أرشيفات الوسوم: الفخر الرازي

رأي الفخر الرازي في عقيدة التثليث

موجز عن الرازي :
يعتبر الإمام فخر الدين الرازي (543-606هـ) علما من أعلام الفكر الإسلامي الذين كانت لهم منجزات علمية معتبرة خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري، هذا القرن الذي شهد انقسامات سياسية كثيرة داخل الخلافة العباسية، وكذلك تصاعد الخطر الخارجي على أرض الإسلام، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار الزاحفة من الشرق الأقصى(1). بالإضافة إلى الجانب السياسي، فإن هذا القرن والذي سبقه كانا قرني أسلمة المنطق والنظر الفلسفي -إن صحّ التعبير – بعد أن بدأ هذا الجهد على أيدي شيوخ المعتزلة من أمثال العلاف والنظام في القرن الثالث، ومن بعدهما الأشعري والباقلاني والجويني، ثم الغزالي وتلاميذه، بعد أن كان الفلاسفة الإسلاميون أمثال الفارابي وابن سينا وغيرهما، اتبعوا الفلسفة اليونانية في كل ما ذهبت إليه، مما أدى بالغزالي إلى ما يمكن تسميته بالثورة الفلسفية التصحيحية (2). ثم تابعه الرازي في الأمر، ولم يقتصر تصديه للفلسفة اليونانية فقط، بل تعداه إلى مناظرة النصارى واليهود ومختلف النحل الباطلة، كما أنه تصدى لمناقشة كثير من الفرق الإسلامية في وقته من كرامية ومعتزلة وحشوية وباطنية وغيرهم، ورد على المبتدعة وأفحمهم. فنقمت عليه كثير من الفرق، مما جعلها تطلق ألسنتها باتهامه بمختلف التهم التي تسقط من قيمته في أعين الناس بعد أن أعياهم الرد عليه بمنطق الحجة والبرهان (3).
اشتهر الرازي بابن الخطيب، والإمام، وشيخ الإسلام، وكان مبرزا في كثير من العلوم؛ في الفلسفة والكلام، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف، واللغة، والتفسير، وله في كل هذه الحقول المعرفية مؤلفات تنبئ عن قدرته العلمية الواسعة، وتحكمه في أدواتها بشكل جعله أحد الأئمة المشهود لهم بالقدر الأوفر من التأثير فيمن لحقهم من أجيال الإسلام. ومن مؤلفاته: “المحصول” في أصول الفقه”، و”مفاتيح الغيب” أو “التفسير الكبير” في التفسير، وله “أساس التقديس” في العقائد وغيرها (4).
يقول عنه ابن خلدون: “ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة … فسبروا قواعد ومقدمات فن الكلام بمعيار المنطق… فكان أول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي، وتبعه ابن الخطيب” (5)، وكأن ابن خلدون يشير إلى كتاب (معيار العلم) للغزالي، الذي احتفى فيه بالمنطق وجعله القسطاس الذي توزن به مدارك العقول، وكذلك مقدمة المستصفى (للغزالي أيضاً)، والتي هي مقدمة منطقية في مراتب الإدراك واليقين، واشتراط العلم بالمنطق.
