أرشيفات الوسوم: الفطرة

الدين سنة كونية وثابت من ثوابت التاريخ الإنساني

في هذا السياق فإن الرجوع إلى القرآن والسنة أمر مهم جدا في تحديد تصوراتنا ومفاهيمنا المركزية، وبخاصة ما يتعلق بفهمنا للدين، ودوره ووظيفته في حياتنا. ولبناء وعي أصيل مرتكز على نصوص القرآن والسنة وعلى ما أنجزه علماء الأمة الأعلام، حتى لا نقع في فهم اختزالي أو مشوه أو متناقض، إعمالا لحديث «يحمل هذا الأمر من كل خلف عدوله»، ونعمل على حماية فهمنا الديني ووعينا الإسلامي من انتحالات المبطلين، وتأويلات الجاهلين، وتحريفات الغالين.

وفي هذا المقال نحاول أن ننظر إلى «الدين» في رحاب سعة القرآن والسنة النبوية، لنجد أنه سنة من سنن الكون التي وضعها الله سبحانه وتعالى هداية للإنسان ليحقق عملية الاستخلاف وعمارة الكون، وثابت من ثوابت التاريخ لا تخلو منها أي تجربة إنسانية، مهما حاول المبطلون إخفاءها أو استبعادها.الدين جزء من الناموس الكوني.

في الصفحات الأخيرة من كتابه «الظاهرة القرآنية» يزودنا العلامة مالك بن نبي رحمه الله بنص بالغ الأهمية، حيث يقول: «في ضوء القرآن يبدو الدين ظاهرة كونية تحكم فكر الإنسان وحضارته، كما تحكم الجاذبية المادة، وتتحكم في تطورها. والدين على هذا يبدو وكأنه مطبوع في النظام الكوني، قانونا خاصا بالفكر».

