أرشيفات الوسوم: القرآن

القرآن ومنهجية التصديق والهيمنة

 جاء القرآن الكريم هداية للبشر في كل شؤونهم ?إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ…? [الإسراء: 9]، كما أنه اعتبر حركة الرسالات النبوية سلسلةً متكاملة جاءت لتصحيح الدين الواحد الذي طرأت عليه التبدلات بفعل التجربة الإنسانية والتغير التاريخي، قال تعالى: ?شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ?[الشورى:13]،

ويُعزز هذا ما قدَّمه القرآن نفسُه من مناهج للتعامل مع أهل الأديان الأخرى. وهي مناهج تأخذ بالرفق بأيدي التائهين والمنحرفين إلى الصراط المستقيم إن كانوا مستعدين لذلك. فالقرآن الكريم لم يحدد للمسلمين اتجاههم فقط، بل دلهم على مناهج يسلكونها في إطار المنطق العلمي والحرية الفكرية للتوصل إلى أهدافهم، ويطبقون من خلالها نقدهم ودراساتهم.

التوحيد معيار التصحيح

كما أن معيار التوحيد الذي وضعه القرآن للحكم من خلاله على الأديان واعتبار الإسلام هو الدين الحق معيارا عاما مجردا يمكن تعميمه وتطبيقه دون تحيز. يقول تعالى: ?قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ? [آل عمران:64]، و?شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا… فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ? [الشورى:13-15].

فالصحة مرتبطة بدرجة التمسك بالتوحيد الصحيح، والخطأ أو الزيف يتحدد في درجة البعد عن التوحيد الصحيح.

وفي الوقت نفسه اعتمد الإسلام مبدأ التصحيح كما يقول الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، فالأديان قابلة للتصحيح، وللعودة إلى التوحيد في صورته الصحيحة. ولا يوجد دين باطل بالأصالة أو بالفطرة، فالأخطاء التي وقعت للأديان أخطاء بشرية يمكن معالجتها. وحركة التصحيح حركة مستمرة قد تحدث بدوافع داخلية أي من داخل الدين ذاته استجابة لعوامل الفطرة السليمة والعقل السليم، أو بدوافع خارجية نتيجة التأثر بدين آخر. فالانتقال من الباطل إلى الحق ممكن، والانتقال من الحقيقة النسبية إلى الحقيقة المطلقة ممكن.

فالأديان في حالة تصحيح مستمر لذاتها، وفي سعيها للحقيقة تصلح من نفسها وتقبل النقد والتصحيح، بصرف النظر عن مصدره داخليا كان أو خارجياً. لهذا كثرت حركات الإصلاح في تاريخ الأديان بهدف تصحيح الأوضاع الدينية.

ولهذا اعتبر القرآن حركة الرسالات النبوية سلسلة متكاملة جاءت لتصحيح الدين الواحد الذي طرأت عليه التبدلات بفعل التجربة الإنسانية والتغير التاريخي.

التصديق والهيمنة ??طريق التصحيح

ويكون ذلك التصحيح المستمر عن طريق منهجية التصديق والهيمنة التي ذكرها القرآن الكريم: ?وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ? [المائدة:48].

وفي تفسير هذه الآية نجد أن الهيمنة القرآنية على بقية الكتب الدينية تحمل معاني: أن القرآن عالٍ ومرتفع عليها، وشاهد، وحافظ لتراث النبوة، ومؤتمن عليه، وهو ما ذكره القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب بأن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب، وأمين عليها.

وتكمن أهمية منهجية التصديق والهيمنة القرآنية في كونها أساساً مهما في أغلب عمليات المراجعة والتقويم، كما أنها سبيل قويم لممارسة الحوار والتدافع مع مختلف العقائد، وهي كذلك مرجع في وزن كل التصورات والعقائد الإيمانية والسلوكيات الأخلاقية الذاتية أو الغيرية، لاختزانها إمكانية الإحاطة بجوانب الصواب والاختلاف، فتزكي الصالح وتدفع الطالح، وتثبت النافع وتمحو دفعا الزبد الغث الضار.

القرآن وضع أسس المراجعة العقدية

فعمليات المراجعة العقدية التي جاء القرآن بتأسيسها من خلال نصوصه، كانت دعامة نقدية للعقل الإنساني ومعارفه الغيبية على وجه الخصوص، وقد دافعت عن التصورات القرآنية المستجدة ببرهانية صارمة، كما دفعت بعض عقائد السابقين من أهل الكتاب المحرفة كما أشار إلى ذلك الأستاذ بناصر.
فبالتصديق يعيد القرآن المجيد تراث النبيين وكتبهم المنزلة إلى حالة الصدق التي نزلت بها بعد تنقيتها من كل ما قد شابها من تغيير وتحريف أو مؤثرات إنسانية‏،‏ وبالهيمنة وضع القرآن تراث النبوات الخالص بين آياته‏‏ وجعله في حمايته ليكون الدين الواحد لله الواحد‏.‏ ولئلا يتعرض مرة أخرى إلى التدخل البشري‏.‏

وجهتا منهجية ??التصديق والهيمنة

وكما يرى الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، فإن منهجية التصديق والهيمنة في القرآن المجيد لها وجهتان:

الوجهة الأولى: إزاء الكتب السالفة؛ فهناك تصديق لما صحّ من هذه الكتب ثم هيمنة عليها في تكامل تامّ معها.

