أرشيفات الوسوم: صهينة

برنارد لويس … وصهينة الدراسات الاستشراقيّة

 25/1/1426 – 06/03/2005
ولد برنارد لويس سنة 1916 في لندن لأسرة يهودية، تخصص منذ التحاقه بالدراسات العليا في دراسة الشرق والإسلام بالتحديد وتاريخ الإسلام والمسلمين. وقد حصل على درجة البكالوريوس في التاريخ من مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن عام 1936، كما حصل على درجة الدكتوراه في تاريخ الإسلام من المدرسة نفسها عام 1939، وكان موضوع رسالته عن الطائفة الإسماعيلية وجماعة الحشاشين.Lewis-pre
وأثناء دراسته الجامعية عين مدرساً مساعداً بمدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية، غير أنه ترك العمل بالجامعة خلال سنوات الحرب (1940 – 1945) ليلتحق بخدمة المخابرات البريطانية وبعد الحرب، عاد للعمل بالجامعة حتى عام 1974. واستمرت صلته بالمخابرات البريطانية بعد ذلك، وظل مرجعاً مهماً ومستشاراً يُرجع إليه في شؤون الشرق الأوسط، ولذلك فإنه بمجرد انتهاء الحرب العالمية الثانية غيّر اهتمامه من دراسة تاريخ الإسلام في العصور الماضية، إلى دراسة تاريخ الشرق الأوسط والعالم العربي خاصة في العصر الحديث، ونشر في ذلك عدة كتب تصبّ كلها في تنميط صورة صهيونية عن الإسلام والمسلمين عموماً وعن العرب بشكل خاص، تصب كلها في خدمة المشروع الصهيوني في المنطقة، وتوجّه صانع القرار الغربي والأمريكي بوجه خاص وتزوده بأفكار وزاد معرفي للتعامل مع مختلف قضايا الشرق الأوسط، وتقوم أساساً على إستراتيجية التهويل من خطر الإسلام على الغرب، وتصوير الإسلام والعالم العربي كأنهما الخطر المحدق بالحرية الغربية وبالمصالح الغربية، وتدعو صراحة أو تلميحاً إلى ضرورة دعم دولة الصهاينة في فلسطين المحتلة.
وللعلم فإن برنارد لويس اليهودي البريطاني سرعان ما تخلّى عن الجنسية البريطانية، وتأمرك وصار أمريكياً لما صعد نجم الولايات المتحدة الأمريكية وتأثيرها في قضايا الشرق الأوسط، فالتحق بأمريكا سنة 1974 ليعمل في جامعة برنستون، وهناك صار نبياً من أنبياء الصهيونية المعاصرة، وعبّر في كثير من كتبه عن هذا التصهين في رؤيته للسياسة الخارجية الأمريكية وقضايا الشرق الأوسط.
ويُلاحظ على برنارد لويس وفاؤه لمنهج الاستشراف في بداياته، حيث كان آلة في خدمة الاستعمار، ولم يتأصر بالتطورات التي حدثت في هذا الحقل المعرفي، وظهور بعض المستشرقين الذين أبدوا موضوعية أكثر في دراسة الإسلام والعرب والشرق.
بل ظل برنارد لويس من طراز مارجليوث وجولدزيهر وغيرهما من المستشرقين شديدي التحيّز ضد الإسلام والعرب، وظل وفياً لمنهجهم في إصدار التعميمات غير العلمية وغير المبرهنة عن الإسلام والعرب وعن منهج دراستهما.
فراح يعمم مقولاته المتحيزة وغير العلمية، بل والكاذبة في منطق العلم والبحث العلمي، عن الإسلام والتخلف الحضاري في العالم الإسلامي، والتخلف العربي. وكان من أوائل من تكلم عن صراع أو صدام الحضارات، ثم تلقفها بعد ذلك تلميذه صموئيل هاتنجتون اليهودي الأمريكي صاحب فكرة “صدام الحضارات” و”الحدود الدموية للإسلام” وغيرها من التقوّلات المتخرصة.