منهجه في الرد على اعتقادات النصارى:
كما سبقت الإشارة في تمهيد هذا البحث، فإن مجمل اعتقادات النصارى ثلاث، ولهذا كانت مناقشات الإمام فخر الدين الرازي للنصارى تدور في ثلاثة محاور، ومن خلال دراسة تفسيره للآيات المتعلقة بالتثليث، فإنه كان يميز بين هذه الاعتقادات الثلاثة. وفي هذا البحث فإني اخترت بعض الآيات التي لها صلة بالموضوع، وكان للإمام الرازي فيها رأي مميز، ورد على عقيدة النصارى، ومن هذه الآيات نجد ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} [البقرة 116-177]، فمن هذه الآية يتوجه الرازي إلى نقض بنوة المسيح عليه السلام لله تعالى، وإثبات عبوديته مثل بقية المخلوقات التي ذكرتها الآية، فهو يستعمل الدليل العقلي للبرهان على استحالة أن يكون عيسى ابنا لله تعالى، وذلك من أوجه؛
1. دليل الوجوب والإمكان: وذلك “أن كل ما سوى الموجود الواجب بذاته ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته محدث، وكل محدث فهو مخلوق لواجب الوجود، والمخلوق لا يكون ولداً” (6)، ولتحديد هذا المفهوم أكثر فإن الرازي ذهب إلى الحديث عن استحالة اجتماع موجودين واجبين لذاتهما، فهذا يؤدي إلى اشتراكهما في وجوب الوجود، وهذا يؤدي إلى التركيب، لكن التركيب بينهما يؤدي إلى نقض وجوب الوجود والتحول إلى إمكانية الوجود، وهذا خلف، فالمصير إلى أن كل ما يحتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته، وكل ممكن لذاته فهو محتاج إلى المؤثر، وهذا يقود إلى القول بأن ممكن الوجود محدث، فهو مخلوق.
2. دليل القدم والحدوث: فالولد المضاف إما أن يكون أزليا وإما محدثا، فإن كان أزليا “لم يكن حكمنا يجعل أحدهما ولداً والآخر والداً أولى من العكس، فيكون ذلك الحكم حكما مجرداً من غير دليل” (7)، والحكم من غير دليل هو محض الهوى والتقول، ولا يعتد به. وإن كان الولد محدثا “كان مخلوقا لذلك القديم وعبداً له فلا يكون ولداً له” (8). وبهذا فإن عيسى محدث باعتراف النصارى أنفسهم، من خلال قولهم بميلاده وموته، فهو مخلوق ولا أزلية له، وبطلت مقولة البنوة لله كما يزعمون.
3. دليل المجانسة: ومضمون هذا الدليل أن “الولد لا بد وأن يكون من جنس الوالد” (9)، فلو كان لله ولد، لكان مشاركاً له من بعض الوجوه، وممتازا عنه من وجوه أخرى، وهذا يقود إلى القول بأن كل واحد منهما مركب ومحدث وذلك محال، لأن الله غير محدث، والنصارى لا تقول بذلك، بينما عيسى محدث من خلال ميلاده، إذ لم يكن فكان، ومن هنا فإن المجانسة ممتنعة، إذن فالولدية ممتنعة بالتبع.
4. دليل الكمال وعدم العجز: ومعناه “أن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه، ورجاء الانتفاع به، فعلى هذا كان إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة”(10)، غير أن العجز والحاجة والفقر محال في حق الله تعالى، فهو المستغني عن العالمين، والمتصف بصفات الجلال والكمال، ولهذا يورد الرازي الآيات التي احتج به الله سبحانه وتعالى على استغنائه عن الولد، وذلك في قوله تعالى: {ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون} [مريم:34]، وقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا، لقد جئتم شيئا إداًّ تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هداًّ، أن دعوا للرحمن ولداً، وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً، إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبداً} [مريم:88-93]. فالله سبحانه وتعالى يشنع على الذين نسبوا له الولد، ويحاججهم بأنه مستغن عن الولد، وأن ذلك محال، ولا ينبغي في حقه جل جلاله، لأنه مالك السموات والأرض وما بينهما، وكل من فيهما وكل ما فيهما ملك له سبحانه، فما حاجته للولد، فالأمر أمر ملك وأمر خلق، ولله القدرة على أن يخلق ما يشاء وكيف يشاء، بأن يقول له كن فيكون.
ثانياً: قوله تعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء: 171-172].
