أرشيفات الوسوم: سيد قطب

رأي سيد قطب في عقيدة التثليث

موجز عن سيد قطب:
إذا كان الرازي قد عاش في القرن السادس الهجري، في ظل هيمنة الحضارة الإسلامية، رغم بعض مظاهر الصراع السياسي، إلا أن الأمة كانت ذات غلبة على كثير من التحديات التي تواجهها، وخاصة في الميدان الفكري على أيدي الغزالي وتلاميذه وأقرانه من العلماء، وإذا كان ابن عاشور يعتبر امتدادا للمدرسة الأصولية التي وضع لبناتها الشاطبي، فإن سيد قطب يعتبر حالة خاصة تتميز عن السابقتين، ولو كان بينهما نوع من التشابه.
فلقد عاش سيد قطب خلال الثلثين الأولين من هذا القرن العشرين الميلادي، ويعتبر من الناحية الفكرية ثمرة مدرسة محمد عبده، إذ هو خريج دار العل(1). غير أنه من الناحية الحركية الاجتماعية ميلاد العمل الرائد الذي قام به الإمام البنا عليه الرحمة، الذي أسس جماعة “الإخوان المسلمون” في 1928م، هذه الجماعة التي أرادت أن تواجه عملية التغيير من منظور جديد هو منظور إحياء معاني الإسلام والإيمان في نفوس الناس ليعيشوها عمليا في واقع حياتهم.
كان سيد قطب أديبا، وبالتحاقه بدعوة الإمام البنا، تحولت جهوده كلها إلى العمل الإسلامي، فكريا وحركيا وسياسيا، وبالرغم من أن إسلاميته كانت واضحة قبل انضمامه لجماعة الإخوان، وخاصة في كتابه “مشاهد القيامة في القرآن الكريم”، فإن وعيه بالعمل للإسلام، وإخلاص حياته له قد تكرّس بعد انضمامه إلى الجماعة.
ويعتبر سيد قطب المنظر الحقيقي لهذه الحركة في بداياتها، وخاصة في مواجهة العلمانية الناصرية، وتسلطها وطغيانها باسم القومية العربية، وما لاقاه الدعاة من تعذيب وتشريد على أيدي زبانية الناصرية من قيام الثورة الناصرية في 1952 وحتى السبعينيات. وفي ظل هذه التحديات؛ الديكتاتورية، والعلمانية، والماركسية، فإن سيد قطب توجه إلى صياغة معالم الفكر الإسلامي الذي يضمن مسيرة الحركة الدعوية لتحقيق أهداف الإسلام في هذه الحياة، فكان أن توجه إلى تفسير القرآن الكريم تفسيراً يستخرج منه المعالم الفكرية الضرورية، والتصورات اللازمة، والرؤى السديدة، بالإضافة إلى تأكيده على تميز المنهج الإسلامي عن غيره من المناهج الجاهلية والمنحرفة، وكان من أهم كتبه التي تعتبر مؤسسة لفكره؛ تفسير “في ظلال القرآن”، وكتاب “معالم في الطريق”، و”خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”، و”المستقبل لهذا الدين”، وغيرها، مما كان له أبعد الأثر في فكر الحركة الإسلامية المعاصرة، وترك جدلا علميا واسعا بين متقبل لما كتب وبين رافض.
منهج سيد قطب في الرد على اعتقادات النصارى:
لقد تناول سيد قطب اعتقادات النصارى بالمناقشة في مواضع متعددة من تفسيره “في ظلال القرآن”، ولذا نحاول أن نركز على بعض الآيات التي فسرها، وتبين منهجه، وذلك في عدة سور مختلفة؛ البقرة وآل عمران، والنساء، والمائدة، والنمل، والزخرف.
أولاً: قوله تعالى: “وقالوا اتخذ الله ولداً سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم قد بينا الآيات لقوم يوقنون” [البقرة: 116-118]. ينطلق سيد قطب من هذه الآيات لنقض دعوى البنوة التي ادعاها النصارى وغيرهم على الله تعالى، وكذا مسألة الخلق بالإرادة، ثم تحديد الخطأ المنهجي الذي وقع فيه النصارى.