والوجهة الثانية: إزاء ما يمور ويعتلج في حياة الناس من ممارسات، وما هو مستقر فيها من أعراف. والتصديق في هذه الوجهة عبارة عن إقرار الصالح من كل ذلك بالسكوت عنه أو الثناء عليه، وتغيير الطالح بالحديث عنه وكشف مساوئه.

إن التصديق القرآني لم يلغ كل عقائد ويقينيات السابقين، بل تعامل معها على أساس أن في بعضها ما يستحق التنويه كما أن فيها ما يمكن أن يتبعه المؤمنون كتاب مصدق مهيمن وشريعة خاتمة دائمة وواقع الهيمنة القرآنية وقوتها كما يقول الأستاذ بناصر تكمن في الإبقاء على الأصلح والاعتراف به، مع تجديد في بعض الفروع أو التأسيس لبعض الأصول أو رفع الغل والمشقة، ونسخ ما كان يضيق به صدر المؤمنين من الأحكام ?مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ? [الحج:76]، ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا? [البقرة:142]، ثم لأنها عقيدة خاتمة ومتممة، فلا ينبغي لها الإفراط والتشدد، ولا التفريط والإخلال، فهي شريعة الديمومة والامتداد، وهي شريعة الوسط لأمة عالمية تمتاز بالوسطية وبالخيرية والخاتمية، فوجب أن تستمر إلى آخر الزمان وتتعالى عن النقصان أو الزيادة والتحريف، مصدقة ومهيمنة، تجمع العقيدة والشريعة، والأخلاق والقيم.

http://www.alarab.qa/story/713380/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D9%88%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9#category_23

مركزية القرآن في إنتاج المعرفة من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

مركزية القرآن في إنتاج المعرفة
من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

بقلم: د. بدران بن لحسن
كلية الدراسات الإسلامية/ جامعة حمد بن خليفة/ مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع/ الدوحة/ قطر

مقدمة:
إن كل دارس لابن عاشور -عليه رحمة الله- يدرك الخط الفكري الذي تموقع فيه. ولا يجد من له أدنى تأملٍ صعوبةً في معرفة أن الخط الذي أسس له كل من الشاطبي وابن خلدون -عليهما رحمة الله- قد اجتمعت روافده في ابن عاشور. فإذا كان الإمام الشاطبي رائداً أكبر في في مبحث المقاصد  على مستوى العالم كله، فإن الإمام ابن عاشور هو مستأنف هذه الريادة في عصرنا الحديث.[i]
أما بالنسبة لابن خلدون الذي كان له فضل التأسيس لعلم العمران، والاتجاه بالبحث والفكر والنظر من التأمل النظري البحت إلى الاستقراء العملي، وإجراء الملاحظة ومراعاة طبائع العمران من تبدل وتداول وصيرورة، فإن ابن عاشور قد سلك مسلكه في ذلك؛ إذ إن الناظر في فكره يجد البعد الاجتماعي والسنني والبحث عن العلل والقوانين مبثوثا في مختلف مؤلفاته سواء في التفسير أو المقاصد أو غيرهما.[ii]
وإذا نظرنا إلى ما يتميز به الخط الخلدوني الشاطبي نجد أنه -من جهة- اتجه إلى الكليات جاعلا منها إطارا للنظر والتحقيق دون أن يؤدي به ذلك إلى إهمال الجزئيات. ومن جهة أخرى، فإن هذا الخط قد اشتغل على استعادة التفكير السنني الذي أرساه القرآن الكريم والذي يجعل من مهمة تحقيق الاستخلاف مهمة إنسانية قائمة على قوانين صارمة لا تحابي، ينبغي اكتشافها والاحتكام إليها وتسخيرها بما يحقق أهداف الاستخلاف. وبهذا فهو خط يعمل على النظر بتوازن، والتأسيس لمرجعية منفتحة، قائمة على قراءة سنن الكتاب والكون، لا على مرجعية اصطفائية حصرية كانت موجودة قبل الرسالة الخاتمة.[iii]
وتهدف هذه المقالة إلى إبراز إسهامات العلامة ابن عاشور -يرحمه الله- في ما اضافه من إضافة نوعية لجهود الإصلاح والتجديد، بما توفره مساهماته من بعد تنظيري وقواعد منهجية ومعرفية لجهود الإصلاح، لتلافي الوقوع في فقدان الرؤية وافتقاد المنهج.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تقوم الورقة على استراتيجية تحليل واحدة من المقولات الكلية والقواعد المنهجية التي يقوم عليها فكر ابن عاشور وتطبيقاتها في مختلف إنتاجه الفكري وممارساته الإصلاحية؛ والمتمثلة في مركزية القرآن في إنتاج المعرفة.
حيث تمثل هذه القضية (مركزية القرىن في انتاج المعرفة) محورا أساسيا وبعدا مهما في فكر ابن عاشور، وتعدّ جهدا فكريا وعلميا ينطلق من رؤية إصلاحية تحاول إعادة الاعتبار للقرآن الكريم في تشكيل المعارف وبناء الفكر وصياغة المفاهيم من اجل تحقيق البناء النهضوي الذي سعى إليه ابن عاشور -عليه رحمة الله-.

