أرشيفات الوسوم: المقاصد

مقصد الحرية تحقيق لمركزية الإنسان من المنظور الإسلامي

الجمعة، 27 نوفمبر 2015 07:12 ص
د.بدران مسعود بن لحسن

إن الإسلام رسالة تحرير للإنسان من كل أنواع العبودية، وإطلاق لطاقاته ليحقق الاستخلاف ويعمر الأرض ويحمل الأمانة، ولهذا كانت شريعة الإسلام هي المنهاج لتحقيق إنسانية الإنسان.

وإن البحث في أصول الشريعة يؤدي -كما يقول العلامة ابن عاشور- إلى اكتشاف مقاصد عظيمة الشرع متشوف إلى تحقيقها. ولهذا رأى ابن عاشور ،في كتابه «مقاصد الشريعة» أن من بين المقاصد التي جاءت الشريعة لتحقيقها مقصد الحرية الذي يمثل أصلا من أصول النظام الاجتماعي في الإسلام.

ولعل زماننا هذا في أمس الحاجة إلى تأصيل هذا المقصد العظيم، حيث كثر ظلم الإنسان لأخيه ، وكثرت أنماط الهيمنة على الإنسان بفعل الحضارة الغربية المادية المتغطرسة التي أفقدت الإنسان حريته، وجعلته كائنا هامشيا تابعا لرغبات الاستهلاك، وتكالب السوق، وسيطرة الماكينات والأجهزة الإلكترونية.

ولهذا نتساءل: كيف تكون الحرية مقصدا؟ وكيف تجعل من الإنسان مركزا وليس هامشا؟ لكنه مركز مرتبط بقيم السماء وليس مرتكسا في حمأة المادة.

إن موضوع الحرية تناوله الفقهاء الأعلام من قبل من خلال إثباتهم للقاعدة الفقهية «الشارع متشوف للحرية»، ولكن ابن عاشور ارتفع بها إلى مستوى تنظيري غير مسبوق، أولاً من جهة جعلها مقصدا من مقاصد التشريع، وثانياً من جهة سعة مفهوم الحرية ذاته. حيث نظر ضمنها بعدين مهمين هما: تحرير الإنسان من العبودية (حرية الرقبة)، وتمكن الشخص من التصرف في شؤونه كما يشاء دون معارض (حرية التصرف).

ويذهب الأستاذ الريسوني في مقال عن «الحرية في الإسلام أصالتها وأصولها» إلى أن ابن عاشور خير من تناول هذه المسألة من علماء الإسلام في كتابيه (أصول النظام الاجتماعي في الإسلام) و(مقاصد الشريعة). واعتبر الحرية إحدى المصالح الأساسية والضرورية التي يقوم عليها المجتمع ويجب على ولاة الأمور تحقيقها وصيانتها.

وفي هذا السياق يقول ابن عاشور: «والحرية بكلا المعنيين وصف فطري نشأ عليه البشر»، كما يؤكد في كتابه (النظام الاجتماعي في الإسلام): «أن الحرية خاطر غريزي في النفوس البشرية، فبها (أي الحرية) نماء القوى الإنسانية من تفكير وقول وعمل، وبها تنطلق المواهب العقلية متسابقة في ميادين الابتكار والتدقيق. فلا يحق أن تسام بقيد إلا قيدا يدفع به عن صاحبها ضر ثابت أو يجلب به نفع».

بل إن أصالة الحرية وفطريتها لا شك فيهما أبدا، ذلك أنها «حق للبشر على الجملة، لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فيه القدرة على العمل فقد أكنَّ فيه حقيقة الحرية وخوله استخدامها بالإذن التكويني المستقر في الخلقة». ولذلك فإن ابن عاشور عد الاعتداء على الحرية من أكبر أنواع الظلم. لأن الحرية أمر فطري وأصل أصيل في الاجتماع الإنساني، فهي «حلية الإنسان، وزينة المدنية، فبها تنمى القوى وتنطلق المواهب، وبصونها تنبت الفضائل والشجاعة والنصيحة بصراحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتلاقح الأفكار، وتورق أفنان العلوم» كما يؤكد في كتابه النظام الاجتماعي في الإسلام.