1. نقض البنوة وإثبات الخلق بالإرادة: يرى سيد قطب أن “هذه المقولة ليست مقولة النصارى وحدهم في المسيح، فهي كذلك مقولة اليهود في العزير، كما كانت مقولة المشركين في الملائكة” (2) لذلك لم تفصل الآية هنا هذه المقولات، بل أجملتها لأن هذه الفرق هي المناهضة للإسلام قديما وحديثا، ولها نفس الموقف من الإشراك بالله بادعاء البنوة على الله تعالى. ولهذا القرآن يبادر إلى تنزيه الله تعالى عن هذا القول الفاسد، وهنا كما يقول سيد -رحمه الله – نصل إلى فكرة الإسلام التجريدية الكاملة عن الله سبحانه، وعن نوع العلاقة بين الخالق وخلقه، وعن طريقة صدور الخلق عن الخالق، وهي أرفع وأوضح تصور عن هذه الحقائق جميعاً… لقد صدر الكون عن خالقه، عن طريق توجه الإرادة المطلقة القادرة: (كن، فيكون)”(3)، فتوجه الإرادة إلى خلق كائن ما كفيل وحده بوجود هذا الكائن، على صورته المقدرة، أما “كيف تتصل الإرادة التي لا نعرف كنهها بذلك الكائن المراد صدوره فذلك هو السر الذي لم يكشف للإدراك البشري عنه، لأن الطاقة البشرية غير مهيأة لإدراكه”(4)، وذلك لأنه غير لازم لأداء وظيفة الإنسان في هذه الحياة، أي وظيفة الاستخلاف في الأرض.
2. تحديد الخطأ المنهجي: ومن هنا يرى سيد قطب أن الفلسفات اللاهوتية التي ذهبت بعيدا في تفسير هذه الغيبيات، أدخلت الإنسان في متاهات، وهذا هو الخطأ المنهجي الأساس الذي أنتج تصورات ومقولات منحرفة عن الله تعالى، ومن بينها مقولة البنوة. وهذا بالأساس من تأثير الفلسفات الإغريقية. بينما “في النظرية الإسلامية: الخالق غير المخلوق، والخالق ليس كمثله شيء، ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة (وحدة الوجود)، .. بل الوجود وحدة واحدة في نظر المسلم على معنى آخر: وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع”(5) كما قال تعالى: “بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون”. فالمشكلة التي أنتجت هذه الانحرافات هي فساد التصور عن الله.
ثانياً: قوله تعالى: “تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم اللهُ ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح القدس…” [البقرة:253]، هذه الآية التي تلخص قصة الرسل والرسالات -كما يرى سيد قطب- أفردت للرسل مكانة مميزة بين الناس، وقررت أن الله فضل بعض الرسل على بعض، كما ذكرت بعض أمارات التفضيل، وذكرت الآية عيسى بن مريم – وهكذا يرد اسمه منسوبا إلى أمه في أغلب المواضع القرآنية(6). والحكمة في ذلك أن القرآن نزل وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول عيسى -عليه السلام- بين قائل بالبنوة، وبين قائل بازدواجية طبيعته من اللاهوت والناسوت، وبين قائل بالحلول، إلى غيرها من التصورات الأسطورية التي غرقت فيها الكنائس والمجامع في الجدل حولها؛ وجرت حولها الدماء أنهاراً في الدولة الرومانية، ولهذا فالقرآن جاء بالتأكيد على بشرية المسيح وذكره في معظم المواضع منسوبا إلى أمه مريم.
أما “روح القدس فالقرآن يعني به جبريل – عليه السلام – فهو حامل الوحي إلى الرسل”(7)، وبدون التفات إلى آراء النصارى في روح القدس، فإن سيد قطب يثبت المعنى القرآني، الذي يراد به جبريل عليه السلام، ويكتفي بإيراد اعتقادات النصارى في عيسى، والتي سيأتي على تفصيلها في تفسيره للآيات اللاحقة.