 المقصود بمكرزية القرآن:
وأول ما يمثل محور ارتكاز في فكر ابن عاشور -رحمه الله– اهتمامه بالقرآن الكريم؛ لأنه “جامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسِّره.”[iv] فالقرآن -ومنذ الصفحة الأولى من تفسير ابن عاشور- هو كتاب الله الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو منبع الحق والهداية، وهو مصدر العلوم على تنوعها، وهو مستمد الكليات في التشريع وفي العلم والأخلاق. ويمكن بالنظر في القرآن وتدبره أن نولد منه نماذج معرفية ومنهجية وعملية.
بعبارة أخرى إن القرآن مصدر لتشكيل التصورات والمفاهيم والقيم كليها وجزئيها، بل إن قراءة المقدمات العشر التي افتتح بها تفسيره يمكن أن ندرك الرؤية التي انطلق منها ابن عاشور في النظر إلى القرآن، وكيف استمد من القرآن ذاته هذه الرؤية، واستمد المنهج، وحدد المقاصد التي يتناولها القرآن، ومختلف العلوم التي تستمد من القرآن الكريم إما بطريق مباشر؛ أي ما يتعلق منها بسنن الهداية، وإما بطريق غير مباشر؛ أي سنن الأفاق والأنفس والتاريخ.
إنها رؤية جديدة تجعل القرآن مركز اهتمام شامل ومتعدد الجوانب. فهو ليس كتابا دينيا بالمفهوم الضيق للدين، وإنما هو كتاب هداية ورحمة وتبيان لكل شيء. ذلك أن القرآن منبع للمعاني والمفاهيم والتصورات، والقيم والآداب، والأحكام والقصص، ومقاصده شاملة لمختلف جوانب الفكر والعمل، ومبثوثة في كل آياته.[v] وهذه الرؤية للقرآن طالما افتقدها العقل المسلم قرونا عديدة. ولهذا يمثل القرآن محوراً مهماً في فكر ابن عاشور ومصدراً لمختلف أفكاره واجتهاداته في الفقه، والاجتماع، والتربية، والعمران، والإصلاح.
بل لا نبالغ إذا قلنا بأن القرآن بالنسبة لابن عاشور يأخذ مركز الاهتمام والاشتغال في تشكيل التصورات، وتحديد الرؤية، وبناء المناهج والمفاهيم، وفي مباشرة عملية التجديد الفكري والعلمي، والإصلاح التربوي والاجتماعي. ولهذا حق أن يعدّ رائداً في العمل على “التوصل إلى الوعي الحضاري العمراني بالقرآن.”[vi]
فالقرآن الكريم في سياق فكر ابن عاشور هو منبع الهداية ومصدر الصواب لهذه الأمة الإسلامية، منه يتكون الإنسان السوي والمجتمع السوي في كل زمان ومكان. وعندما يتعامل المسلم مع القرآن والسنة تعاملاً حسناً، فإنه يصل إلى فهم حسن للقضايا الكبرى التي تشغل بال الإنسان في كل مكان، وهي قضية الخالق سبحانه، والخلق والكون والحياة والهدف منها، ودور الإنسان في هذه الحياة، ومصيره بعدها، ويصل المسلم أيضا إلى فهم حسن للمشكلات الحياتية والحضارية التي يعاني منها العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر.[vii]
ولذلك فإنه يحاول الرجوع مباشرة إلى القرآن الكريم من أجل تشكيل التصورات وتحصيل الفهم واستنباط المقاصد، دون الحاجة المعرفية أو المنهجية إلى الرجوع إلى التفاسير السابقة التي صارت حاجزا بيننا وبين القرآن، ولكن في الوقت نفسه دون إهمال لها، بوصفها تراثاً فكرياً ناتجاً عن تعامل مع القرآن، وفق سقف معرفي معين وفي مرحلة معينة، واستجابة لدواعي وظروف قد تختلف وقد تشابه ظروفنا. لذا، ومنذ فاتحة تفسيره “التحرير والتنوير” أيضاً، لا يجد العلامة ابن عاشور -رحمة الله عليه- غضاضة في الإعلان عن رأيه في أنه غير ملزم بالأخذ بالتفاسير السابقة، كما أنه غير مدع لتركها كلها، بل أن يقف “موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وتارة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد.”[viii]
فكأن ابن عاشور يقول لنا أن القرآن الذي نـزل إلى العالمين وإلى الناس كافة على امتداد الزمان والمكان، لابد وأن يبقى مفتوحاً للأجيال تنهل منه على اختلاف بيئاتها وأزمانها، وإن من الأخطاء الكبيرة وبدايات الانحراف في الفهم والاستمداد، أن نعمد إلى محاصرة الوحي بأفهامنا، فلا نسمح له بالامتداد إلا بمقدار ما تسمح به عقولنا ومداركنا، فنحرم عقولا أخرى من حظها في الفهم، ونصادر حقها في الرأي والاجتهاد.[ix]
ليس ذلك فحسب، بل يبدو العلامة ابن عاشور منشغلا بهم الصلاح والإصلاح في الشأن الفردي والشأن العام، وهو في ذلك يسلك نهج المدرسة الإصلاحية منذ الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما من رواد المدرسة الإصلاحية التي اشتغلت على أن يسترجع القرآن دوره ومكانه.
إن العمل الذي قام به ابن عاشور في تفسيره، وفي بقية مؤلفاته وهو يتعامل مع القرآن تدبراً وتفكراً واستنباطاً واستقراءً هو بمثابة استدعاء القرآن العظيم للساحة الثقافية الإسلامية، وإنهاء حالة الهجر والفصام بينه وبين العقل المسلم، وجعله المصدر الأول والأهم للمسلم المعاصر، كما كان كذلك عند السلف، يرجع إليه ليستقي منه العلم والمعرفة الدقيقة السليمة في نظرته إلى الإنسان والحياة والوجود، في الفطرة الإنسانية والاجتماعية، وفي قضايا الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات والنظم.[x]
فالقرآن الكريم “أنـزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم. قال الله تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89). فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية.”[xi]