ففي هذه الآيات يبدو أن الرازي -عليه الرحمة والرضوان- يتجه إلى استعمال أدلته التي ذكرناها في الآيات السابقة، بالإضافة إلى استعمال دليل آخر، وهو الاستدلال بالقرآن ذاته، حيث فسر كلمة (كلمة منه)، و(روح منه) بآيات أخرى من القرآن، وفي رأي الرازي فإن هذه الآيات ردت اعتقادات النصارى الثلاث في المسيح؛
1. رفض القول بالحلول: فالنصارى بالغوا في تعظيم عيسى عليه السلام فجعلوه إلهاً، “فلهذا قال للنصارى {لا تغلوا في دينكم} و{ولا تقولوا على الله إلا الحق}، يعني لا تصفوا الله بالحلول والاتحاد في بدن الإنسان وروحه” (11)، بل المسيح عيسى بن مريم عبد من عباد الله ورسله، و{كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} [النساء من الآية 171]، ويستشعر الرازي الإشكال الذي وقع فيه النصارى، وهو تأليههم لعيسى من خلال قولهم بأنه كلمة الله وروحه فيدفعهم ذلك إلى القول بالحلول والاتحاد بين اللاهوت والناسوت، غير أن القرآن أكد القول بأن عيسى كلمة الله وروح منه ألقاها إلى مريم. ويلجأ الإمام الرازي إلى البحث عن معنى “الكلمة” وفي هذه المرة لا يستعمل الأدلة الفلسفية بقدر ما يلجأ إلى المنطق القرآني ذاته، من خلال إجابة القرآن على هذا الإشكال، وهو قوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}[ آل عمران: 59]، فلماذا لا يستغرب النصارى خلق آدم، ويستغربون ولادة عيسى، والآية في خلق آدم أدعى إلى تأليهه من تأليه عيسى، فما داموا لا يؤلهون آدم فمن باب أولى عدم تأليه عيسى، ولعلنا نقول أن في هذه الآية دليلا عقليا هو قياس الأولى، أو بتعبير آخر هو الاستواء في طريقة الخلق. وكما قال الرازي: “والمعنى أنه وجد بكلمة الله وأمره من غير واسطة ولا نطفة” (12) كما أشارت الآية. وينتقل بنا الإمام إلى الحديث عن (الروح)، ويرى أن في هذه المسألة عدة وجوه؛ الأول: أنها تشريف، لأن عيسى خلق من غير نطفة الأب بل من نفخة جبريل عليه السلام، فهي علامة تشريف، أما (منه) فهي إضافة إلى الله تعالى، والمراد منها إضافة نسبة وتشريف، أي أن الله شرّفه وأعلى من شأنه. والثاني: أنه كان سببا لحياة الخلق في أديانهم، ولذلك قال الله تعالى في شأن القرآن: { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} [الشورى: 52]، لأن القرآن أحي الناس لما أخرجهم من الظلمات إلى النور (13). الثالث: روح منه أي رحمة منه، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: { إنما أنا رحمة مهداة} فلما كان عيسى رحمة من الله على الخلق من حيث كان يرشدهم ويهديهم فإنه سماه روحا منه. والرابع: أن الروح بمعنى النفخ في كلام العرب، فالروح عبارة عن نفخة جبريل، وقوله (منه) أي أن النفخ من جبريل كان بأمر الله وإذنه فهو منه، ومثله قوله تعالى {فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12]. أما الخامس: فإن قوله (روح) أدخل التنكير في لفظ (روح) وذلك يفيد التعظيم، بمعنى أن من الأرواح الشريفة القدسية العالية (14).