ثالثاً: قوله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون” [آل عمران: 59]، يرى سيد قطب أن ولادة عيسى عجيبة حقاً بالقياس إلى مألوف البشر. ولكن أية غرابة فيها حين تقاس إلى خلق آدم أب البشر؟” (8)، والنصارى الذين كانوا يجادلون حول عيسى بسبب مولده يقرون بنشأة آدم من التراب، وأن النفخة من روح الله هي التي جعلت منه هذا الكائن الإنساني، دون أن يصوغوا حوله الأساطير التي صاغوها حول ميلاد المسيح، في حين أن العنصر الذي به صار آدم إنساناً هو العنصر ذاته الذي ولد به عيسى من غير أب، “عنصر النفخة الإلهية في هذا وذاك وإن هي إلا الكلمة: (كن) تنشئ ما تراد له النشأة (فيكون)” (9)، وبالقرآن تتجلى بساطة الحقيقة؛ حقيقة عيسى وآدم، وحقيقة الخلق كله، وتدخل إلى النفس بكل يسر وفي وضوح، وكما يقول سيد قطب: “حتى ليتعجب الإنسان: كيف ثار الجدل حول هذا الحادث، وهو جار وفق السنة الكبرى. سنة الخلق والنشأة جميعا. وهذه هي طريقة الذكر الحكيم في مخاطبة الفطرة بالمنطق الفطري الواقعي البسيط”(10)، فسيد يؤكد أن المنطق الفطري هو الطريق السوي الذي استعمله القرآن في الإجابة عن هذه الإشكالات التي أغرق النصارى في تعقيدها وهي واضحة لمن يستعمل نظره وبصره في سنن الله الحاكمة، فالسنة التي أخرجت آدم هي نفسها التي أخرجت عيسى إلى الوجود أيضاً، فلمَ يقبل النصارى تطبيقها على آدم، ويرفضون تطبيقها على عيسى؟ !
رابعاً: قوله تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيراً لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً لن يستنكف المسيح أن يكون عبداً لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا..” [النساء: 171-172] في تفسيره لهاتين الآيتين يبسط سيد قطب الحديث عن كيفية دخول فكرة التثليث على فترات متفاوتة من التاريخ، ثم تفسير بنوة عيسى ونقض ألوهيته، ونقض ألوهية روح القدس، ثم إيضاح ماهية الألوهية وماهية العبودية.
1. التطور التاريخي لفكرة التثليث: يرى سيد قطب أن التثليث فكرة وثنية “تسربت إلى النصرانية السمحة من شتى الأقوام والملل، التي احتكت بها النصرانية؛ سواء في ذلك أساطير الإغريق والرومان، وأساطير قدماء المصريين وأساطير الهنود” (11) وتولى القرآن تصحيح هذه العقائد التي يتجلى فيها تأثير آراء أرسطو وأفلوطين، وغيرهما من تخبطات الفلاسفة(12)، كما أن الإسلام جاء والنصارى على عقيدة التثليث- على اختلاف مذاهبها- هذه العقيدة ترى “أن الإله واحد في أقانيم ثلاثة: الأب، والابن، والروح القدس. والمسيح هو الابن .. ثم تختلف المذاهب بعد ذلك في المسيح” (13) بين قائل بازدواجية طبيعته، أو أنه ذو طبيعة لاهوتية فقط، وهل له مشيئة واحدة أم مشيئتين؟ وهل هو قديم أم مخلوق؟ إلى غيرها من الاختلافات. غير أن هذه المقولات لم تكن زمن المسيح عليه السلام، وإنما دخلت عبر فترات متتابعة من التاريخ المسيحي، عن طريق الوثنيين الذين اعتنقوا النصرانية، وعن طريق الاتصال بالديانات الوثنية التي كانت فكرة التثليث راسخة فيها، مثل قدماء المصريين -كما أشرنا في التمهيد- ثم مع الاضطهاد الروماني، وتدخل الأباطرة في ترسيم عقيدة التثليث، والمجامع التي أقيمت لهذا الأمر (14).