القرآن مصدر التصورات
إن المتأمل في تفسيره وبقية كتبه يدرك أن ابن عاشور حاول أن يفك الارتباط بينه وبين بعض التصورات التي أغرقت القرآن في تصورات لاهوتية كلامية، جعلت منه كتاباً طقوسياً بعيداً عن صياغة الحياة، فأراد ان يسترجع المبادرة بالقرآن ويستدعيه لصياغة تصور جديد، هذا التصور هو عدّه أن مدار مقاصد القرآن هو الإنسان وصلاح الإنسان.
وإن تأكيده على أن أحكام الشريعة الإسلامية، من خلال النظر في القرآن الكريم، يتبين أنها في أحكامها؛ الاعتقادية والعملية، تصب كلها في مقصد تحقيق صلاح الإنسان بأبعاده الثلاثة؛ الفردي والجماعي والعمراني، وذلك من خلال ضبط نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان في دوائر وجوده الثلاثة السالفة الذكر.[xii]
وبما أن صلاح الإنسان هو المقصد الأعلى للقرآن، فإن كل شؤون الإنسان يشملها القرآن بوعيه الشامل لمختلف دوائر حياة الإنسان، ولمختلف أبعاد شخصيته. وعليه، فإننا بتأملنا لمختلف الدوائر والأبعاد ندرك أن القرآن يكون منبعا لنا في تأسيس مختلف المعارف المتعلقة بصلاح الإنسان؛ فردا وجماعة وعمرانا.
فالصلاح الفردي يقتضي تهذيب النفس وتزكيتها، وعلى رأس ذلك صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر.[xiii] وهذا يجعل من القرآن مركزيا ومهيمنا في التأسيس لعلم العقيدة، وعلم الأخلاق، وعلم الأدب وتهذيب النفوس، ومناهج التفكير، وعلم النفس، وعلم الشعائر أو العبادات.
وأما الصلاح الجماعي، فيحصل بالصلاح الفردي أولاً، إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه. غير أن هذا لا يتم وحده على المستوى الفردي، بل يحصل الصلاح الجماعي من خلال ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض. وهذا هو علم المعاملات، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية.[xiv] وفي هذا اتجاه إلى تأسيس الفقه الجماعي، أو فقه الشؤون العامة التي تهتم بالوجود الاجتماعي للفرد في وسط جماعة، وفي هذا محاولة لاستدراك ضمور الفقه في هذا الجانب؛ أي فقه الشأن العام.[xv]
وأما الصلاح العمراني، فهو أوسع من ذلك، إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم، لحفظ مصالح الجميع، ورعاية المصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع.[xvi] وهذا بدوره يجعل من القرآن منبعا للعلوم الاجتماعية والعمرانية، ومختلف حقول المعرفة التي تؤسس للتحضر الإنساني والعمران البشري. وهو تأكيد للخط الخلدوني في التركيز على فقه العمران والاجتماع، وتأسيس مهم للبحث الاجتماعي على أسس قرآنية تستدعي القرآن مؤسسا وموجها للنظر الاجتماعي.
فصلاح الإنسان في دوائره الفردية والجماعية والعمرانية هو مقصد القرآن الأعلى. وهذا الفهم للقرآن والنظر إليه بهذه المركزية وهذه الشمولية يجعل من القرآن مرجعا يستقى منه، لا مرجعا للتبرير للآراء الجزئية. وكأن ابن عاشور يريد منا أن نفتقر إلى القرآن ليعطينها من جواهره المكنونة ويحدد لنا المقاصد التي في ضوئها نجتهد ونعمل، ولا يفتقر إلينا القرآن للاحتجاج لها والبرهنة على صحته من خلال ما أنجزه الإنسان، أو نجعل منه مرجع تسويغ لآرائنا ومقاصدنا بعد أن نكون قد حددنها بعيدا عن القرآن.
ولذلك على من أراد فهم القرآن وتفسيره والأخذ منه أن يخضع للقرآن ومقاصده، ليستطيع أن ينتفع به، لا أن يحدد مقاصد لنفسه، ثم يأتي للقرآن طالباً التبرير له، فيقع في التجزيء. ولهذا، فإن على متدبر القرآن أن “يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن.”[xvii] هذه المقاصد الأصلية تدور في فلك المقصد الأعلى الذي هو صلاح الإنسان، وتوجه منهجيا التأسيس لعلوم ومعارف يتوسل بها إلى تحقيق المقصد الأعلى، وتشكل المحاور الكبرى التي تحوي مختلف المعارف التي تأتي من فيض القرآن وتتصل به من قريب أو من بعيد كما سيأتي بيانه.