2. نقض القول بالأقانيم الثلاثة: فمن قوله تعالى {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم} يتوجه الرازي إلى الحديث عن مسألتين؛ الأولى: أن الله تعالى ينهى النصارى عن القول بأن الله سبحانه واحد بالجوهر ثلاثة بالأقانيم، فرغم أن النصارى يزعمون بأنهم يثبتون ثلاث صفات لذات واحدة، فإنهم يجوزون عليها الحلول في عيسى وفي مريم بأنفسها، إذ أنهم يجوزون الحلول في الغير والمفارقة لذلك الغير مرة أخرى، فهم في حقيقة الأمر يثبتون ذوات متعددة قائمة بنفسها، رغم أنهم يسمونها صفات. إذ لو اقتصروا على مفهوم الصفات لكان الأمر مقبولا، ولذا قال تعالى: {ولا تقوا ثلاثة انتهوا}، فلو كانت صفات فقط لما نهى الله عنها، ونحن نقول أن الله هو الملك القدوس السلام العالم الحي القادر المريد… الخ. فالصفات غير الأقانيم التي هي ذوات متعددة. أما الثانية: فقوله (ثلاثة) خبر لمبتدأ محذوف، ويرى الرازي أن هناك اختلاف بين اللغويين والمفسرين في تعيين المبتدأ المحذوف، فمنهم من يرى أن المقصود ولا تقولوا الأقانيم ثلاثة، ومنهم من يرى أن المقصود ولا تقولوا آلهتنا ثلاثة، ويحتج الرازي بالقرآن لتحديد المقصود، فيرى أنه يتضح من قوله تعالى: { أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} [المائدة: 116]، فنفهم من القرآن أن النصارى يقولون: أن الله والمسيح ومريم ثلاثة آلهة (15). فالرازي هنا يرجع إلى الاستعمال اللغوي للفظ لتحديد المقصود من الآية، والرد على النصارى، من خلال الجواب القرآني عليهم.
3. إثبات عبودية المسيح لله تعالى: فمن قوله تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} يتناول الرازي مسائل ، ومن هذه المسائل؛ أن الله تعالى بعدما أقام الحجة -كما سبق في الآيات الأولى- على أن عيسى عبد الله، ولا ينبغي أن يكون ولداً له، فإن القرآن أجاب عن شبهة دفعت بالنصارى إلى اعتقاد بنوة عيسى لله، وذلك أنه كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويخبر عن الغيب، ويحي الموتى، فأجابهم القرآن بأن هذا ليس مدعاة لرفض عبادة الله من قبل عيسى، فإن الملائكة أيضا تأتي بالمعجزات، وبالرغم من ذلك فإنها تأتي إلى الله طائعة خاشعة، فكيف يستنكف المسيح عن عبادة الله بهذا القدر من العلم والقدرة، والملائكة تفوقه في القدرة والعلم، بل كلاهما عبد لله (16).
ثالثاً: قوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح عيسى ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا} [المائدة: 16-17]، ويثر الإمام الرازي سؤالاً مهما، وهو أن أحدا من النصارى لا يقول: إن الله هو المسيح بن مريم، فكيف حكى الله عنهم ذلك مع أنهم لا يقولون به (17). ويرى الرازي جوابا لهذا السؤال المهم الذي طرحه، بأن هنا يكمن مذهب الحلول، فإن النصارى لا يقولون صراحة بأن الله هو المسيح بن مريم، ولكن حينما يقولون بأن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام، فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة، فإن كان ذاتاً فمعنى هذا أن ذات الله تعالى حلّت في عيسى واتحدت به، فيكون عيسى هو الإله الحقيقي على هذا القول. وإن كان أقنوم الكلمة صفة، فإن انتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول، وبفرض انتقالهن فإن انتقال أقنوم العلم مثلا عن ذات الله تعالى إلى عيسى يلزم منه خلو ذات الله عن العلم، ومن لم يكن عالماً لم يكن إلهاً، فحينئذ يكون الإله هو عيسى على قولهم، ولذلك قال القرآن { لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم} فإنهم وإن لم يصرحوا بهذا، فإن حاصل مذهبهم لا يحتمل غير هذا (18).