2. تفسير البنوة: يرى سيد قطب أنه “تطورت فكرة البنوة، وفكرة التثليث، حسب رقي التفكير وانحطاطه ولكنهم اضطروا أمام الاشمئزاز الفطري من نسبة الولد إلى الله، والذي تزيده الثقافة العقلية، أن يفسروا البنوة بأنها ليست عن ولادة كولادة البشر. ولكن عن محبة بين الأب والابن”(15) غير أن القرآن يؤكد بشرية المسيح، “إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه”، شأنه في ذلك شأن بقية الرسل -كما سبق في سورة البقرة- أم تفسير قوله تعالى {وكلمته ألقاها إلى مريم} فإن المسألة تتعلق “بالأمر الكوني المباشر، الذي يقول عنه في مواضع شتى من القرآن: إنه (كن .. فيكون).. والكلمة التي تخلق كل شيء من العدم، لا عجب في أن تخلق عيسى -عليه السلام- في بطن مريم من النفخة التي يعبر عنها بقوله: {وروح منه}”(16)، ويرى سيد قطب أن النصارى انحرفوا بفعل الهوى، إذ أن القضية واضحة وبسيطة، غير أن فعل الهوى ورواسب الوثنية التي عقدت قضية عيسى عليه السلام هذا التعقيد كله. وهذا الذي ذكره سيد هو الذي يؤكد عليه القرآن بأنه الهوى، والولاء للآباء ولو كانوا على غير هدى، أي الهوى وتسرب أفكار الوثنية السابقة على النصرانية. فالمنهج القرآني في نظر سيد قطب واضح وبسيط في هذه المسائل التي ثارت حولها الأساطير، ولذلك كان التصور الإسلامي عن الله في غاية الوضوح. أما الولادة “فهي امتداد للفاني ومحاولة للبقاء في صورة النسل .. والله الباقي غني عن الامتداد في صورة الفانين وكل ما في السموات وما في الأرض ملك له سبحانه”(17)، ونلاحظ هنا أن سيد قطب يحاول استعمال دليل الواجب والممكن، ودليل عدم العجز الذي ذكرناه عند الرازي وابن عاشور، ولكن بأقل تفصيل.
3. ماهية الألوهية والعبودية: ويصحح القرآن العلاقة بين الله تعالى وبين عيسى عليه السلام وبقية المخلوقات بأنها علاقة قائمة على ألوهية وعبودية، فالألوهية لله وحده، والعبودية لسائر المخلوقات تتوجه بها إلى الله تعالى طوعا أو كرها. {سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلاً}، ولا شيء غير هذه الحقيقة، ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية، وصلة العبودية بالألوهية(18) حتى روح القدس (جبريل) فإنه تحكمه نفس العلاقة بأنه عبد لله ولو كان من الملائكة المقربين مثله مثل عيسى ومثل أي مخلوق من مخلوقات الله تعالى. فالألوهية والعبودية “ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان” (19)
خامساً: قوله تعالى: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم وقال يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد ..” [المائدة: 72-73]، فالوصف بالكفر جاء في القرآن سواء لمن قال بأن الله هو المسيح ابن مريم أو أن الله ثالث ثلاثة(20) وينقل سيد قطب عن أبي زهرة ما انتهت إليه المجامع النصرانية من الاتفاق على التثليث وألوهية المسيح والخلاف فيما بينها بعد ذلك، كما أنه ينقل أقوالاً عن بعض الكتاب النصارى أمثال (نوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني)، و(الدكتور بوست)، هذه الأقوال تحاول تفسير عقيدة التثليث، والقول بأن البرهان العقلي عليها مؤجل وليس هذا أوانه (21) والقرآن يرد على هذه التقولات بمنطقه، إذ “يواجههم بالمنطق الواقعي القويم، لعله يرد فطرتهم إلى الإدراك السليم، مع التعجيب من أمرهم في الانصراف عن هذا المنطق بعد البيان والإيضاح”، حيث أجابهم القرآن بقوله تعالى:{ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون}، واكل الطعام مسألة واقعية في حياة المسيح وأمه ولا ينكرها النصارى، وأمه صديقة ليس أكثر، وهذا دليل على أنهما من الحياء الحادثين، ودليل بشريتهما، فالكل تلبية لحاجة جسدية، والله حي بذاته، قائم بذاته، باق بذاته، لا يحتاج.. ونظرا لوضوح هذا المنطق الواقعي ونصاعته التي لا يجادل فيها إنسان يعقل، فإن القرآن يعقب عليه باستنكار موقفهم والتعجيب من انصرافهم عن ذلك المنطق (22).