المحاور الثمانية لعلوم صلاح الإنسان في القرآن
في المقدمة الرابعة من “التحرير والتنوير”، يتناول ابن عاشور المحاور (المقاصد) الثمانية التي تمثل نواظم منهجية للمعرفة والفكر والعمل والإصلاح، وتحكم التعامل مع القرآن الكريم، وتوجه النظر في كلياته وجزئياته، تحقيقا لصلاح الانسان. ويتطلب كل محور علما أو علوما ومعارف تخدمه وتحقق مقاصده. وبالاستقراء –كما يذهب إلى ذلك ابن عاشور- والمحاور الثمانية هي:
أ. إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح. وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
ب. تهذيب الأخلاق: ذلك أن رسالة القرآن ذاته رسالة أخلاقية كما جاء في الحديث.[xviii] بل إن القرآن امتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4).
ج. التشريع: وهو الأحكام خاصة وعامة. فالقرآن الكريم يؤكد في آياته أنه كتاب تشريع. قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلكِتَـٰبَ بِٱلحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاٰكَ ٱللَّهُ) (النساء:105) (وَاَنزَلنَاۤ اِلَيۡكَ الۡكِتٰبَ بِالۡحَـقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ الۡكِتٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ‌ فَاحۡكُمۡ بَيۡنَهُمۡ بِمَاۤ اَنۡزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعۡ اَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الۡحَـقِّ‌ؕ لِكُلٍّ جَعَلۡنَا مِنۡكُمۡ شِرۡعَةً وَّمِنۡهَاجًا ‌ؕ وَلَوۡ شَآءَ اللّٰهُ لَجَـعَلَـكُمۡ اُمَّةً وَّاحِدَةً وَّلٰـكِنۡ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِىۡ مَاۤ اٰتٰٮكُمۡ فَاسۡتَبِقُوا الۡخَـيۡـرٰتِ‌ؕ اِلَى اللّٰهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيۡعًا فَيُنَبِّئُكُمۡ بِمَا كُنۡتُمۡ فِيۡهِ تَخۡتَلِفُوۡنَۙ‏) (المائدة: 48) وقد تضمن القرآن –حسب ابن عاشور- جميع الأحكام إما جمعا كليا أو جمعا جزئيا. حيث إن القرآن فصّل في المهم بأحكام جزئية مفصلة، وأتى بالكليات في الباقي. وهذا مصداق قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89) وقوله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 3) فالمراد من الآيتين حسب ابن عاشور إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس.[xix]
د. سياسة الأمة وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها.[xx]
ﻫ. القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم… وللتحذير من مساوئهم.[xxi] ولها فوائد كثيرة تنطوي على تعليم المسلم الوعي التاريخي والتجربة التاريخية للإنسانية، وما تضمنه ذلك من كفاح الأنبياء وأتباعهم من أجل ترسيخ خط النبوة والإكراهات التي تعرضوا لها، والتدرج التاريخي الذي سلكه الأنبياء مع أممهم من أجل الارتقاء بهم، ومختلف التجارب الإنسانية في جوانب التشريع والأخلاق والعمران. والوعي بسنن التبدل والتغير والانهيار والتحضر.[xxii]
و. التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقى الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع، وعلم الأخبار، وتعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال. وقد دعا القرآن إلى النظر ونوه بشأن الحكمة. فقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (البقرة: 269) وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم. وقد نبه القرآن في كم من آية على فائدة العلم والكتابة والقراءة، في مثل قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت: 43) وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)  (الزمر: 9) وقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)
ز. المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير. وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب.
ح. الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول. إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي، والقرآن جمع كونه معجزة بلفظه ومتحدياً لأجله بمعناه.[xxiii] والعناية ببيان وجوه إعجاز القرآن مبعثها أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكونه المعجزة الباقية، وهو المعجزة التي تحدى بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- معانديه تحدياً صريحاً.[xxiv]
هذه المقاصد تجعل من القرآن مركزياً في المعرفة، وفي العمل وفي التأسيس للمفاهيم، والقيم، والعبادات, والشعائر, والاجتماع, والعمران, وفي التبيان, وفي التهذيب, أي أنه شامل لكل أوجه الحياة والمعرفة.