رابعاً: قوله تعالى: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدِّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراًّ ولا نفعاً والله هو السميع العليم} [المائدة: 74-76]. هذه الآية تخاطب النصارى الذين اعتقدوا بنوة أو ألوهية عيسى بن مريم، لنه أتى بالمعجزات، وولد من غير أب، وفي نفس الوقت لا يقولون بألوهية موسى عليه السلام بالغم من أن الله أجرى على يديه معجزات مثل معجزات عيسى أو أبلغ، كما أن النصارى ادعت البنوة لعيسى ولم تدعيه لآدم، بالرغم من أن عيسى خلق من غير أب فقط، بين آدم خلق من غير أم ولا أب، كما أن الرازي بالإضافة إلى استعماله لهذه المقايسة بين عيسى من جهة وبين آدم وموسى من جهة أخرى، وهي قياس الأولى، فإنه يتجه إلى دليل الحدوث ودليل العجز، فيستخرج من قوله تعالى: { كانا يأكلان الطعام} على أن عيسى يسري عليه العجز وأمه، كما أنه محدث، فالقرآن يجعله ابن مريم، وأنه ولد بعد أن لم يكن موجوداً، “فكل من كان له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقاً لا إلهاً” (19)، كما أنهما كانا محتاجين لأنهما كانا يحتاجان إلى الطعام ليتقوتا، و”الإله هو الذي يكون غنياً عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون إلهاً” من كان يحتاج إلى غيره. ثم أن الإله “هو القادر على الخلق والإيجاد، فلو كان إلهاً لقدر على دفع الجوع عن نفسه بغير طعام وشراب، فلما لم يقدر فكيف يكون إلهاً للعالمين” (20).
خامساً: قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون}[التوبة:30]، من هذه الآية يناقش الرازي عدة مسائل؛ أولها: أن الله وصفهم بالكفر مثل المشركين لأنهم ينسبون لله الولد، وبها فهم “يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جداًّ” (21)، ، وثانيها أن القرآن حكى عن النصارى قولهم بأن المسيح ابن الله، ويرى الرازي “أن هذه المسألة ظاهرة لكن فيها إشكال قوي” (22)، فما هو هذا الإشكال القوي الذي يراه الرازي؟، فكيف تكون القضية ظاهرة من جهة ومن جهة أخرى فيها إشكال؟
الإشكال الذي يراه الرازي هو أن “المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلى الأبوة والبنوة … وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر؟ ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام (23)، يورد الرازي جوابا عن هذا من خلال نقله عن المفسرين قولهم بأن السبب في هذا الانحراف يرجع إلى بولص وإلى الضغوط والمضايقات التي تعرض لها النصارى الأوائل على يد أعدائهم، غير أن الرازي لا يذكر من هؤلاء المفسرين الذين قالوا بهذا الرأي إلا الواحدي، كما أن الرازي يتفق مع كثير من مؤرخة النصرانية في نسبتهم هذه التطورات من التوحيد إلى التثليث إلى بولص (24)، وبشيء من الاختصار غير الدقيق يشير إلى التطورات التي حدثت في النصرانية وأبعدتها عن ما كان عليه عيسى وحواريوه، إذ رأى “أن لفظ الابن لعله ورد في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، ثم أن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام، والله أعلم بحقيقة الحال”(25)، ومع العلم بأن الرازي كان على إطلاع على مذاهب النصارى، وعلى أناجيلهم، إلا أنه لم يذكر ذلك هنا، وكأنه لم يحفل بها، واكتفى بإيراد أقوال ليست من صميم ما جرى من تطورات في عقيدة النصارى كما سبق وأن ذكرنا في تمهيد هذا البحث، والله أعلم.
سادساً: قوله تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبّاراً شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا} [مريم: 30-33]. من هذه الآيات يثير الرازي مسائل عدة يعمل من خلالها على “بطال مذهبهم من جميع الوجوه” ، ولقد تطرق إلى عدة مسائل، هي؛ نقض ألوهية عيسى عليه السلام، والإجابة على شبهات النصارى، ورد مبدأ الحلول وبيان فساد القول به عقلا، وهو في ذلك يستعمل أدلة منطقية عقلية يمكن إدراكها لذوي العقول مهما كانت عقيدتهم، إذا اعملوا عقولهم، وتفصيل هذه المسائل كما يلي:
1. نقض ألوهية المسيح: ينطلق الرازي من مبدأ متفق عليه بيننا وبين النصارى وهو أن “الله سبحانه ليس بجسم ولا متحيز” (27). وذلك من وجوه؛ أولها إن اعتقدوا كونه متحيزا، بطل قولهم بإقامة الدلالة على حدوث الأجسام وحينئذ يبطل كل ما فرعوا عليه. والثاني إن اعتقدوا أنه ليس بمتحيز فحينئذ يبطل ما يقوله بعضهم من أن الكلمة اختلطت بالناسوت كاختلاط الماء بالخمر وامتزاج النار بالفحم لأن ذلك لا يعقل إلا في الأجسام، كما يبطل قول النصارى من أن الله أو صفة من صفاته اتحد ببدن المسيح أو بنفسه أو أن الله أو صفة من صفاته حل في بدن المسيح أو نفسه. لأن المسيح جسم ومتحيز والله تعالى لا هو بالجسم ولا هو بالمتحيز حسب القول الذي صدرنا به هذا الكلام.
