاهوت والكلام من النصارى فإن منهج الرازي أولى، وفي حالة المواجهة مع أصحاب النظر اللغوي والمضموني فإننا نتجه إلى الاستفادة من ابن عاشور، اما في حالة مناقشة أصحاب الفطر السليمة، وعامة الناس فإن سيد قطب يكون أقرب لما ركز عليه من دلائل فطرية ومنطق واقعي بسيط يفهمه كل الناس. والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وأمرنا لنسلم لرب العالمين.
(1) في الحقيقة يعتبر سيد إنتاج هذه المدرسة، غير أن ذلك لا يعني أنه تابع لها في كل ما ذهبت إليه، وبخاصة فيما يتعلق بآرائها في العلاقة بالغرب وكيفة التعامل معه، حيث أن سيد قطب ينتقد محمد عبده وتلاميذه في هذه النقطة، ويرى بأن “هذه المدرسة متأثرة بمناهج تفكير وبأفكار غربية غريبة على منهج التفكير الإسلامي الخالص” انظر: في ظلال القرآن، ج3/ ص1637، الهامش رقم 1.

(2) في ظلال القرآن، ج1/ ص105.
(3) في ظلال القرآن، ج1/ ص106.
(4) في ظلال القرآن، ج1/ ص106.
(5) في ظلال القرآن، ج1/ 106.
(6) في ظلال القرآن، ج1/ ص282.
(7) في ظلال القرآن، ج1/ ص282.
(8) في ظلال القرآن، ج1/ ص404.
(9) في ظلال القرآن، ج1/ ص405.
(10) في ظلال القرآن، ج1/ ص405.
(11) في ظلال القرآن، ج2/ ص815.
(12) سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، الطبعة الثالثة، (ميونيخ: الإتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية، 1983)،ص ص46-54، 79.
(13) في ظلال القرآن، ج2/ ص815.
(14) في ظلال القرآن، ج2/ ص ص815-816.
(15) في ظلال القرآن، ج2/ ص816، 864-865.
(16) في ظلال القرآن، ج2/ ص817.
(17) في ظلال القرآن، ج2/ ص817.
(18) في ظلال القرآن، ج2/ ص818.
(19) في ظلال القرآن، ج2/ ص820.
(20) في ظلال القرآن، ج2/ ص943.
(21) في ظلال القرآن، ج2/ ص944.
(22) في ظلال القرآن، ج2/ ص945.
(23) في ظلال القرآن، ج3/ ص1635.
(24) في ظلال القرآن، ج3/ ص ص1638-1639.
(25) في ظلال القرآن، ج3/ ص1640.
(26) في ظلال القرآن، ج3/ ص1641 وما بعدها.