أرشيفات الوسوم: عبد الحميد صديقي

تفسير التاريخ

تفسير التاريخ: قراءة في كتاب “تفسير التاريخ” لعبد الحميد صديقي

تمهيد
إن الاهتمام بفهم سنن التاريخ، والقوانين التي تحكم عملية التغير التاريخي، وكذلك المراحل التي تمر بها الأمم والمجتمعات في تاريخها، والعوامل التي تتحكم في صناعة التاريخ وتغيره، كل هذه القضايا أولاها كثير من المؤرخين وفلاسفة التاريخ والمجددين أهمية بالغة، لما لها من دور مفتاحي في فهم الحركة التاريخية وإمكانية التحكم في سنن التغير، وبذلك المساهمة في حل معضلات كثيرة تواجه الأمم والشعوب والمجتمعات.
ورغبة منا في تتبع بعض المحاولات الإسلامية التي سعت إلى تفسير التاريخ وفق الرؤية الإسلامية فإننا نعرض إلى مناقشة كتاب الدكتور عبد الحميد صديقي المعنون بـ”تفسير التاريخ” الذي كتبه صاحبه باللغة الإنجليزية، وقام بترجمته إلى العربية الدكتور كاظم الجوادي، وقامت بنشره “دار القلم” بالكويت سنة 1400هـ/ 1980م.

مقدمة عامة:
يدور محور هذا الكتاب حول موضوع التاريخ، وكيفية سير التاريخ، هل هو في تقدم مستمر، أم في حالة تقدم وتقهقر، أم في حالة تقهقر مستمر. ومن أجل ذلك يتناول الكاتب ثلاثة اتجاهات في تفسير التاريخ، هذه الاتجاهات هي؛ التفسير الإحيائي (الرؤية الإحيائية) للتاريخ التي ترى أنه يمكن إعادة إحياء حضارة اندثرت وانهارت، والتفسير الهيجلي للتاريخ الذي ينحو منحى مثاليا ويقوم على فكرة روح العالم والدولة، والتفسير المادي (النظرة المادية للتاريخ) الذي يرى أن العوامل المادية هي المحركة للتاريخ، ثم التفسير الإسلامي للتاريخ القائم على المفاهيم القرآنية في الاستخلاف والتكريم والتسخير والعبادة وحرية الانسان في الفعل والاختيار. والكتاب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وملحق بالمراجع الإنجليزية والعربية والأردية.

عرض ومناقشة أهم أفكار الكتاب:
1. أسئلة محورية:
في المقدمة يرى المؤلف أن أصل فلسفة التاريخ يرجع إلى رغبة البشر في أن يجدوا الجواب لسؤالين جوهريين، هما؛ لماذا حدث؟ وكيف حدث؟
ففلسفة التاريخ هي البحث عن القانون الذي ينظم الحوادث التاريخية ويحاول أن يجد في حدوثها معنى يعطي لحوادث الماضي تسلسلا منطقيا، وينير الحاضر، ويضيء جوانب المستقبل.
ويتبنى المؤلف ما ذهب إليه للعلامة إقبال من أن مهمة الانسان هي أن يساهم في أعمق مطامح الكون من حوله، وأن يقرر شكل مصيره هو ومصير الكون، تارة بتكييف نفسه حسب قوى الكون، وتارة ببذل كل طاقته لصياغة قوى الكون بالشكل الذي يتفق وأهداف الانسان وغاياته.
وإذا كانت هذه غاية الانسان، فهل يصل إليها بمجرد السيطرة على محيطه المادي؟ وإذا كان الإنسان في حركة دائبة لتحقيق غايته، وهو في حركته ليس في تقدم دائما، فما هو إذن القانون الذي يسيطر على حركته؟ وهل هو التقدم المادي هو الغاية؟ أم سيطرة المبادئ الأخلاقية على قوى الطبيعة؟ هذه هي الأسئلة التي طرحها المؤلف، ورأى أن فلسفة التاريخ تدور حول هذه الأسئلة، وقد نشأ عن ذلك مدارس، أو نظرات إما إحيائية، أو مثالية، أو مادية، أو إسلامية.