2. إبطال القول بالحلول والاتحاد: أما إبطال الحلول فإن الرازي ذهب إلى استعمال المنهج الفلسفي والطريقة الجدلية في نفي هذا الحلول، فالقول بالاتحاد” باطل قطعا، لأن الشيئين إذا اتحدا فهما حال الاتحاد، إما أن يكونا موجودين أو معدومين أو يكون أحدهما موجوداً والآخر معدوماً، فإن كانا موجودين فهما اثنان لا واحد فالاتحاد باطل، وإن عدما وحصل ثالث فهو أيضا لا يكون اتحاداً بل يكون قولاً بعدم ذينك الشيئين، وحصول شيء ثالث، وإن بقي أحدهما وعُدم الآخر فالمعدوم يستحيل أن يتحد بالموجود لأنه يستحيل أن يقال المعدوم بعينه هو الموجود فظهر بهذا البرهان أن الاتحاد محال” (28). ، ومع هذا فإن الرازي يذهب إلى تمييز مقامين للحلول؛ المقام الأول: ماهية الحلول، وهي سواء كانت ككون الشيء في غيره مثل كون ماء الورد في الورد أو حلول السمسم في النار، أو كانت حصول الشيء في غيره على مثال اللون في الجسم فإن كلاهما لا يكون إلا في الجسم والله ليس بجسم، أو كان الحلول بمعنى حصول الصفات الإضافية للذوات فإن هذا أيضا باطل لأن المعقول من هذه التبعية الاحتياج، والله مغني عن الحاجة، فبطل معنى الحلول. أما المقام الثاني: فهو نفي الحلول مطلقا سواء مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل، فالقسمان باطلان (29)، كما يرى الرازي. فالقول بالحلول ذاته باطل كما مرّ، وإنما القول بأنه لا يجوز أن يحل مع وجوب أن يحل أو مع جواز أن يحل لأن ذلك يقتضي إما حدوث الله تعالى، أو قدم المحل وكلاهما باطل، فالأدلة التي سبقت في الآيات المذكورة سابقا تثبت أن الله قديم باتفاق مع النصارى، كما أن الجسم (عيسى) محدث، كما أن لو حل مع وجوب أن يحل لكان محتاجا إلى المحل والمحتاج إلى الغير ممكن لذاته لا يكون واجبا لذاته، وهذا الذي ذكره الرازي وأسميناه دليل الكمال وعدم العجز. ويسترسل في الاستدلال بأدلة كلامية وفلسفية متعددة، لإبطال مسألة الحلول، مستعملا في ذلك أدلة الدور، والتسلسل، وغيرها مما يجعل من نقاشه صعبا على من ليس له خلفية عن المناهج الجدلية والعقلية التي يستعملها المتكلمون، وهي أدلة عقلية غاية في التجريد والتعقيد، وغير متيسرة لأي واحد أن يتابع تسلسلها وفهم مراميها، خاصة مع البعد عن الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه الرازي وهو حقل الكلام والفلسفة، ويبدو الرازي في كل هذا غزالي النهج.