كيف تستمد العلوم والمعارف من القرآن[xxv]
إن الناظر في المقدمات التي افتتح بها ابن عاشور تفسيره يجد أن المقصد الأعلى للقرآن -والمتمثل في صلاح الإنسان- له أبعاد ثلاثة؛ هي البعد الفردي والبعد الجماعي والبعد العمراني. وهذه الأبعاد تنطوي بدورها على علوم مختلفة لتحقيق هذا المقصد الأعلى. ليس ذلك فحسب، بل إن المقاصد الأصلية الثمانية التي تتمحور حول المقصد الأعلى تنشئ علوما مختلفة تتعلق بالاعتقاد، والتشريع، والأخلاق والقيم، والمواعظ، والتاريخ، والسياسة العامة، والعلوم العقلية المختلفة.
ولهذا فابن عاشور يؤكد من جهة أخرى على صلة مختلف العلوم بالقرآن الكريم. ذلك أن القرآن الكريم ليس كتابا للعلوم بالمعنى الأكاديمي، وإنما القرآن ينظم علاقته بالعلوم في مستويات أربعة؛ فمنها ما هو مستمد مباشرة من القرآن كتاريخ الأنبياء والأمم وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة، ومنها علوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات، ومنها علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق، ومنها علوم لا علاقة لها بالقرآن إما لبطلانها كالميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته.[xxvi]
ونفهم من هذا كله أن القرآن يشكل مرجعية للعلوم الدينية وغير الدينية. فالقرآن يقوم بدور مرجعي في هندسة بناء المعرفة، مما يجعلها ذات أصول مشتركة وتتجه إلى تحقيق أهداف متضافرة. ذلك أن التشظي المشهود في المعرفة في العالم الإسلامي والإشكالات المتعددة ناتجة عن استبعاد القرآن الكريم عن مسار الإنتاج المعرفي وعن هيمنته على إنتاج المعرفة.
ولذلك -وخاصة في مجال العلوم المرتبطة بالدين- أن يكون القرآن المصدر الأعلى ويكون معيار صواب الآراء والأفكار والمصدر الرئيس للقواعد الثابتة لجميع المعارف، وجميع مناشط الإنسان لتحقيق الهداية والاستخلاف، والناظم لمختلف أفرع المعرفة.

[i] الحسني، إسماعيل. نظرية المقاصد عند الأمام محمد الطاهر بن عاشور، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416ﻫ/1995م، ص20.
[ii] يمكن النظر إلى المقدمة، وخاصة خطبة المقدمة والمقدمات الخمس الأولى للمقدمة.
[iii] جعفر، هشام. الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية رؤية معرفية، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1415ﻫ/1995م. من تصدير الشيخ الدكتور طه جابر العلواني للكتاب.
[iv] ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997م، مج1، ج1، ص5.
[v] المرجع السابق، مج1، ج1، ص8.
[vi] الغزالي، محمد. كيف نتعامل مع القرآن، مدارسة أجراها: عمر عبيد حسنة، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1411ﻫ/ 1991م، ص3. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[vii] إسماعيل، صلاح. كيف نتعامل مع القرآن والسنة، انظر:
– عارف، نصر محمد. قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة قضايا الفكر الإسلامي المعاصر 16،، ط1، 1418ﻫ/1987م، ص81.
[viii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص7.
[ix] شبار، سعيد. الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.
[x] الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، مرجع سابق، ص1. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[xi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xii] الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص228.
[xiii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص38.
[xv] أبو سليمان، عبد الحميد. أزمة العقل المسلم، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1414ﻫ/ 1994م، ص76-83.
[xvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، ج1، ص38.
[xvii] المرجع السابق، ج1، ص39.
[xviii] جاء في الحديث “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وفي رواية “صالح الأخلاق”. رواه البخاري في “الأدب المفرد” (رقم 273)، و”التاريخ الكبير” (4/1/188)، وابن سعد في: “الطبقات” (1/192)، والحاكم (2/192)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (6/267/1) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم: “صحيح على شرط مسلم”. ووافقه الذهبي. ورواه مالك في الموطأ (2/409/8) بلاغا، وقال ابن عبد البر في “التمهيد” (24/333-334): “هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره”. انظر: محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، د.ت.، حديث (رقم 45)، مج1/ ص112.
[xix] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص40.
[xx] المرجع السابق، مج1، ج1، ص40. انظر أيضاً:
– ابن عاشور، محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس- الجزائر: الشركة التونسية للتوزيع، المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت.، ص104.
[xxi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص41.
[xxii] المرجع السابق، مج1، ج1، ص41، ص65-68.
[xxiii] المرجع السابق، ج1، ص40-41.
[xxiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص102.
[xxv] ذكرنا للقرآن ومرجعيته وتشكيله للتصورات واستمداد المعارف منه لا يعني معرفيا ومنهجيا استبعاد السنة كما يتبادر إلى ذهن من لا ينظر إلى القرآن بوصفه المصدر الأعلى وانضواء السنة الصحيحة تحته وتبعيتها له في كليتها، ذلك أن ما من أمر أتت به السنة في تفاصيلها إلا وله أصل عام في القرآن. ولعل أهم ما يمكن الاستناد إليه هنا هو أن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبتت صحته عنه مأمور به من القرآن ذاته. فلا تستبعد السنة الصحيحة أبدا في وعينا وفي رؤيتنا وفي منهجنا لتناول القرآن الكريم ومرجعته.
[xxvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص45.

