أرشيفات الوسوم: تفعيل أدائنا

الحاجة إلى تفعيل أدائنا

إن صناعة التاريخ بقدر ما تحتاج إلى أفكار سليمة، فإنها تحتاج إلى فعالية في إنجازها، والأمم اليوم في زمن العولمة والمادية الطاغية على اهتمامات الناس تُقاس درجة تحضّرها بقدر ما تملك من فعالية في أدائها.
والفعالية إذا أردنا أن نتفهم حقيقتها في واقعنا اليوم، وخاصة في المستوى الاجتماعي، فإنها لا تكاد تحيد عن معنى القدرة على توليد ديناميكا اجتماعية، وذلك من خلال تفهّم معادلتنا الاجتماعية، وتحديد متغيّراتها، والقيام بأداء منهجي متناسق لا يحتوي خليطًا من الأفكار المتناقضة.
ولعل الفعالية الاجتماعية هي أهم ما يميز الحضارة المعاصرة عموماً، والحضارة الغربية بوجه خاص، بحيث استطاعت هذه الأخيرة تربية العقل والفكر الغربيين على مبدأ الفعالية، وعلى المستويين الفردي والاجتماعي، وصارت تصبغ كل أفعاله وإنجازاته في إطار التاريخ. وتترجم هذه الفعالية اجتماعياً في الواقع في صورة ضمانات اجتماعية يقدّمها المجتمع للفرد في أطوار حياته المختلفة.
ولهذا فإن ما يفصل المجتمعات في هذا العصر هو مدى فعاليتها؛ إذ يوجد تشابه واختلاف بين المجتمعات، والاختلاف اللافت للنظر يكمن فيما يطبع نشاط أي مجتمع من فعالية تتفاوت درجتها من مجتمع إلى آخر.
والفعالية في حقيقتها ليست شيئاً فطرياً مركباً في فطرة هذا المجتمع أو ذاك أو هذه الحضارة أو تلك، وإنما هي نتاج لتركيب ثقافي معين متحرك في إطار التاريخ، ومرتبط بالوضعية التي يقفها المجتمع من دورة الحضارة.، كما يرى مالك بن نبي عليه رحمه الله.
ولعل العامل الحاسم في تحقيق الفعالية في أداء أي فرد أو مجتمع هو العامل النفسي، الذي يحفز على الأداء الفعّال من خلال توحيد الهم، وتوجيه الاهتمام، وحشد الطاقات، وقد كان القرآن الكريم هو المحفّز والمنتج الأكبر للفعالية في المجتمع الإسلامي في زمن النبوة والصحابة والخلافة الراشدة والسلف الصالح. فقد منح القرآن الكريم لهم الدفعة الروحية، ورفع من طموحاتهم، فغيّروا واقعهم وتاريخهم، وبنوا حضارة لم يسبق لها مثيل من قبل.
وإذا التفتنا اليوم إلى واقعنا، نجد أن القرآن هو القرآن، ولكن النفس غير النفس، فواقعنا يناقض تماماً ما نؤمن به. ونجد المسلم الذي يـأمره القرآن بالقصد والانضباط (…وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً…) [لقمان:18]،) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ…)[لقمان: من الآية19] قد فقد فعاليته لأنه فقد توثّبه الروحي.
ولعل الكثير من المسلمين، ومن غير المسلمين من عزا -ولا يزال- فشلنا وهواننا وسوء أدائنا إلى القرآن الكريم وإلى ديننا الحنيف، مما جعل الكثيرين يشكك في صحة الإسلام، وفي واقعيّته، وفي قابليّته لأن يكون ديناً متحضراً، وأن يكون منبعاً للفعالية وبناء الحضارة.
ولكن الحقيقة أن الأمر لا يتعلق بصحة الإسلام وصلاحه، بل يتعلق الأمر بقانون اجتماعي وسنة من سنن التاريخ، وهي تسجيل الفكرة في النفوس، وخاصة في هذا العصر الذي طغت عليه المادة والفكر الوضعي. ففي منطق هذا العصر لا يكون إثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي، بل بالمستوى العملي. فالأفكار صحيحة –في نظر الكثيرين- إذا هي ضمنت النجاح، وحققت المصالح العاجلة.