سادساً: قوله تعالى: “وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون” [التوبة:30]،يرى سيد قطب أن القول ببنوة المسيح لله قول مشهور، وأول من ادعاه هو (بولص)، ثم ما تلاه من مجامع مقدسة(23)، ثم ينقل عن تفسير المنار معنى (الثالوث-Trinity)، حيث يورد صاحب المنار معانيها عند الكاثوليك والبروتستانت، ثم كيفية نشأتها في العهد الرسولي، وتأثير الفلاسفة اليونان، والأساقفة الهيلانيين، كما يورد تعريف ديكارت للتثليث الذي حاول هو وغيره من العقلانيين إسباغ تفسير عقلي للتثليث(24). أما التعقيب القرآني {ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل}، فهو يثبت أن القول صادر منهم، وليس مقولا عنهم، ثم أن النص القرآني بإعجازه يشير إلى أصل فكرة التثليث، ولم يتضح مداه الدلالي إلا مع دراسة العقائد الوثنية حديثا في الهند ومصر القديمة والإغريق، مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب – وبخاصة النصارى- وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم (بولص الرسول) أولاً، ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيراً .. (25).وأشار سيد إلى الثالوث المصري، (أوزوريس وإيزيس وحوريس)، والهندي (برهما وفشنو وسيفا)، والآشوريون والإغريق، فمراجعة العقائد الوثنية القديمة تثبت النص القرآني {يضاهون قول الذين كفروا من قبل} (26).
قواعد المنهج عند سيد قطب: في ختام هذا العرض الموجز لأهم تفسيرات سيد قطب للآيات التي تعرض لعقيدة التثليث النصرانية، ورده عليهم، نحاول تحديد بعض معالم هذا المنهج الذي استخدمه سيد في تفسيره لهذه الآيات.
1. التركيز على توضيح التصور الإسلامي: لا يبدو سيد قطب عند تفسيره لهذه الآيات منشغلا كثيرا بالرد على النصارى بقدر ما كان يهدف إلى توضيح التصور الإسلامي عن الله تعالى، القائم على التوحيد بخصائصه التي بينها سيد قطب في كتابه (خصائص التصور الإسلامي ومقوماته)، فالتصور الإسلامي القائم على الوضوح والبساطة، يؤدي إلى حل كثير من التعقيدات التي وقع فيها النصارى وغيرهم، لما انطلقوا من النظرة الفلسفية في عالم الغيبيات، ولما لم يتخلوا عن الرواسب الوثنية، فالبديل لهذه النظرة الفلسفية المغرقة في الإغراب هي النظرة العقيدية التي تتوقف بالعقل البشري عند حدود إدراكهن وعند متطلبات إنجاز وظيفة الاستخلاف، التي أنيطت بالإنسان ليؤديها في هذه الأرض.