كما أن الحرية أمر غريزي في الناس لأنها كما يؤكد في الكتاب نفسه «خاطر غريزي في النفوس البشرية، والله سبحانه وتعالى منحها للإنسان «لأن الله لما خلق للإنسان العقل والإرادة وأودع فيه القدرة على العمل فقد أكنَّ فيه حقيقة الحرية وخوله استخدامها بالإذن التكويني المستقر في الخلقة».

إن الاهتمام بمقصد الحرية كما قدمه ابن عاشور -إذا فهم في سياقه الفكري والتاريخي- لا يجد القارئ فيه كبير عناء للانتباه إلى أهمية الإنسان في النظر المقاصدي وأهمية فكرة الحرية.

فإذا كان الخطاب الحداثي أفلح في تغيير وضع الإنسان الغربي لأنه استرجع مركزية الإنسان بعد أن همشه الفكر اللاهوتي الكنسي، فإنه حري بنا أن نمركزه أيضا ونخرجه من الجدل الكلامي إلى الإعمال المقاصدي، والرؤية الاستخلافية التي تجعل الإنسان خليفة في الأرض منوطا به تحقيق العمران وتحمل الأمانة.

ولهذا فالحرية في المنظور المقاصدي لا تطرح بمعناها الميتافيزيقي كما طرحها المتكلمون في مقابل الجبرية، أي في صلة العبد بالله، وإنما طرحها بمعانيها الاجتماعية والفكرية والسياسية والثقافية. وهذا في الحقيقة تحول مهم جدا في الفكر والاجتهاد يحسب للمدرسة المقاصدية منذ ابن عاشور، الذي عمل على استعادة خاصية مهمة في الفكر الإسلامي وهي «التوسل بالنظر إلى العمل».

والنظر إلى الحرية باعتبارها مقصدا شرعيا وأمرا فطريا في الإنسان، يجعل من الخطاب المقاصدي للحرية يقوم بحوار غير معلن مع فكر الحداثة الذي يدعي مركزية الإنسان.

وكأنه يقول إن الرؤية الإسلامية أيضا تمركز الإنسان من خلال مقصد الحرية، ولكن الإنسان الذي يمتد نظره وأفقه إلى السماء ليستمر وجوده مكرما مستخلفا، وليس الإنسان الذي يمركز نفسه من خلال ادعاء موت الإله وانتهاء اللاهوت ليصل إلى موت الإنسان نفسه بفقدانه المعنى في وجوده، وانمحاء تميزه من خلال اختصار وجوده في بعد واحد هو البعد المادي، ووقوعه في قبضة صيرورة الطبيعة والمادة، كما يقول العلامة المسيري.

فالإنسان مهم جدا ومحوري في الرؤية الإسلامية، وصلاحه مدار مقاصد الشريعة، ومن أهم مقاصده حريته في مختلف أبعادها، لأن الإنسان ليس وجودا ماديا فقط كما تذهب إلى ذلك بعض المدارس الفلسفية، ولا وجودا مختزلاً، ووجوده أيضا ليس نقيضا للوجود الإلهي حتى يحدث بينه وبين الله تعارض أو تضاد.

والحرية كما يقول المسيري أمر فطري قائم في نسيج الوجود البشري ذاته، فإن الإنسان له تاريخ يروي تجاوزه لذاته (وتعثره وفشله في محاولاته). وما التاريخ إلا تعبير عن إثبات الإنسان لحريته وفعله في الزمان والمكان. ولعل تاريخ الإنسان هو تاريخ الوعي بحريته وبحدود تلك الحرية.