ولهذا ينبغي علينا تحقيق فعالية الإسلام في الواقع بالرغم من أن التأكيد على أهمية فعالية الإسلام في الواقع لا يستهين بصحة الإسلام في ذاته. غير أن النظر إلى الإسلام في حركة التاريخ، وفي علاقته بالمعطى الاجتماعي، فيه محاولة لإخراج المسلم من المناقشات الجوفاء، والجدل العقيم، والشعارات المفرغة من محتواها، التي تتحدث عن صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان، في حين أن الإسلام غائب عن قيادة الحياة.
فالنظر إلى الحقيقة الموضوعية، وما يسجله الإسلام في الإطــار الاجتمــاعي من تغيير وصياغة للنفوس، وما يحدثه من أثر في التاريخ أمر مهم في علاج التسيّب واللافعالية التي تكتنف حياتنا الفردية والجماعية.
كما أن العمل على حل مشكلاتنا في واقعنا بما يأمر به الإسلام، وربط الحلول الإسلامية بالواقع- أمر مركزي وخطوة مهمة تخرجنا من الجدال الأجوف على أمر بيّن. ذلك أن الإسلام لا يمكن مقارنته بالمسيحية أو الهندوسية أو اليهودية على مستوى الأصالة الذاتية من أي وجه من الأوجه، في قيمته أو مصدره أو في شموليته. لكن الأمر يتعلق بالمسلم الذي انفصل واقعه الاجتماعي عن تأثير الإسلام، وإن لم يفقد إيمانه بالله يومًا من الأيام.
فنحن لا نحتاج إلى أن نبرهن على الصدق النظري للإسلام، وإنما من خلال صياغة الحياة به كما كان يفعل السلف، وإظهار فعاليتها في الواقع.. من خلال العودة إلى روح الإسلام ومنهجه.
وكما يؤكد مالك بن نبي عليه -رحمة الله- فإن التجربة الإسلامية القدوة التي صاغها النبي -صلى الله عليه و سلم- غيّرت المعادلة الاجتماعية للعرب، وأخرجت إنسانًا جديدًا غيَّر مجرى التاريخ، وشاد حضارة خلال نصف قرن، وأنتج أشخاصًا أمثال عمار وبلال وربعي رضي الله عنهم أجمعين. فعمار بن ياسر كانت روحه المتناغمة مع نداء الفكرة الإسلامية وحرارتها الإيمانية، كانت هذه الروح تدفعه إلى أن ينقل حجرين بدل حجر واحد عند بناء المسجد النبوي، وبلال الذي ينادي: أَحَدٌ أَحَد، إنما كانت روحه أقوى من تلك الصخرة التي على صدره؛ إذ كانت تتطلع بفعل التوتر الذي أحدثه الإسلام فيها إلى حياة أسمى من ذلك العذاب الذي كان يلاقيه فلا يحسّ به. وربعي بن عامر كان بما تشكل عليه من قيم الإسلام وروحه أعلى وأقوى من رستم قائد الفرس، بالرغم من أن ربعي كان جندياً بسيطاً في جيش الإسلام، وكان رستم قائد جيش الفرس، ولكن التوتر الروحي بلغ ذروته عند ربعي -رضي الله عنه- فغيّر مجرى المعادلة.
من هنا يمكن أن نؤكد أن الفعالية من وجهة اجتماعية (سوسيولوجية)، تنتج من خلال التركيب التاريخي للعناصر الأولية للحضارة، والتي هي الإنسان والوقت والتراب، على حسب تعبير الأستاذ مالك بن نبي -رحمه الله- على ضوء هداية منهج مكيف طبقًا للنموذج الذي اختاره المجتمع.
فالفعالية في جوهرها منهج فكري، بمعنى أنها (مسألة أفكار ومناهج وليست مسألة وسائل)، الأمر الذي اعتقده العالم الإسلامي حين اتجه إلى البحث عن الوسائل المادية، بينما الأمر يتعلق بنمط الثقافة، وما تحدّده من مناهج، وما توفّره من أفكار وجوّ فكري، يفعِّل الأداء الاجتماعي للفرد والمجموع.
والحديث عن النموذج والمنهج هو في الحقيقة حديث عن ترجمتهما في صورة مشروع ثقافي، يكتّل الجهود، ويشكّل دستور الحياة، متضمّناً عناصر الفكر والأخلاق والجمال والصناعة بالتعبير الخلدونيّ.