2. الاعتماد على الفطرة والمنطق الواقعي: لم يدخل سيد قطب في كثير من الجدل العقلي المجرد، ولم يتجه إلى المناقشات الكلامية التي لاحظناها عند الرازي، بل استعمل منطق الفطرة الذي يفهمه كل إنسان، وحاول من خلاله تزييف آراء الشرك، وإثبات الوحدانية في صورتها الإسلامية النقية، ولعل هذا يرجع إلى تأثير المحيط الذي يعيشه سيد قطب، وإلى العصر الذي عاشه، إذ كان الأمر يغلب عليه الجانب العملي والعلوم التطبيقية وليس منهج المتكلمين أو مجادلات الفلسفة التجريدية.
3. الربط التاريخي: إذ نرى أن سيد قطب يتحرك من خلال محورين أحدهما محور النبوة والتوحيد الذي ابتدأ مع أول نبي واستمر إلى خاتم الأنبياء، ليصل إلى نضجه واكتماله مع الوحي الخاتم، والمحور الثاني هو محور الوثنيات والجاهليات على اختلاف مظاهرها. ولهذا فهو حينما تحدث عن الفرق التي كانت تواجه الرسالة في زمن التنزيل؛ اليهود والنصارى والمشركين، حاول استصحاب هذه الفرق وأسقطها على الصهيونية العالمية والصليبية العالمية والشيوعية العالمية، مع ما لحقها من تطور. ويبدو عليه الجانب الحركي الذي يعل من المفاهيم واقعا متحركا من خلال ربطها بالواقع، وهذا ما لم نجده عند ابن عاشور مثلا ولو كان ابن عاشور معاصرا له تقريبا. وهذا من تأثير المنهج الجديد الذي انبثق عن جهد الحركة الإسلامية المعاصرة التي فعّلت المفاهيم في الواقع.
4.عدم النقل عن الأناجيل: بل وجدناه ينقل عن كثير من المفكرين المسلمين وغير المسلمين، وبالأساس أبي زهرة فيما يتعلق بتاريخ النصرانية، ورشيد رضا فيما يتعلق بأقوال المفكرين النصارى المعاصرين. كما نراه يرجع إلى كثير من الكتب النصرانية للنصارى المصريين وغيرهم.
الخاتمة:
بعد أن تم بحمد الله وفضله إتمام هذا البحث المتواضع، أود أن أختمه بنتيجة أحسب أنها مهمة، وهي أنه باستعراضنا الموجز لتفسير كل من الرازي وابن عاشور وسيد قطب، فيما يتعلق بالرد على عقيدة التثليث عند النصارى، بعد هذا الاستعراض الذي حاولت من خلالها استخراج الكيفية التي نظر بها هؤلاء العلماء الأعلام إلى مسألة الرد على العقائد الباطلة، فإن النتيجة التي أخلص إليها هي؛ أن كل واحد منهم كان له منهج يختلف عن الآخر في قواعد ويتفق في أخرى، ولعل أهم اتفاق بين كل الثلاثة هو أنهم كانوا يناقشون النصارى باعتبار النصرانية محرفة، وأن الحق كله في القرآن الكريم، ولذلك كان عندهم نوع من التمركز حول النص القرآني، وبعبارة أخرى أنهم كان يحكمهم مبدأ وجود الحقيقة في القرآن وليس في غيره من العقائد، وهو المبدأ أو المنهج الذي سار عليه كل علماء الإسلام من قبل في “الرد على الفرق المخالفة”، وهو منهج يولي أولية مطلقة للقرآن دون غيره من مصادر الديانات الأخرى، وهو ليس كالمنهج الحديث الذي يسمونه “منهج مقارنة الأديان”، والذي حسب رأيي ينظر إلى الحقيقة على أنها موزعة بين الأديان، وهذا يخالف قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام} و{ من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه}، بحيث صار يُسوى بين الإسلام وغيره في كفة واحدة.