ثم يذكر الرازي – وهو في سبيل إيراده الأدلة على إبطال قول النصارى- ما جرى بينه وبين بعض النصارى، فيورد إشكالا طرحه على النصارى وهو قوله: “هل تسلم بأن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول أم لا؟ فإن أنكرت لزمك أن لا يكون الله تعالى قديما لأن دليل وجوده هو العالم فإذا لزم من عدم الدليل عدم المدلول لزم عدم العالم في الأزل عدم الصانع (الله تعالى) في الأزل، وإن سلمت أنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول، فنقول إذا جوزت اتحاد كلمة الله تعالى بعيسى أو حلولها فيه فكيف عرفت أن كلمة الله تعالى ما دخلت في زيد أو عمرو بل كيف أنها ما حلت في الهرة أو في الكل (30)، ، ولما احتج النصراني لقوله بالأفعال العجيبة التي جاء بها عيسى، احتكم الرازي إلى تسليم النصراني بأنه (لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول)، كما أنه احتكم إلى ما ثبت من معجزات بقية الأنبياء الذين يؤمن بهم النصارى، ومنهم موسى عليه السلام، ومع ذلك لم يقولوا بأنه إله أو حل فيه الله.
3. إثبات عبودية المسيح عليه السلام لله تعالى: ثم أن أحوال عيسى عليه السلام تدل على عبوديته لا على ألوهيته، ذلك “أنه كان مجتهدا في العبادة والعبادة لا تليق إلا بالعبيد فإنه كان في نهاية البعد عن الدنيا والاحتراز عن أهلها حتى قالت النصارى إن اليهود قتلوه ومن كان في الضعف هكذا فكيف تليق به الربوبية” (31)، كما أن المسيح إما يكون قديما وإما محدثا، لكن من المعلوم بالضرورة أنه ولد وكان طفلا ثم صار شاباً وكان يأكل الطعام ويشرب ويعرض له ما يعرض لسائر البشر، وإن كان محدثا كان مخلوقا ولا معنى للعبودية إلا ذلك (32). [/ALIGN]
قواعد المنهج عند الرازي:
من خلال ما أوردناه من تفسير الرازي للآيات المتعلقة باعتقادات النصارى في المسيح، فإنه يمكننا أن نخرج بمجموعة من القواعد التي – في رأيي المتواضع- تمثل محددات لمنهج الرازي، استعملها في مناظراته للنصارى، وإبطاله لمذهبهم، ومن أهم هذه القواعد ما يلي:
1. البرهان العقلي: حيث احتفى الرازي بالمنطق كثيرا، فكل الآيات التي استعرضناها، كان الرازي يناقش النصارى من خلالها، بأدلة عقلية قائمة على النظر العقلي، وهو يمزج في ذلك بين منهج الكلام ومنهج الإلهيات، وفي ذلك يقول ابن خلدون: “ثم خلط المتأخرون من المتكلمين علم الكلام بموضوع الإلهيات ومسائله بمسائلها فصارت كأنها فن واحد… كما فعله الإمام ابن الخطيب” (33)، والفرق بين العلمين أن علم الإلهيات “علم ينظر في الوجود المطلق من الأمور العامة للجسمانيات والروحانيات، من الماهيات والوحدة والكثرة” (34)، أما علم الكلام فهو “علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين ..” (35).
2. الاعتماد على المنهج الجدلي: وذلك من حيث استدراج الخصم إلى القول ثم محاكمته من خلال قوله، بإبطاله وإظهار تناقضه، كما يتبين ذلك من خلال ذكره لمناظرته لأحد النصارى الذي ناقشه في الدليل والمدلول وارتباط أحدهما بالآخر. إذ أنه حاججه من خلال قوله فألزمه.
3. تفسير القرآن بالقرآن: وتبين ذلك من خلال الآيات التي وردت في البحث، إذ أنه يورد الآية، ثم يورد ما يفسرها من القرآن ذاته، مثل تفسيره لقوله تعالى: { إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح} فقد فسرها بقوله تعالى: { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}، وذلك لنفي البنوة ونفي الحلول، لما استغرب النصارى ميلاد المسيح من غير أب ونسوا آدم، وفي آدم الاستغراب أولى بمنطقهم.