لقد وجد برنارد لويس في أمريكا وفي جامعة برنستون مسرحاً آهلا بمن يتبنّون أفكاره الاستشراقية الظلامية، وأيديولوجيته الصهيونية، وراح يكيل التعميمات تلو التعميمات السوفسطائية، من أجل تنميط صورة المسلمين والعرب بطريقة سلبية تجعل من يستمع أو يقرأ له يشعر بالقرف من هؤلاء العرب ومن دينهم، ويتخذ موقفاً سلبياً منهم، ويشعر بتعاطف كبير مع “العالم الحر” ومع الصهاينة “المضطّهدين” بزعمه.
تولى برنارد لويس في جامعة برنستون خاصة وفي أمريكا عموماً قيادة حقل الدراسات الاستشراقية التي كان يهيمن عليها الصهاينة أو المتصهينين المتمركزين في أقسام ومراكز دراسات الشرق الأوسط، والدراسات الإسلامية، بالجامعات الأمريكية، أمثال ليونارد بايندر، وإيلى كيدورى، ودافيد برايس، و دانيال بايبس، ومارتن كريمر، وتوماس فريدمان، ومارتن بيرتز، ونورمان بودو رتز، وجوديت ميلر، وغيرهم.
والأخطر من ذلك أن ربنارد لويس وأشياعه لم يكونوا في حقيقة الأمر أكاديميين فقط، بل كان لهم دور استشاري من خلال عملهم خبراء لدى هيئات ودوائر اتخاذ القرار في الولايات المتحدة الأمريكية.
وظل برنارد لويس أستاذاً للدراسات الشرقية بجامعة برنستون حتى تقاعده من العمل الأكاديمي في 1986؛ إذ أصبح أستاذاً فخرياً (Professor Emeritus)، وهو مركز جعله يبقى مرجعاً فيما يتعلق بالإسلام والعرب والشرق الأوسط ليس للأكاديميين الغربيين فحسب، بل لدوائر صنع القرار الأمريكي خاصة.
يركز برنارد لويس في كتاباته عن الإسلام والمسلمين والعرب والعالم العربي على مجموعة من الآليات الخطيرة، مثل آليات (ميكانزمات) التهويل، والبتر والتقطيع، وآلية التهوين (الإهمال). فهو يهوّل ما كان هامشياً أو عفوياً أو قليل الحضور في التاريخ الإسلامي والثقافة والحضارة الإسلامية، ويهوّن (يهمل) ما كان غالباً مهيمناً في الحضارة والفكر الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية.
كما أنه يمارس بتراً وتقطيعاً لكثير من الحقائق، ويقوم بتغييبها ويعمل على تجاهل أو عزل الأحداث والأفكار عن سياقها الطبيعي. فالقارئ لما كتبه ويكتبه برنارد لويس يجد وكأن الحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي لا يوجد به غير الحشاشين والإسماعيلية والقرامطة، وبعض الفرق المنحرفة الأخرى التي بادت أو انحصرت عن التيار العام للإسلام والثقافة والحضارة الإسلامية والتاريخ الإسلامي.
ومما يُلاحظ على كتاباته عن التاريخ الإسلامي أنه يبرز كل الفرق المنحرفة والانحرافات الفكرية التي لا يمكن بحال أن تطغى على الخط العام المعتدل في التاريخ الإسلامي.
وبرغم اعترافه في كتابه (تنبؤات برنارد لويس) بأن العالم العربي هو مهد الحضارات والأديان السماوية بقوله: “هذه المنطقة التي كانت مركزاً للحضارات، وحاضنة الأديان السماوية، وكانت موطن أول مجتمع عالمي ذي ثقافة بينيّة بكل ما للكلمتين من معنى، وكان مركز إنجازات عملاقة في كل حقل من حقول العلوم والتكنولوجيا والثقافة والفنون، وكان قاعدة لإمبراطوريات متتالية شاسعة وعظيمة”.