حديث في الممارسة النقديّة 2

النقد … ضرورة الحركة
هذا الميل إلى النقد والممارسة ما هي دوافعه؟ من أين تنشأ الرغبة في النقد؟ ومتى تكثر هذه العملية في الواقع؟
إن هذه الأسئلة الثلاثة يمكن الإجابة عنها من خلال فهم كُنْه عملية النقد، والتي كما أسلفنا أنها موازنة تهدف إلى المراجعة والتصحيح، والتواصل مع الكسب، والقطيعة مع الاكتساب بالمفهوم الذي ذكرته الآية السابقة الذكر (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
ولعل المراجعة تكون لما سبق، أي أن هناك انتقالاً من حال إلى حال، دفع هذا الانتقال صاحبه إلى التطلع والموازنة بين ما كان عليه وما هو عليه في حينه
بين ما قد فعل وبين ما هو فاعل، حيث إن هذه الحالة قد تكون انتقالاً في الفكر أو الممارسة، ومن موقف إلى آخر. والتصحيح تدفع إليه عملية الانتقال، لرصد مسيرة الفعل واتساقه مع ما يجب أن ينجزه ومقارنته بما أنجز.
فالحركية المستمرة للفعل الإنساني تدفع به إلى المراجعة المستمرة والتصحيح الدائم عن طريق الموازنة ليضمن الوصول إلى أهدافه.
غير أن منحنى النقد تظهر نهاياته العظمى، ويكثر أثناء النقلات النوعية، والتحوّلات المفصليّة، والهِزات الكبرى، والأحداث التي تشكل تحولاً في المسار، كما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وبعد الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق وغيرها من الأحداث.
فالإنسان فرداً كان أو جماعة عند شعوره بالإخفاق، أو اجتياز نقلة مرحلية، وفقدانه لبعض ما كان ينبغي أن يوجد يلجأ إلى التساؤل، والبحث عن الأسباب، وموازنة فعله واتساقه مع ما رسمه من أهداف نهائية أو آنية. فالميل إلى النقد ينشأ من عدم القابلية للإخفاق، والرغبة في التخلص من الفعل السلبي وآثاره، والنزوع نحو الكمال والرشد الإنساني المركوز في طبيعة البشر.
ويضرب لنا القرآن الكريم المثال في البحث عن تصحيح الوضع، والبحث أيضاً عن اكتشاف مكمن الزلل والخطأ أو الانحراف، وذلك في حديث القرآن الكريم عن غزوة أحد، حينما تساءل الصحابة -رضوان الله عليهم- عن سبب الإخفاق في هذه الغزوة بعدما انتصروا في بدر الكبرى، فيوجههم القرآن الكريم إلى البحث عن السبب في أنفسهم، وأن الزلل كان من اكتسابهم، كما قال الله تعالى: (أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) (آل عمران: 165).