لعل هذا النص يذكرنا بأن الدين أمر فطري في الإنسان؛ فهو من حيث إنه حقيقة خارجية أوحى به الله منذ خلق آدم، بل منذ عالم الذر، ومن حيث الممارسة الدينية التي عرفتها البشرية عبر التاريخ، فإن البشرية لا تنفك عن التدين منذ فجر التاريخ إلى اليوم.
وبتأمل الآيات والأحاديث النبوية نجد أن الفطرة شكلت في البداية أساساً لإقامة مجتمع التوحيد، وكان الإنسان يمارس خلافة الله على الأرض وفقا لذلك ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ…﴾ [البقرة:213].
فاتجاه الإنسان الفطري نحو التدين اتجاه تكويني ذاتي، وجد مع الإنسان منذ بداية وجوده على هذه الأرض. وهذا ما يفسر مركزية التدين في حياة الإنسان ونزوعه الذاتي للدين، وفي تركيبة الإنسان وتكوينه نحو التقديس والتعبد، والبحث عن المقدس، والسعي نحو معبود عظيم يقدسه الإنسان ويعبده ويعبر عن شعوره وأحاسيسه التعبدية نحوه في مختلف المجتمعات القديمة والحديثة.
كما أن هذا العالم لا يستطيع أن يخاطب جانب الامتداد المطلق في نفس الإنسان، أو يكون بديلاً عن تلك الحقيقة التي تتجه إليها ذاته. لذلك فهو ينزع دوما إلى الاتجاه إلى حقيقة أسمى من هذا العالم المحسوس، ويشعر بقدرة تلك الحقيقة على ملء هذا الإحساس الفطري الذي يلح عليه بوعي ومن دون وعي منه.
تلك الأحاسيس حقائق علمية أيدتها الأبحاث، والدراسات النفسية، كما تؤيدها الحقائق الوجدانية، والألفاظ اللغوية التي وضعها الإنسان للتعبير عن هذه المعاني والأحاسيس الفطرية. ولهذا- كما يقول الشيخ دراز- فإن الحقيقة التي لا تقبل الجدل هي أن النزعة الدينية متعمقة ومتأصلة في الإنسان ومغروزة فيه فهي فطرة وغريزة. فما عرفت جماعة من البشر خالية عن دين تتدين به، وإن خلت عن العلوم والثقافات إلا أنها لا تخلو عن دين وعقيدة، سواء أكانت هذه الجماعة قديمة أم حديثة، متحضرة أم غير متحضرة.
ومن جهة أخرى فإن في الإنسان دوما ذلك التساؤل الفطري الدائم، عن مصدر هذا العالم، ومصيره، وحقيقة حركته فيما بين المبدأ والمنتهى. ولهذا فإن الإيمان بالله الواحد ورفض كل ألوان الشرك والطاغوت، ووحدة الهدف والمصلحة والمسير، معالم الفطرة الإنسانية، وأي شرك وجبروت، وأي تناقض وتفرق فهو انحراف عن الفطرة.
وبناء على ما سبق نجد أن القرآن الكريم يعرض الدين، ليس على أنه تشريع فحسب، بل على أنه سنة موضوعية، وقانون داخل في صميم تركيب الإنسان وفطرته، بل هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، لا يمكن تبديلها، ولا يمكن أن تنتزع من الإنسان لأنها جزء من أجزائه التي تقوّمه. وهذا ما يجعلنا نؤكد أن الدين ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن إعطاؤها ويمكن الاستغناء عنها، كما يذهب إلى ذلك خطاب الحداثة الغربي ومقلدوه من أبناء المسلمين.
فهو لا يمكن أن ينفك عن خلق الله ما دام الإنسان إنسانًا، فالدين يعتبر سنة لهذا الإنسان. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم:30]، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف:172].الدين حقيقة تاريخية
وتأكيدا على أن الدين ليس أمرا مكتسبا من التاريخ، وأنه ليس مقولة حضارية مكتسبة يمكن الاستغناء عنها فإنا نؤكد أنه ثابت من ثوابت التاريخ الإنساني، وليس متغيرا يمكن التخلي عنه. فلم يخلُ التاريخ أبداً من وجود الدين بصيغة أو بأخرى، عند أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب. ولذلك فإن الرجوع إلى التاريخ يعطينا شهادته بأن الدين ثابت من ثوابت الشخصية الإنسانية، ليس هذا فحسب، بل إن الدين كان من وراء كل المنجزات البشرية.
وفي هذا السياق يدعمنا مالك بن نبي رحمه الله أيضا بشهادة أخرى من كتابه الكبير (الظاهرة القرآنية) بقوله: «كلما أوغل المرء في الماضي التاريخي، في الأحقاب الزاهرة لحضارته، أو المراحل البدائية، وجد سطورًا من الفكرة الدينية. ولقد أظهر علم الآثار دائمًا… بقايا آثار خصصها الإنسان القديم لشعائره الدينية، أيا كانت تلك الشعائر». ولهذا فإن الدين الذي هو جوهر التجارب البشرية التاريخية والاجتماعية المتكررة خلال القرون يُعد أساس جميع التغيرات الإنسانية الكبرى، ولا نستطيع أن نتناول الواقع الإنساني من زاوية المادة فحسب.
لأن الدين كما يقول العلامة مالك بن نبي قانون يحكم فكر الإنسان كما تحكم الجاذبية الطبيعة، قانون يحكم فكر الإنسان ويوجه بصره نحو أفق أوسع، ويروض الطاقة الحيوية للإنسان ويجعلها مخصصة للحضارة. بمعنى أن الفكر الإنساني في جوهره ينطلق من منطلقات دينية، سواء اعترف بذلك الناس أو أنكروه وتجاهلوه. ولو قرأنا تاريخ التجارب الحضارية الإنسانية فسنجد أن السر الكوني الذي يركِّب عناصر الحضارة ويبعثها قوة فاعلة في التاريخ هو الدين، وأن كل دين يطبع الفرد بطابعه الخاص، ويوجهه نحو غايات سامية.
وفي الختام نقول إن ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدين في الأفق الإسلامي الرحب فطرة مركوزة في نفس الإنسان وسنة من سنن الله في هذا الكون هذا الكون يهدي به الله الإنسان إلى تحقيق وجوده، وثابت من ثوابت تاريخ الإنسان على هذه البسيطة.

http://www.alarab.qa/story/688018/%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%86%D8%A9-%D9%83%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%AB%D8%A7%D8%A8%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%AB%D9%88%D8%A7%D8%A8%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%86%D8%B3%D8%A7%D9%86%D9%8A#category_23