أما ما تختلف فيه مناهج هؤلاء الأعلام، فهو أن كل واحد منهم قد طور منهجه بناء على الإطار التاريخي والثقافي الذي عاشه، وبناء على معطيات الواقع الذي كان يواجهه، والخلفية العلمية والفكرية التي تشكلت وفقها شخصيته. ومن هنا رأينا الإمام الرازي يركز على المنهج الكلامي القائم على الجدل العقلي والبراهين المنطقية في مواجهة موجة الفلسفة والإشراق. أما ابن عاشور فإنه كان بالإضافة إلى بعض الحجج الكلامية، فإنه كان يركز كثيرا على اللغة وفهم مقاصد القرآن من الحديث عن عقائد هذه الفرق، باعتبار أن ابن عاشور من المنادين بالإهتمام بالعربية كأصل أساس لفهم كتاب الله تعالى. أما في حالة سيد قطب، فإن الاعتماد على منطق الفطرة، والاسقاط التاريخي والربط بين هذه المقولات قديما وحديثا كان بارزا في منهجه.
ومن هنا القول بأن كل منهج كان مرتبطا في قواعده وصياغته بالتحديات العقدية والفكرية التي كان يواجهها، وبالتالي يمكن الاستفادة من هذه المناهج والقواعد حسب الحالة التي نكون فيها، فإذا واجهتنا حالة شبيهة بالرازي وهي مواجهة أصحاب اللاهوت والكلام من النصارى فإن منهج الرازي أولى، وفي حالة المواجهة مع أصحاب النظر اللغوي والمضموني فإننا نتجه إلى الاستفادة من ابن عاشور، اما في حالة مناقشة أصحاب الفطر السليمة، وعامة الناس فإن سيد قطب يكون أقرب لما ركز عليه من دلائل فطرية ومنطق واقعي بسيط يفهمه كل الناس. والله أعلم، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وأمرنا لنسلم لرب العالمين.
(1) في الحقيقة يعتبر سيد إنتاج هذه المدرسة، غير أن ذلك لا يعني أنه تابع لها في كل ما ذهبت إليه، وبخاصة فيما يتعلق بآرائها في العلاقة بالغرب وكيفة التعامل معه، حيث أن سيد قطب ينتقد محمد عبده وتلاميذه في هذه النقطة، ويرى بأن “هذه المدرسة متأثرة بمناهج تفكير وبأفكار غربية غريبة على منهج التفكير الإسلامي الخالص” انظر: في ظلال القرآن، ج3/ ص1637، الهامش رقم 1.

(2) في ظلال القرآن، ج1/ ص105.
(3) في ظلال القرآن، ج1/ ص106.
(4) في ظلال القرآن، ج1/ ص106.
(5) في ظلال القرآن، ج1/ 106.
(6) في ظلال القرآن، ج1/ ص282.
(7) في ظلال القرآن، ج1/ ص282.
(8) في ظلال القرآن، ج1/ ص404.
(9) في ظلال القرآن، ج1/ ص405.
(10) في ظلال القرآن، ج1/ ص405.
(11) في ظلال القرآن، ج2/ ص815.
(12) سيد قطب، خصائص التصور الإسلامي ومقوماته، الطبعة الثالثة، (ميونيخ: الإتحاد الإسلامي للمنظمات الطلابية، 1983)،ص ص46-54، 79.
(13) في ظلال القرآن، ج2/ ص815.
(14) في ظلال القرآن، ج2/ ص ص815-816.
(15) في ظلال القرآن، ج2/ ص816، 864-865.
(16) في ظلال القرآن، ج2/ ص817.
(17) في ظلال القرآن، ج2/ ص817.
(18) في ظلال القرآن، ج2/ ص818.
(19) في ظلال القرآن، ج2/ ص820.
(20) في ظلال القرآن، ج2/ ص943.
(21) في ظلال القرآن، ج2/ ص944.
(22) في ظلال القرآن، ج2/ ص945.
(23) في ظلال القرآن، ج3/ ص1635.
(24) في ظلال القرآن، ج3/ ص ص1638-1639.
(25) في ظلال القرآن، ج3/ ص1640.
(26) في ظلال القرآن، ج3/ ص1641 وما بعدها.