4. عدم إيراد أي نص من الإنجيل: فرغم أن الرازي عرف عنه اطلاعه على كل الفرق والمذاهب في وقته، إلا أنه في تفسيره للآيات المتعلقة بعقيدة النصارى، لم يورد قولا من الإنجيل، ولعله في ذلك يهدف إلى الاكتفاء بالقرآن، الذي أورد كل أقوال النصارى في عيسى، ولا حاجة له في الأناجيل.
5. الميل إلى التجريد: الملاحظ على الرازي أنه يميل إلى التجريد ما أمكن، واستعمال أرقى مستويات النقاش العقلي المحض، ولم يتطرق في ذلك إلى المسائل العملية، ولا إلى واقع النصارى، وبالرغم من أنه أورد بعض الملاحظات المتصلة بتطور عقيدة النصارى من التوحيد إلى التثليث، إلا أنها كانت إشارة عابرة، ولا تعطي أولوية للتطور التاريخي للفكرة، وهذا اتساقا مع منهجه القائم على البرهان العقلي المجرد، والله أعلم.
——————————————————————————–
(1) محمد العريبي، المنطلقات الفكرية عند الإمام الرازي، الطبعة الأولى، (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1992)، ص17.
(2) الأستاذ عرفان عبد الحميد فتاح، “منهج المتكلمين: دراسة وتقويم”، إسلامية المعرفة، السنة الثانية/ العدد الثامن، ذو الحجة 1417هـ/ أبريل 1997م، ص97 وما بعدها.
(3) انظر: تاج الدين بن السبكي، طبقات الشافعية، الطبعة الأولى، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ج8/ ص81.
(4) محمد صالح الزركان، فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، دار الفكر، ص ص3-22.
(5)ابن خلدون، المقدمة، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، الطبعة الثالثة، (القاهرة: دار نهضة مصر)، ج3/ ص1082.
(6)مفاتيح الغيب، ج2/ ص25.
(7)مفاتيح الغيب، ج2/25.
(8) مفاتيح الغيب، ج2/ ص ص25-26.
(9) مفاتيح الغيب، ج2/ ص26.
(10) مفاتيح الغيب، ج2/ ص26.
(11) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(12) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(13) مفاتيح الغيب، ج6/ ص117.
(14) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص 117-118.
(15) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص118-119.
(16) مفاتيح الغيب، ج6/ ص ص119-120.
(17) مفاتيح الغيب، ج6/ ص195.
(18) مفاتيح الغيب، ج6/ ص195.
(19) مفاتيح الغيب، ج6/ ص64.
(20) مفاتيح الغيب، ج6/ ص64.
(21) مفاتيح الغيب، ج8/ ص34.
(22) مفاتيح الغيب، ج8/ ص35.
(23) مفاتيح الغيب، ج8/ ص35.
(24) الطهطاوي، الميزان في مقارنة الأديان، ص144 ؛ وانظر، أعمال الرسل: 23/6 ؛ وكذلك رسالة ثيموثاوس الأولى؛ 1/11 نقلا عن: أحمد شلبي، المسيحية، ص114.
(25) مفاتيح الغيب، ج8/ ص36.
(26) مفاتيح الغيب، ج11/ ص210.
(27) مفاتيح الغيب، ج11/ ص210.
(28) مفاتيح الغيب، ج11/ ص211.
(29) مفاتيح الغيب، ج11/ ص211.
(30) مفاتيح الغيب، ج11/ ص213؛ وانظر: الرازي، مناظرة في الرد على النصارى، تقديم وتحقيق: عبد المجيد النجار، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1986)، ص ص26-27.
(31) مفاتيح الغيب، ج11/ ص213.
(32) مفاتيح الغيب، ج11/ ص214
(33) المقدمة، ج3/ ص1146.
(34) المقدمة، ج3/ ص1145.
(35) المقدمة، ج3/ ص1069.