وإذا كانت الحرية صفة فطرية من صميم خلقة الإنسان ومن صميم مؤهلاته الأولية، فمن الطبيعي أن يجعل الإسلام -وهو دين الفطرة- هذه الحقيقة أساسا مرجعيا في تشريعاته وأصوله التشريعية كما يقول الأستاذ الريسوني. وبهذا فإن مقصد الحرية يجعل الإنسان مركزيا في هذا العالم بدل التهميش والاختزال الذي تعرض له بفعل الحضارة المادية المعاصرة.

http://www.alarab.qa/story/719218/%D9%85%D9%82%D8%B5%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82-%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D8%B8%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A#section_24

كيف فهم الصّحابة التأسّي..عمر نموذجاً

كيف فهم الصّحابة التأسّي..عمر نموذجاً
د. بدران بن الحسن – د. فريدة صادق زوزو
13/7/1425
29/08/2004

 أهمّية التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنّ التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي درج عليه المسلمون منذ عصر الصحابة يحتاج إلى تأمّل ونظر وتدبّر، ذلك أنّ هذا التأسّي إمّا وقع فيه إفراط أخرجه عن غايته، وإما وقع فيه تفريط أدّى إلى الطّعن في صاحب الرّسالة صلى الله عليه وسلم، وذلك طبعاً بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم.
كما أنّ التأسّي منذ عصر التدوين قُصِر في الغالب الأعمّ على التأسّي الفقهيّ، وما يتعلّق بالعبادات والشعائر، ولا يكاد يخرج من دائرة الحلال والحرام، ولست أدري لماذا إذا ذكرت القدوة أو التأسّي يذهب ذهن المسلم إلى اتباع السّنة بالمفهوم الذي صاغه الأصولّيون والفقهاء فيما يتعلق بالجانب التشريعيّ، رغم أنّ القرآن الكريم جاءت فيه آيات كثيرة تدعو إلى مطلق التأسّي والاقتداء. قال الله تعالى: (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ …)[الأحزاب: من الآية21] ، وقال عزّ وجلّ: (…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…)[الحشر: من الآية7]، وقال تعالى: (…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ… )[النور: من الآية63]، وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128] .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…)[الجمعة: من الآية2] وغيرها من الآيات القرآنيّة الكريمة.
والمعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالإسلام، والاسلام ليس تشريعاً فحسب، بالرغم من مركزيّة قضيّة التشريع، بل هو هداية للانسان في كل أبعاد شخصيّته.
لهذا لا بد من تأسيس علم التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يعمل هذا العلم على دراسة واستكناه الدوائر التي يشملها التأسّي، وكيفيّته، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً لكل مسلم في كل أبعاد شخصيّته؛ في رؤيته للحياة والكون، في فعاليته، في منهجيّته، في دوره كحاكم،ومربٍ، ومبلغ، وداعية، ومجتهد، وأب، و …

دور الصحابة رضي الله عنهم في فهم التأسّي:
ولا شك أنّ بناء هذا التأسّي على أسس متينة من الفهم لحقيقة التأسّي، يقتضي معايشة الصحابة رضوان الله عنهم، وهم مقبلون بكليّتهم على استلهام النموذج النبويّ أثناء وجوده بين ظهرانيهم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وأهمية معرفة الكيفيّة التي فهم بها الصحابة التأسّي تشكل قاعدة مركزيّة وأساساً في سبيل بناء منهج التأسّي، باعتبار أنّ الصحابة شهدوا نزول الوحي، وعاصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسدّدهم ويصحح فُهُومهم وأعمالهم، ويوجّه بصائرهم إلى معاني الهداية والاقتداء، فحقّقوا صفة الخيريّة بشهادة الله ورسوله؛ الخيريّة في تحقيق الوعي؛ وعي الرسالة، والعمل، والاتباع، والطاعة، والتأسّي، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فقد حافظ كل صحابي على شخصيّته المتميزة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكلهم صوراً مكرّرة له، ولم يكونوا يريدون أنْ يكونوا صوراً مستنسخة منه، رغم تقديرهم لقيمته، وتضحيتهم في سبيله، وطاعتهم المطلقة له عليه الصلاة والسلام، ورغم أنّه أعاد صياغة شخصياتهم، أو بتعبير الصحابة رضوان الله عنهم: “كان رسول الله يفرغنا ثم يملؤنا”.

