أرشيفات الوسوم: الفقر

مشكلة الفقر في العالم الإسلامي

 مشكلة الفقر في العالم الإسلامي، انْظرْ إليها من وجهة نظر حضارية، فلست مختصا في علم الاجتماع ولا الاقتصاد، بل أنظر إلى مسألة حضارية، وأنظر إلى الاجتماع والاقتصاد من منظور حضاري، أو من منظور فلسفي حسب تعبير الأستاذ مالك بن نبي، الذي يقسم الدراسة الاقتصادية أو الاجتماعية إلى علمية ومذهبية (فلسفية).

فالنظرة الأولى ترتبط بمعادلات لا يختلف فيها العلماء، والثانية ترتبط بالأساس الذي تقوم عليه حضارة الإنسان، وهذا الأساس هو نظرة الإنسان إلى الكون والحياة. وفي هذا اللون الثاني جرى الاختلاف بين المدارس الفكرية، وأدى إلى ظهور مدارس سوسيولوجية واقتصادية مختلفة في التاريخ.

وموضوع الفقر يحتل مكانا مهما في دراسات المهتمين بقضايا العالم الإسلامي، لما يعاني منه المسلمون من تخلف اقتصادي واجتماعي وفشل في خطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية، برغم وجود ثروات متراكمة وكم بشري كبير في العالم الإسلامي.

كما أن مشكلة الفقر، أو ظاهرة الفقر، تحتل مكانة بارزة داخل البحث العلمي، وقد كانت أغلب اهتمامات الباحثين على معرفة المشاكل المترتبة أو الناتجة عن ظاهرة الفقر، مثل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتعليمية والصحية وتأثيرها على المجتمع، ومحاولة إيجاد حلول لهذه الظاهرة.

والفقر ليس ظاهرة عابرة في جيل واحد؛ إنما ظاهرة عميقة الجذور في كل مجتمع. ويعد الفقر مصدر كثير من المشكلات والشرور التي يعاني منها الأفراد والمجموع في أي مجتمع.

والفقر كذلك ليس ظاهرة أبدية متأصلة في الحضارات البشرية، تظهر بفعل عوامل بيولوجية يتوارثها الأفراد والمجتمعات؛ إنما هي نتاج لإخفاقات أو إخلال في العناصر الأولية للتنمية أو في مستوى من مستويات التنمية أو آلياتها.
وتتسم دراسات الفقر بوجود إسهامات متنوعة في الاقتصاد والاجتماع والمشاريع التنموية القائمة على رؤى فلسفية معلنة أو مستبطنة، متعددة المداخل، فلا يمكن النظر إلى ظاهرة الفقر من زاوية واحدة، ومن هنا يشترك في دراسة الفقر كل هذه الفروع من المعرفة، لكن تقتصر هذه الدراسات في معظمها على رصد الظاهرة من حيث الحجم والأبعاد أو الخصائص.

بينما لا تهتم كثيرا بمنظور أشمل لتناول الظاهرة في إطارها الذي يربطها بالوضعية الحضارية للمجتمع وبإمكاناته، وبالرؤية الاستراتيجية التي يتبناها المجتمع لتحقيق العدل والتنمية واجتثاث الفقر، وتحقيق نقلة في سلم التقدم الحضاري للمجتمع بكل فئاته وطبقاته الاجتماعية.

وإذا نظرنا إلى عملية التحضر من وجهة نظر وظيفية – كما يقول مالك بن نبي – على أنها «مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين، أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور، أو ذاك من أطوار نموه». فهي ذلك العمل الاجتماعي الذي يقوم به المجتمع في سبيل توفير الضمانات التي تؤهل الفرد لممارسة دوره في التاريخ.

وفي هذا السياق فإن الفقر من منظور حضاري عجز (إخفاق)، أو عدم قدرة مجتمع محدد، على تقديم هذه الضمانات لفرد أو أفراد منه. فالفقر في جوهره عجز، وهذا العجز له دلالات محددة، وهذا ما نسميه الدلالات الحضارية لمشكلة الفقر.دلالات الفقر:

* الدلالة الأولى: غياب رؤية ومنهج ونموذج. وفي العالم العربي عموما نعاني منذ تأسيس الدولة الوطنية بعد طرد المستعمر، نعاني من فقدان الرؤية الاستراتيجية، ولم نحدد نموذجنا في التنمية، الذي على أساسه نحقق الفعالية في حل مشكلات التخلف، ومن بينها مشكلة الفقر، ونحقق التنمية المستدامة.

أما الدلالة الثانية فهي: غياب المشروع الثقافي. الذي يبني ثقافة الفعالية. والفعالية في جوهرها منهج فكري، كما يقول مالك بن نبي، بمعنى أنها «مسألة أفكار ومناهج وليست مسألة وسائل»، وهو الأمر الذي اعتقدناه حين اتجهنا إلى البحث عن الوسائل المادية، بينما الأمر يتعلق بنمط الثقافة وما تحدده من مناهج، وما توفره من أفكار وجو فكري، يفعِّل الأداء الاجتماعي للفرد والمجموع.

والحديث عن النموذج والمنهج في الحقيقة حديث عن ترجمتهما في صورة مشروع ثقافي، يكتل الجهود، ويحقق نموذج التنمية الذي يصلح للمجتمع. وحينما ينعدم الإطار الثقافي بعناصره هذه، فإن الأفكار تتجه إلى الدوران حول التقليد، وتفقد قدرتها على الارتباط بأصالتها، وبقدرتها على الإبداع. وتتحول إلى معوقات إن لم تكن أمراضاً تقضي على بوادر النمو.

والفعالية في حل مشكلاتنا، ومنها مشكلة الفقر، لا يمكن الحديث عنها منفصلة عن المشروع الثقافي، ذلك أن الثقافة تشكل الإطار الذي ينظم سلوك الفرد في محيطه الاجتماعي، ويمنحه الوجهة التي يسير وفقها. وأساس كل ثقافة تركيب تفاعلي بين عناصر الوجود الاجتماعي، «الأشخاص والأشياء والأفكار».

وضمن هذا التركيب تتوجه الثقافة إلى أن تكون إطارا لتحقيق الفعالية أو الركود.والدلالة الثالثة: تمركز المادة والوسائل وهامشية الإنسان. وذلك بأن العالم العربي خاصة والإسلامي عامة، إلا بعض الاستثناءات، اتجه إلى الاهتمام بتكديس منتجات الحضارة من آلات وبنايات، والإكثار من الوسائل. حتى إنك قد تجد في مصانعنا أو مدننا أو مؤسساتنا من الوسائل المتوافرة ما لا تجده في المؤسسات أو المدن الألمانية والأمريكية واليابانية.

لكننا أهملنا الإنسان، الذي هو محور التنمية، ومحور النهضة، ومحور الحضارة. فلم نغير من الإنسان، سواء في رؤيته للحياة، أو في بنية تفكيره، أو في معادلته النفسية والاجتماعية، وهذا أدى إلى أننا استثمرنا في تخلفنا، ووقع لنا غرام بأشكال الحضارة، ونسينا روحها وعمادها، وهو الإنسان. والله تعالى وضع قانونا يحكم حركة التاريخ والمجتمعات، «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».

لهذا علينا أن نفعِّل دور الإنسان في عملية التنمية، ليغير مصير مجتمعاتنا.

http://www.alarab.qa/story/675998/%D9%85%D8%B4%D9%83%D9%84%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%82%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A#section_24