فإنه يرى أن هذه المنطقة انتهى دورها الحضاري، وخاصة مع تنامي مد الصحوة الإسلامية، هذه الصحوة التي يراها برنارد لويس بالعين العوراء، حيث يؤكد افتراء أن دعوة الإسلاميين للديمقراطية دعوة خادعة وغير صحيحة، وأن دعوتهم إليها هي بهدف الوصول للحكم، وعندما يتحقق هدفهم ينقضون على الديمقراطية وكل من يخالفهم الرأي. ويرجع ذلك –بزعمه- إلى طبيعة الإسلام ذاته؛ إذ يرى أن الأديان لا تقبل الديمقراطية، وخاصة الأديان الأصولية –يقصد الإسلام طبعاً-.
ويزيد في تهويل الأمر من خلال توقعه بأن العالم العربي والدول العربية هي الأكثر تعرضاً لخطر التفكك، وأنها ليست الوحيدة، فالاتجاه نحو التفكك سيزداد بتشجيع من الشعور الاثني والشعور الطائفي المتناميين، وقد تسربت الفكرة المغرية بحق تقرير المصير إلى عدد من الأقليات الاثنية التي لم تعد تكتفي بوضعها السابق.
لكنه بتطبيقه لآلية التهويل هذه في تهويل أمر الأقليات في العالم العربي، فإنه يمارس آلية التهوين من خلال تغاضيه عن التصريح بمن يقوم بتغذية هذا الشعور العرقي والتفكك الاثني.
ويخرج علينا بمقولة آخرى غربية يدعي فيها نبي الصهيونية الجديد بأنه من اجل إنقاذ الشرق الأوسط ينبغي ان نعتمد على عوامل ثلاثة هي تركيا وإسرائيل والنساء. لأن تركيا اختارت العلمانية والالتحاق بأوربا؛ فهي لا تحمل أمراض الشرق الأوسط بزعمه، اما إسرائيل فهي الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، في حين أن النساء تعرضن للقمع من قبل الثقافة التقليدية السائدة (الثقافة الإسلامية طبعاً). وخاصة النساء اللائي يركز على دورهن في تحويل الشرق الوسط إلى بحيرة ديمقراطية.
كما أن برنارد لويس أعلن تفكك وموت العالم العربي منذ حرب الخليج، واعتبر أن إسرائيل وتركيا هما الدولتان الوحيدتان الناجحتان في منطقة الشرق الاوسط. كما أكّد في مقال له في مجلة (Foreign Affairs) في 1992 حيث قال: إن “غالبية دول الشرق الاوسط. مصطنعة وحديثة التكوين وهي مكشوفة لعملية كهذه. وإذا ما تم إضعاف السلطة المركزية إلى الحد الكافي، فليس هناك مجتمع مدني حقيقي يضمن تماسك الكيان السياسي للدولة، ولا شعور حقيقي بالهوية الوطنية المشتركة، أو ولاء للدولة الأمة. وفي هذه الحال تتفكك الدولة مثلما حصل في لبنان إلى فوضى من القبائل والطوائف والمناطق والأحزاب المتصارعة”
ولذلك فهو يرى أن على أمريكا ألاّ تخاف من غضب الشارع العربي، فإن غضب العرب والمسلمين من الغرب يفتقر في مجمله إلى أي أساس، كونه لا يتجاوز محاولة يائسة من مجتمعات فاشلة لتحميل قوى خارجية، خصوصاً الولايات المتحدة الاميركية واسرائيل، مسؤولية الأزمة الخانقة والتخلف والتفكك الذي تعانيه.
والناظر في معظم توجهات الإدارة الأمريكية في العالم العربي خاصة والعالم الإسلامي ككل، يلاحظ أن مقولات وتوجيهات برنارد لويس قد تحوّلت إلى سياسات وبرامج تعمل الإدارة الأمريكية المتصهينة على تنفيذها، ولا يجد المرء كبير عناء في ربط مختلف تفاصيل هذه السياسات مع الأفكار التي وضعها برنارد لويس في كتاباته الأخيرة منذ أربع سنوات تقريباً إلى اليوم. وبهذا حوّل برنارد لويس الاستشراق من حقل أكاديمي إلى مكتب تحليلات يحرص على توجيه سياسات الإدارات المتصهينة في العالم والإدارة الأمريكية خاصة في الشرق الوسط، كما يعبّرون عنه أو العالم العربي كما هو ثابت تاريخياً.