تأسّي مجموع الصحابة يشكل نموذجاً للتأسّي الكلّي:
وفهم الصحابة للتأسّي له جانب مرتبط بشخصيّة كل منهم، وبمجموع هذه التأسّيات –إنّ صح التعبير-تشكل النموذج الكلّي للتأسّي الذي صاغه الصحابة رضوان الله عنهم، بشكل علميّ توفّرت فيه الممارسة العملية والاحتكاك بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ومشاهدته وهو يبني النموذج لبنة لبنة.
ولو أخذنا أيّ صحابي كمثال أو نموذج لوجدناه يمثل أحد جوانب التأسّي الكلّي لجيل الصحابة رضوان الله عنهم.
وفي مقالتنا هذه نريد أن نأخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجاً نحاول من خلاله تبيّن كيف فهم الصحابة التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

نموذج التأسّي العمريّ:
واختيارنا لعمر رضي الله عنه يرجع لمواصفات وخصائص توفرت له تساعدنا أكثر على فهم نموذجه في الاقتداء، ذلك أنّه كان أقرب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، وأكثرهم حضوراً في تشكل الدّعوة والدّولة والأمّة، وأُتيحت له فرصة الافتاء(1)، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوزارة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والخلافة لمدة تزيد على العقد من الزمن، وأنشأ من الدواوين وأحدث من العمال الكثير الكثير، وتوسعت في عهده رقعة بلاد الاسلام، وأول من جمع القرآن في المصحف (2)، وموافقاته للقرآن أشهر من أنْ تذكر.
والدارس لسيرة عمر رضي الله عنه، والمطلع على مروياته، ينتبه إلى مفارقة تستحقّ التأمّل؛ فهو من جهة كثير الحضور والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جهة أخرى نجد أنّ مرويّاته من القلّة بحيث تُعدّ على الأصابع.
ألم يكن عمر يقدّر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن عمر يهتمّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
إذا كان يتبعه فكيف يجادله ويناقشه في كل أمر لا يستوعبه؟!
وما محلّ اعتبار عمر؟!
وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، يقول به”؟!
لو كان التأسّي رواية الحديث فقط ونقل أقوال الرسول-صلى الله عليه وسلم- وملازمته دائما لما وسع عمر أنْ يتجاهل هذا، ولكان أكثر الصحابة حفظاً ورواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولو كان التأسّي إعمالا لما رود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم لما أوسع في الاجتهاد بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بل وحتى في حياته –كما سبق ذكره- ولما أنشأ من المصالح والدواوين ما لم يكن من قبل في مرحلة النبوّة.
ولو كان التأسّي يقتضي اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم وتعليل ومحاولة استيعاب، لما كان من عمر أن يجادل ويناقش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من المواضع، مثل: أسرى بدر، ويوم الحديبية، والصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول، ولما كان منه أن يقترح ويبدي رأيه لرسول الله في مواضع عديدة.
ولو كان التأسّي ظاهرياً لما وسع عمر قطع شجرة الحديبية، أو أحجار منى، أو إيقاف إعطاء سهم المؤلّفة قلوبهم.
ولو كان التأسّي مناقشة كل ما يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعقله، لما كان من عمر أنْ يقول مقالته عن الحجر الأسود وهو يُقَبِّلُه، وهو يعلم أنّه يقبّله لأنّه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبله، ويعلم أيضا أنّه حجر لا يضرّ ولا ينفع.
إنّ عمر رضي الله عنه لو لم يكن متبعاً لرسول الله ومتأسياً به لما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الحق ينطق على لسانه”(3). كما أن السلف فهموا من حديث: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ”(4) الخلفاء الأربعة، وبالأخص الشيخان؛ أبو بكر وعمر، كما جاء في الطبقات لابن سعد من حديث سفيان بن عيينة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر”(5).
هذا القبول الذي لاقاه عمر من الأمّة منذ عهد الصحابة، وهذه الشهادة له من النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، تجعل منه من أقرب الناس إلى النبي وسنته، مع أنّه قليل الرواية، وكثير الانجازات التي لم تكن معروفة في الأمّة قبله.
من هنا نفهم أنّ عمر رضي الله عنه فهم اتباع السنة والتأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به على أنّه اتباع لطريقة ومنهج وعادة (6) النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الوحي، وسيرته التي سلكها في تبليغ الرسالة وتحقيق النموذج الأمثل للاقتداء، وتحقيق هداية القرآن في الناس.
ورغم اشتراك الصحابة رضوان الله عنهم في أصل الاتباع إلا أنّ كل صحابّي له ميزته في اتباع السنة، شكّلت شخصيّته، وتوافقت مع روحه، فإذا كان عبد الله بن عمر يتتبّع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه وجلوسه واستظلاله، فإنّنا نجد عمر بن الخطاب له منهجه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسّي به، يمكن لنا أنْ نعتبر أنّ منهج عمر رضي الله عنه في فهم التأسّي يقوم على عدة قواعد مميّزة لخطّ عمر الذي صاغه فيما بعد من تأثروا به:

قواعد منهج التأسّي العمريّ برسول الله صلى الله عليه وسلم:
أول هذه القواعد: أنّ عمر رضي الله عنه كان يعتبر الاقتداء الأمثل في حفظ كتاب الله، والانشغال به عما سواه، مستلهما ذلك من نهي رسول الله عن كتابة السنة، وأنّ السنة تحفظ بحفظ القرآن والعناية به، والعيش في رحاب القرآن كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: أنّ عمر يتوقف ويتّبع ما كان ليس له علّة مثل تقبيل الحجر الأسود وغيرها، فإنّه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فعله، ولو لم يعقله لتحققه من أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا حقاً، ولا يزيد عليه، وينهى عن الزيادة على ما اكتفى عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: كان عمر يفهم التأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صورته الاجتماعيّة المعروفة كسلوك، وتتداولها الناس بينهم، وهذا معروف عن سيرة عمر وعدم تقبّله لما كان شاذاً، واعتباره للنقل العام وما يرتبط بكل الناس، وهذا المذهب هو ما تجسّد فيما بعد في عمل أهل المدينة كمستند فقهيّ في المذهب المالكيّ، حتى إنّ عمر لما جاءه أبو موسى الأشعريّ -رضي الله عنه- بحديث لم يكن معروفاً لديه طالبه بالدليل والشاهد.
رابعها: أنّ تأسّي عمر وتشبّهه برسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعله يتشدّد في رواية الحديث، وكان من أحرص الصحابة وأكثرهم تميّزاً في الحرص على عدم التقوّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما أظنّ ذلك إلا نابعاً من وعي دقيق ،وعميق من مخافة انشغال الناس برواية الحديث والافتراء أو عدم التثبّت، وترك القرآن الكريم الذي هو أصل ومستند للسنّة، وأحسب أنّ عمر بتشدّده في رواية السنة لم يكن يعني به عدم الاهتمام بالسنة، بقدر ما كان يبذر البذور الأولى للتثبّت العلميّ ومنهج نقد الرواية والجرح والتعديل الذي تحوّل فيما بعد إلى علم الحديث رواية ودراية، وحافظ على السنة، وحماها من الدّخيل والزائف، وعمر كان يعي تماماً وجوب بقاء نموذج النبي -صلى الله عليه وسلم- واضحاً في أجيال المسلمين القادمة، ولا تتداخل سنته -صلى الله عليه وسلم- وسيرته مع آراء الرواة(7).
خامسها: أنّ عمر رضي الله عنه عايش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حالات متعدّدة؛ في الحرب والسلم، قاضياً وحاكماً، ومبلغاً وداعياً، ومجتهداً وقاضياً، وأباً، وزوجاً لابنته، وأخاً(8)، ومشرّعاً، فامتلك الفهم الذي استطاع من خلاله أنْ يصوغ منهجه في التأسّي الذي يقوم على التفريق بين مستويات التأسّي المختلفة؛ ما هو واجب الاتباع، وما هو من العادة القابلة لعدم الأخذ بها، وما هو مرتبط بالزمان والمكان والأحوال.
كما أنّه امتلك روح التأسّي التي جعلت منه يراعي روح الشريعة ومقاصدها كما يراعي أفرادها الجزئيّة، وظاهرها في التعامل مع القرآن والسنة في حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، كما تجلّى في نقاشاته لرسول الله -صلّى الله عليه وسلم- في حياته، ويتجلّى أيضا في اجتهاداته التي أنجزها في اقتراح خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وفي سهم المؤلّفة قلوبهم، وفي خراج أرض السواد، وفي توسعة الحرم، وفي إقراره معاوية على لباسه واتخاذه الحجب، … وغيرها.
فبالرغم من معارضته الظاهريّة للنصوص، فإنّ التأمّل الدّقيق في اجتهاداته يرى أنّها كانت صائبة، وسارت مع روح النص حيث يجب مراعاة روحه، وتوقفت عند الظاهر حيث يجب التوقّف عند الظاهر.