2. النظرات التفسيرية للتاريخ:
تناول المؤلف هذه النظرات التفسيرية للتاريخ بالتحليل والنقد في الفصول المتوالية للكتاب. وأول ما بدأ به المؤلف هو النظرة الإحيائية للتاريخ، هذه النظرة يرى أصحبها أن الحضارة بظاهرها المادي شبيهة بأطوار حياة البشر، ويمثل هذه النظرة في رأي المؤلف كل من أزوالد شبنجلر وأرنولد توينبي، غير أن الأول يرى حتمية السقوط بعد مرور الحضارة بأطوارها المختلفة، بينما يرى توينبي أن الحضارة “يمكن تكرارها وإحياؤها لأن أية طائفة أو أمة تستطيع أن تتخذ أية نظرة للحياة متى شاءت. وهذه النظرة تضفي لونها الخاص على كل الأعمال.
ولست أدري كيف جمع المؤلف بين كل من الرجلين بالرغم من أن أحدهما (شبينجلر) يجعل من سقوط الحضارة حتمية لا مفر منها، بينما الآخر (توينبي) يرى إمكانية تجدد الحضارة، وإذا كان شبينجلر يرى الحضارة في إنجازها المادي، فإن توينبي يرى أن لكل حضارة روحاً خاصة بها تظهر في وجوه المدنية العديدة، وهذه الروح يمكن أن تضعف، ولكنها لا يمكن أن تموت.
ثم أن المؤلف يتجاهل النظرة الخلدونية التي تجعل من السقوط حتمية أيضا، ولم يشر إليه رغم أنه له نفس الفكرة تقريبا عند شبينجلر فيما يخص سيرورة السقوط الحضاري بحتمية.
في هذا الفصل أيضا يناقش فكرة الحركة الدورية للحضارة، ويرى المؤلف أنه يمكن فحصها من خلال أربعة أشياء، هي: الفنون الجميلة، ونظام الحقيقة، والأخلاق، والقانون. ومن خلالها نستطيع أن نحدد نوع الحضارة؛ “حضارة إلهية” تستند إلى الدين، أو “حضارة حسية” تستند إلى المادية والحس. فالفنون في الحضارة الدينية هدفها تنمية الجانب النبيل من الانسان، والإقبال على كل ما هو شريف وسام وجميل، أما الفنون في الحضارة الحسية المادية فهدفها اللذة والتسلية والمتعة، فالفن الديني فن معبر عن فكرة، أم الفن المادي ففن معبر عن تسلية ومتعة، وغلبة أحد هذين اللونين على الآخر يرجع إلى النظرة الخاصة (Specific Worldview) التي يتخذها كل شعب من زمن إلى آخر.
أما نظام الحقيقة والمعرفة، فإن النظرة المادية تجعل من نظام الحقيقة والواقع المحسوسين يستبعدان فكرة البحث في كل ظاهرة تسمو على الحس وتراها ضربا من الخرافة، والميزان الوحيد بين الصواب والخطأ والفضيلة والرذيلة هو إما المنفعة الحسية أو الملذات الحسية.
بينما نظام الحقيقة السماوي يؤمن بالقيم الأخلاقية التي تمثل أهدافاً وهو نظام مبني على الوحي الرباني، لذلك فهو موثوق به ومطلق. كما يرى المؤلف أن الأوربي مهما كان مستواه او اتجاهه، فإنه يعلم يدنا إيجابيا واحداً هو عبادة المادة والتقدم المادي والاعتقاد بأن هدف الحياة الوحيد أن تزداد سهولة ويسراً، والنتيجة هي الصراع والعداوة بين الناس، ومن الناحية الحضارية كان هذا التوجه سببا في اعتبار أن الأخلاق مرتكزها مسألة النفعية العملية وحدها، وأسمى ميزان للفرق بين الخير والشر هو النجاح المادي.
يرى المؤلف أن الخطأ الذي وقع فيه اشبنجلر وماركس وهيجل – كما سنرى- هو بناؤهم لنظريات ازدهار الحضارات وسقوطها بناء على الخطوات الهائلة التي خطاها العلم المادي في العالم، حتى اعتقدوا أنه ليس وراء (المادة) شيء، وأن الوعي والإرادة كليهما شكلان متطوران من المادة.
فنظروا إلى المجتمع على أنه مجرد جهاز عضوي حيّ، وألغوا شخصية الفرد، فإذا كان شبنجلر ألغاها بقوله بالحتمية في القانون الاجتماعي، فإن ماركس ألغاها حينما اعتبر الطبقة هي المحرك للتاريخ، أما هيجل فعندما ألغى الفرد واستبدله بروح الجماعة (الدولة).
في الفصل الثاني: فلسفة هيجل للتاريخ، يتناول المؤلف تحليلا لنظرية هيجل التفسيرية للتاريخ، فيرى أن هيجل أقام نظريته على مزيج المتناقضات، فجوهر التطور عنده هو نتيجة لصراع المتناقضات؛ ظاهرة تحوي تناقضا، تتحطم وينتج عنها ظاهرة جديدة تدفع السابقة وهي ذاتها تحمل تناقضا، لتنشأ ظاهرة جديدة، وهكذا: ظاهرة ونقيضها، وظاهرة أخرى مركبة منهما.
كما أن هذه الفلسفة تلغي شخصية الفرد إلى حساب روح العالم أو روح العظماء، التي تصنع التاريخ، كما أنها تجعل من الأخلاق مسألة يمكن تجاوزها من قبل هؤلاء العظماء لتحقيق الهدف العظيم. هذا الهدف العظيم يتحقق في شكل (الدولة) التي تجسد الكل الأخلاقي أو الروح الكلي، الذي يحرك الإرادة الذاتية والاندفاع الذاتي للبشر (Self-Realization). فالفكرة: هي المنبع الداخلي للعمل (تطور العقل الكلي والحياة العقلية).
أما الدولة: فهي الحياة الخلقية المتصورة التي توجد حقيقة في عالم الواقع. والفرد -حسب هيجل- لا يكون إنسانا ما لم يعمل بتعاون باعتباره عضوا في الدولة. غير أن ما يمكن ملاحظته على فلسفة هيجل أن كل شيء مدين بوجوده لنقيضه، وأن الصراع أبدي، فإذا حقق نظام اجتماعي ما كل ما فيه من إمكانيات يبدأ بالانحلال، وتتولد من باطنه نفسه قوى تحطمه تحطيما وتقيم أنظمة جديدة على أنقاضه. غير أن الحدود بين هذه النقائض ليست واضحة ومتداخلة ومتصلة بحيث لا يمكن رسم حدود القضية وحدود نقيضها.
وعلى العكس من اشبنجلر الذي يرى حتمية السقوط، فإن هيجل يرى حتمية التقدم وحتمية استمراره، غير أن هيجل وإن كان يبدو محقا من الناحية الظاهرية المادية للحضارة، فإن روح الحضارة ليست دائما في تقدم، فقد حدثت نكسات كثيرة في حالة العقل، والأخلاق، والفن. كما أن الصيرورة “الديالكتيكية” الجدلية التي جاء بها هيجل -كما يرى المؤلف- قد علمت الناس عبادة القوة، ولعل هذا في رأيي هو منطلق الفكر النازي في ألمانيا، بل إن هيجل نفسه كان ساندا لكل من تغلب على العرش في زمانه، فقد ساند نابليون عندما استولى على ألمانيا، كما أيد الملكية الاقطاعية في عهد فريدريك وليم الثالث. كما أن فكرة هيجل عن الدولة وأنه تمثل الروح الكلي، أدى إلى تولّد الاتجاهات الفاشية ، فهو قد جعل الدولة هي القانون المطلق، وهو بذلك يشرع للدكتاتورية في الحكم. وفي الفصل الثالث: الفكرة المادية عن التاريخ، وتتجلى بشكل واضح في الفلسفة الماركسية، وبالرغم من أن الفكرة المادية كان له سابق وجود على ماركس، فإن ماركس أقامها على النهج الديالكتيكي (الجدلي)، وحدد فروضه بشكل واضح في مجال تفسير التاريخ، وأهم هذه الفروض مايلي:
أ. أن الناس يدخلون مضطرين في علاقات إنتاج ويحدثون ظروفا معينة، هذه الظروف الانتاجية تتفق مع مرحلة معينة من تطور القوى المادية.
ب. أن ظروف الانتاج إذا أخذت ككل، تكون الكيان الاقتصادي للمجتمع، وهذه هي القاعدة المادية التي يقام عليها بنيان القوانين والأنظمة السياسية ويرجع إليها بعض أشكال الوعي السياسي.
ج. ليس وعي الانسان هو الذي يعين أشكالالوجود، بل أشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية هي التي تعين الوعي.
د. بعد أن تبلغ قوى الانتاج مرحلة معينة تصطدم مع الظروف الانتاجية الموجودة، أي مع نظام الانتاج الذي تعمل في ظله.
هـ. إن تاريخ المجتمع منذ وجد حتى الآن هو تاريخ صراع طبقات: حر وعبد، نبيل وعامي، سيد وخادم، رب عمل وصانع، … فالشيء الحاسم في حركة التاريخ هو أسلوب الانتاج. وينتقد المؤلف هذه الفلسفة من جوانب عدة، ومن بينها أن هذه الفلسفة الماركسية المادية بما أنها تعتقد أن الأفكار ولااتجاهات في عصر ما، إنما هي نتيجة مرحلة التطور الاقتصادي التي تم الحصول عليها. ولذلك فلا قانون مطلقاً ولا أخلاق مطلقة في هذا العالم، وإنما هذه كلها انعكاسات لأسلوب الانتاج.