النقد … منهج ومعايير
في الوقت الذي نؤكد فيه على مفهوم النقد باعتباره موازنة وتصحيحاً بعد المراجعة، وعلى ضرورة هذه العملية الحيوية باعتبارها قانوناً يصاحب الفعل الإنساني، يُنفى به الخبث ويستصحب به الأصيل من الفكر والممارسة، فإنه ينبغي التأكيد على أن العملية النقدية ليست عملية عفويّة اعتباطيّة فوضويّة هلاميّة لا فاصل بينها وبين غيرها من العمليات الأخرى إيجابية كانت أم سلبية.
فلكي تؤدي العملية النقدية أُكُلها، لا بد من وجود منهج صحيح، كما أنه ينبغي توفر معايير تضع الإطار الذي يوضح عملية النقد من التشهير، وعن النميمة، والغيبة، وعن الانتقاص، والتشويه.
ذلك أن سبّ الناس عامة والمؤمنين خاصة باسم النقد، والطعن في كرامة الناس وأعراضهم باسم النقد، ناتج عن غياب المعايير التي تشكل حواجز وضوابط تضمن عدم التجني على الآخرين بغير وجه حق.
فمنهج النقد يجب أن يفرق بين نقد الفكرة وبين نقد الممارسة، ونقد الفكر بمنهج نقد الممارسة أو العكس يُعدّ مغالطة كبرى. فعند نقد الفكرة من المنطقي والعلمي أن تنقد الفكرة في إطار تناسقها مع مقولاتها، ومع المقولات العقلية والعلمية الثابتة الصحة، وإثبات فساد فكرة يتجه أولاً إلى اكتشاف تناقض بنائها الداخلي، وغموض مضمونها، وعدم قدرة الفكرة على إعطاء الإجابات المقنعة على أسئلة الفكر والعقل، وفساد إحالاتها ومدلولاتها الفلسفية والعقائدية.
أما إثبات فساد فكرة بفشلها في الواقع فقد لا يصدق دائماً، إذ يدخل في إفشال الفكرة في الممارسة عدة عوامل، وليس عدم صلاح الفكرة في ذاتها فقط.
وهذا ما أشار إليه الأستاذ مالك بن نبي –عليه رحمة الله- في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) حيث أشار إلى أن فعالية الفكرة ليس دليلاً على صلاحها، كما أن عدم فعاليتها في الواقع ليس دليلاً على عدم صلاحها، والخلط بينهما من قبيل الخلط المنهجي.
كما أن نقد الممارسة ينبغي أن يرتكز على ضوابط الممارسة الواقعيّة السليمة أكثر من أي مرتكز آخر.
ففي نقد التجربة الماركسية والفكرة الماركسية مثلاً خلط، حيث استدل على فساد الفكرة من خلال فشل التجربة، كما استدلّ المؤيّدون لها بنجاح الفكرة على نجاح التجربة قبل سقوط المعسكر الشيوعي.
وكان من المفترض أن تفنّد الفكرة الماركسية بنقد الفكرة ذاتها، واكتشاف تناقضها وفساد إحالاتها الفلسفية والعقدية، وغموض وقصور مقولاتها، من خلال نقد فكري مجرّد، كما كان من المفترض نقد التجربة الماركسية وفشلها من خلال رصد واستقراء تاريخ ممارسة التجربة لاستخراج أسباب الإخفاق التي قد يكون فساد الفكرة أحد أسباب إخفاق الممارسة، وربما لا يكون أدنى دور سلبي للفكرة في إخفاق التجربة والممارسة.
ويمكن تطبيق ذلك على دعوات الإصلاح في العالم الإسلامي منذ محمد بن عبد الوهاب، والأفغاني، ومحمد عبده، وابن باديس، وغيرهم، وصولاً إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة على مستوى الفكرة والممارسة. كما يمكن تطبيق هذا النقد على القومية العربية وما دعت إليه من أفكار وما أنجزته منذ قيام الثورة العربية في بداية القرن الماضي، وكذا أي فكرة أخرى.
فالفصل بين مناهج نقد الأفكار، ومناهج نقد التجارب والممارسات، مقدمة صحيحة للحصول على الإجابات الصادقة والموضوعية عن الأسباب الكامنة وراء الإخفاق، والأسباب الكامنة وراء النجاح، هذا عن منهج النقد وطريقته.
وهناك الأمر المهم الآخر أيضاً والذي تبدو الحاجة ملحة إليه هو المعايير التي ترسم الإطار الضابط لهذه العملية الحيوية، لتحدّد مجال النقد عن غيره من أوجه الانتقاص والتشويه، وتفرق بين النقد وبين الغيبة والنميمة والتشهير.
فمثلاً في حياتنا اليومية، وفي سياق الحديث عن شخص أو مؤسسة أو فكرة أو تجربة أو هيئة ما هو المعيار أو المعايير التي من خلالها نعرف أننا نمارس الدور الحيوي في المراجعة والتصحيح، بدل أن نكون في عداد الخائضين بدون محدّدات ضابطة، ولا هدف مقصود، ضمن أهداف النقد بمفهومه المتفق عليه كما سبق الذكر، فنقع عند غياب هذه المعايير فيمن ذمّهم الله تعالى في قوله عز وجل: (وكنا نخوض مع الخائضين)، أو فيمن يأكل لحم أخيه ميتاً (…ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه…) (الحجرات:12).
فما هي المعايير المحددة للعملية النقدية التي تضعها في إطار العمل الحيوي البنائي؟
لا شك أن المعيار الأول هو أن هذه العملية تتمّ وتنصبّ حول الفعل الذي هو كسب أو اكتساب، ولا تصل حدّ الطعن في الكرامة، ولا تنزل إلى الهجاء والذم للأشخاص لمجرد عدم انتمائهم لنفس الخيمة الأيديولوجية والفكرية، ولا مدحهم لمجرد أننا نحبهم، أو لأنهم من أنصار فكرتنا أو مذهبنا أو مدرستنا أو خيمتنا الفكرية والأيديولوجية.
أما المعيار الثاني فهو الهدفية، بحيث يكون النقد لا عن رغبة جامحة متأصلة دون سبب، بل تكون العملية النقدية عملية هادفة مقصدية ووظيفية، بحيث تؤدي وظيفتها في الموازنة ونفي الخبث والمراجعة والتصحيح، ولا تكون نابعة من شعاراتيّة مزيفة كأحد الطقوس يجب تأديتها هكذا جزافاً، دون إطارها الحيوي، ودون استحضار كُنهها.
أما المعيار الآخر فهو معيار يفك الارتباط بين النميمة والغيبة من جهة وبين النقد من جهة أخرى، حتى لا يقع أحدنا في الطعن، ولا يحبسه الخوف من النميمة ليعطل ممارسة عمله الحيوي، هذا المعيار يجعل موضوع النقد الإطار العام وليس خصوصيات الناس وقضاياهم الشخصية. وبعبارة أخرى، يكون موضوع النقد القضايا العامة لا الشخصية المستترة، وفي الشؤون العامة للأمة، وفي الفعل الذي يتعلق بالعموم، وليس ذلك الفعل الشخصي الخاص الذي يحتاج إلى آلية المناصحة والنصيحة بما يجب فيها من إسرار وكتمان، وذلك خلاف النقد الذي يُمارس سراً وعلانية، وليس فقط ضمن علاقات حميمية.
هذه العملية النقدية التي يجب أن تحلّ محل الترداد الأجوف للكلام حول العملية النقديّة، وما يتخلل الممارسات النقديّة من تمييع لمحتواها ومنهجها، وخلط بينها وبين غيرها من المفاهيم.

نشر بموقع النهضة بتاريخ