وختاماً: وفي ختام مقالتنا المقتضبة هذه، نودّ أنْ نؤكّد أنّ منهج التأسّي العام برسول الله-صلى الله عليه وسلم- يتشكّل من مجموع تأسيّات كل صحابته، ذلك أن لا أحد من الصحابة ادّعى أنّه استوعب كل ما يجب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشكل يغني عن الاخرين، وإلا صار هو في مقام النبيّ. كما أنّ تأسّي كل صحابّي مرتبط بشخصه إلى حد كبير(9).
ووجود الصحابة في حد ذاته له دلالة بالغة الأهميّة في دور التأسّي الجماعي للصحابة في حفظ الصورة واضحة عن كيفيّة تعامل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الوحي، وتنزيله على واقع الناس، وتحقيق الهداية به، وتبليغه، وتحقيق النموذج القرآني في بناء الشخص، والشخصيّة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، والأمّة المسلمة.
وانفراد بعض الصحابة بالإكثار من الرواية يقابله انفراد بعضهم في جوانب أخرى من النقل العمليّ لشخصية محمد بن عبد الله الرسول، وشمائله، وطريقته، وعادته في تمثّل الوحي، والأخذ عنه في كل ما يتعلق به كمعلم للهداية.
والاقتصار على التأسّي الفقهي يحصر عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دائرة الحلال والحرام والحكام الفقهية العملية فقط، وفي مستوى واحد من التأسّي دون بقية المستويات المطلوبة من النبيّ الخاتم والرسالة الخاتمة، وهذا ما لا أظن أنّ الصحابة يغيب عنهم هذا الوعي الكلّي للتأسّي، وإلا طعنّا في الرسول ذاته لأنّه يكون قد اختار لصحبته والتبلغ عنه ناساً قاصرين، وهذا ما لم يقلْ به عاقل فضلاً عن مسلم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.

(1) طبقات ابن سعد، ج2/ص334.
(2) مناقب عمر بن الخطاب، ابن الجوزي، ص126.
(3) طبقات ابن سعد، ج2/ ص335.
(4) الحديث رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والتّرمذي وحسّنه وصحّحه، انظر حجية السنة، الشيخ عبد الغني عبد الخالق، ص57.
(5) طبقات ابن سعد، ج2/ ص234.
(6) من معاني السنة في اللغة: الطريقة والعادة والسيرة، انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي.
(7) ذكر ذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ج2/ ص120.
(8) جاء في كتب السنة والسيرة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوه أحياناً: يا أخي.
(9) وهذا لا يدل على أنّ الصحابي يروي ما يوافق شخصيته ومنهجه، بل الرواية جزء من التأسّي، يتضمن معنى وعي نقل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، ولا تأثير لشخصية الصحابي بشكل يؤثر على النصّ المرويّ كما أثبتت ذلك كثير من الدلائل التاريخيّة.