3. التفسير الإسلامي للتاريخ:
وفي الفصل الرابع يبحث المؤلف التفسير الإسلامي للتاريخ، ويقدم رؤية تفسيرية للتاريخ مستلهمة من القرآن والسنة. وإذا كان الفلاسفة الغربيون (على اختلاف آرائهم) قد اتفقوا على (فناء الفرد في المجموع) وأن وجود الفرد وجودا منفصلا قائما بذاته خداع، فإن الاسلام أعطى اعتبارا خاصة للفرد وللمجموع معاً. فالإنسان في النظرة الإسلامي لا يعتبر مجرد كائن حي، بل إن الإسلام يضعه في منزلة رفيعة هي خلافة الله في الأرض. فأهم ما تقوم عليه النظرة الإسلامية للتاريخ، هو مفهوم خلافة الانسان على هذه الأرض. ويورد المؤلف آيات عديدة من القرآن ليبين بها مفهوم الخلافة، هذا المفهوم الذي يستلزم أن الانسان له الحق في أن يستخدم كل شيء في هذا العالم استخداما كاملاً. وهذا الاستخلاف، كما يستلزم سيادة الانسان على هذه الأرض، فإنه يستلزم خضوع الانسان لإرادة الله الذي استخلفه، فلا يفعل ما يريد، وإنما يستهدي بهداية الذي استخلفه وأعطاه الحرية والشخصية الحرة التي تتحمل مسؤولية الاستخلاف أمام المثل الخلقية العليا. كما أن الله الحكيم العادل قد وضع لهذه الحياة قوانين ، فارتقاء الأمم وانهيارها له قوانين، ولم يترك لمشيئة عمياء.

4. مبادئ التفسير الإسلامي للتاريخ:
ويرى المؤلف أن هناك مبادئ مهمة تعتبر مقدمات للتفسير الإسلامي للتاريخ، وهذه المبادئ هي:
أ.أن الاسلام لا يعتقد بالخطيئة الأولى أو الخطيئة الأصلية، لذا فالفجور الوراثي والإثم الطبيعي أمران غريبان على الاسلام.
ب. وهذا يؤدي بنا إلى فكرة أخرى وهي أن فكرة النمو الخلقي الحتمي لا وجود لها بين المسلمين، وليس هناك حقبة من التاريخ هي أسمى من حقبة بحكم الحتم، وإنما الانسان حر في الاختيار والسير في طريق الأخلاق أو التراجع والنكوص، لذا فالأفراد والأمم قد يرتقون أو ينحطون حسب ما يتجهون إليه.
ج. وثالثا، يصرح القرآن أن قوانين الله لا يمكن تغييرها، فهي ليست من صنع ظروف المناخ في الدولة، ولا هي ناتجة عن البيئة الاقتصادية ووسائل الانتاج، ولا تختلف من زمن إلى زمن، ولا من مكان إلى مكان. فهي قوانين خلقية عالمية ترجع إلى أن طبيعة الانسان لا تتغير.
د. حوادث الماضي فيها عبرة للناس … وهذا يبين أن الماضي بكل ما فيه من نور مشرق وآلام مبرحة يتكرر متخذا ثوب المستقبل، لذا فإن في حركة التاريخ تكرارا وإعادة.
هـ. السبب الأساسي للتغير في التاريخ: ثم يتناول المؤلف السبب الأساسي للتغيير في التاريخ؟ ويرجع إلى القرآن ليجد الجواب في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وهذا معناه -حسب المؤلف- أن عامل التغيير هو الدفعة الداخلية، أي الروح التي بداخل الانسان. إنها الفكرة (الملة) التي تمنح الإنسان رؤية تتجاوز حدود حياته اليومية إلى ما بعد حياته.
وفي سبيل تحديد الأسباب التي تؤدي بالأمم في هذا العالم إلى طريق المجد، والأسباب التي تجلب لها الدمار. ولعل أهم هذه الأسباب هي؛ العدل والخير، والعقيدة والمثل الأعلى، والصدق الذي هو أساس العلاقات الاجتماعية، والإخلاص إذ بونه ينهار البناء الاجتماعي، ثم الشجاعة، والتواصي بالحق، والصبر والتحمل. ولقد أورد المؤلف أمثلة عديدة عن حضور هذه القيم وما أثرت به في الدفع بالحضارة إلى الأمام، وفي غيابها وما تسبب فيه من دمار الحضارات. أما أسباب السقوط أو الانهيار فهي: الاستغراق في غرائز التملك، واستنفاد الطاقة الخلقية عند الانغماس في الملذات والشهوات، والترف.

ملاحظات ختامية:
في ختام عرض هذا الكتاب ومناقشة أفكاره، أود أن أسجل بعض الملاحظات عن إطاره النظري وأدواته التحليلية، وعن محتواه.
أولا: فيما يتعلق بالإطار النظري، فإن الكاتب ينطلق من مرتكز إقبالي (نسبة إلى إقبال)، فما من فكرة يناقشها إلا ويأتي بقول لإقبال يستند عليه، ومعروف أن إقبال ينطلق من مبدأ ان الانسان هو مرتكز التغيير، وأن الذات الإنسانية هي مجال حركة التغير، أي أن الذات الانسانية هي التي تحرك التاريخ.
ثانيا: كما أن المؤلف بالرغم مناقشته لموضوع مهم، ومحاولته تقديم رؤية إسلامية لتفسير التاريخ، فإنه لم يوسع من إطاره النظري، حيث حسر نفسه في فكر إقبال فقط، ولم يستحضر كل الفكر الإسلامي في هذا المجال من فلسفة التاريخ، إذ أننا لم نجد ذكرا لابن خلدون، ولا للمؤرخين أو الفلاسفة المسلمين الذين أسهموا في هذا الميدان. بل إن الكاتب يبدو عليه الاطلاع على الفكر الغربي أكثر من اطلاعه على الفكر الإسلامي في مجال التاريخ وفلسفة التاريخ.
ثالثاً: مرة أخرى يبدو تأثير إقبال على الإطار النظري للمؤلف، إذ يرى أن فلسفة التاريخ الإسلامية هي تفسير التاريخ المعنوي، أو الروحي، لأنها ترى الانسان كائنا معنويا، ومعلوم أن إقبال من خلال كتابه (تجديد الفكر الديني) قد ذهب إلى هذا الرأي، وكما يثبته المؤلف نفسه.
رابعاً: في مناقشته لأهم اتجاهات تفسير التاريخ، فإنه يخلط نوعا ما بين اشبنجلر وتوينبي، إذ يجعلهما في منظور واحد هو الرؤية الإحيائية، ثم يفصل بينهما دون أن يميز بدقة، كما أن التفسير الذي ذهب إليه اشبنجلر قد يلتقي مع ما ذهب إليه ابن خلدون في بعض جوانبه، لكن المؤلف لم يعن بالمقارنة أو التحليل في هذا الجانب، بقدر ما ركز على مناقشة اشبنجلر وحده.
خامساً: ثم إن هذه النظرات الأربعة في تفسير التاريخ لا تدل بدقة على أهم اتجاهات تفسر التاريخ، إذ هناك مدارس أخرى لم يتطرق إليها المؤلف، كالمدرسة الكلاسيكية المسيحية، مثلا، أو مدرسة الظاهرة الدورية، التي ترى في أن حركة الحضارة تتداولها فترات قوة وفترات ضعف، ومن القائلين بذلك ابن خلدون ومالك بن نبي وتوينبي، غير أنهم يختلفون في كيفية وأسباب واتجاه هذه الحركة الدورية.
سادساً: أطال المؤلف في انتقاد أدوات التحليل عند اشبنجلر، وكذلك عند هيجل وماركس، غير أنه لما جاء إلى الأدوات التي يفسر بها التاريخ من وجهة إسلامية لم يبين ذلك بقوة، حيث أنه أشار إلى التطور المعنوي، وكذلك الانسان باعتباره الأداة الأولى لتفسير التاريخ، والمثل الأعلى، ولكنه لم يجعل منها أدوات واضحة في نسق مترابط، ولم يبين أهي مفاهيم أم أدوات تحليل(Concepts or Units and tools of Analysis)، كما أنه لم يبين بشكل واضح كيف تعمل هذه المفاهيم فيما بينها في تشكل رؤية تفسيرية للتاريخ.
سابعاً: يفرق المؤلف بين الحضارة والمدنية، حيث يرى من الحضارة أنها تشكل الروح والجوهر، بينما المدنية هي ذلك الانتاج والجانب المادي الظاهري للحضارة، وأن الحضارة تقوم على أساس الفكرة، لا على أساس تكديس المنتجات المادية، وهو في هذا الرأي يقترب من المفهوم الذي قال به ابن نبي من أن بناء الحضارة يقوم على الأفكار التي تدخل بالانسان مجال التاريخ، أما تكديس أشياء الحضارة فإنه ليس علامة على التحضر، إذ هناك فرق بين إنجاز حضارة وبين تكديس أشيائها ومنتجاتها.

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.