أرشيفات الوسوم: السننية

مالك بن نبي ونزعة التفكير السنني

عند تأملنا في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد:11]، والنظر في حركات التغيير والإصلاح ومشاريع التجديد الإسلامي في القرنين الأخيرين، نجد أن معظمها اتخذ هذه الآية شعاراً له، وكأن ذلك تنبيه إلى أن الحركة التجديدية والإصلاحية -بمختلف رموزها- قد وعت أن هناك شروطاً للتغير، وأن تغيير ما بنا من تخلف حضاري شامل تُبقيها عملية تغيير ما بالأنفس.
وبعبارة أخرى؛ فإن إعادة صياغة الذات الإسلامية وبنائها من الداخل وفي جميع المستويات، مقدمة منهجية لتغيير الوضعية الحضارية كلها، وهذا وعي متقدم ومهم يسجل للحركة التجديدية منذ بداياتها الحديثة.
إن هذه الآية تدعو إلى أمر غاية في الأهمية، وهو النظر إلى عملية التغيير في مختلف مستوياتها، وأن التغيير يجري وفق قوانين وسنن لا تتخلف، وعلينا التعامل معها بمنهجية، لأن تلك السنن من أقدار الله التي تحكم حركة التاريخ والمجتمعات والواقع، وهذا ما يمكن تسميته بـ”السّننية” في التفكير والتغيير، ولقد كان (مالك بن نبي) -عليه رحمة الله- واحداً من رواد التجديد والإصلاح في العالم الإسلامي ممن اتخذ هذه الآية شعاراً لكل أعماله الفكرية ومشاريعه التجديدية؛ بل كانت تشكل إطاراً عاماً لرؤيته الحضارية ومنهجه في التغيير.
لقد جعلها أساس كل إنجازه الفكري، واتخذ منها قانونًا للتغيير بكل مستوياته، وبحث في وقائع التاريخ ليؤكد للعقل المسلم أن الله -تعالى- يعلمنا بهذه الآية وآيات القرآن كلها، أن التغيير يخضع لسننٍ علينا أن نكتشفها ونوظفها في بنائنا الحضاري بكل مستوياته. وبالرغم من أن ابن نبي لم يتوجه إلى تفسير القرآن والسنة بالطريقة التقليدية؛ فإنه اتجه إلى محاولة دراسة السنن التي ينبه إليها الوحي، ويدعو إلى استخراجها من حركة التاريخ، ومن تجارب الإنسانية. ولذلك عد بحق مدرسة في الفكر الإسلامي الحديث، لم ينصب فكره على النص الإسلامي، وإنما على مناط تطبيقه على المجتمع، من أجل بناء الحقيقة الموضوعية في نظر العقل المسلم، بالكشف عن سنن البناء الحضاري وتطوره في اتجاه القوة والضعف. فقد اتجه إلى كيفية إعمال هذا الوحي واستخراج سنن البناء والسقوط الحضاري، وقدم أدوات منهجية وعملية في أيدي المسلم الباحث عن طريق العودة إلى صناعة التاريخ.
وبتأمل أدواته التحليلية التي ابتكرها مثل: “الدورة الحضارية”، “والفكرة الدينية”، و”المراحل الثلاث للمجتمع”، و”أعمار المجتمع الثلاثة”، و”دستور الثقافة”، وغيرها؛ فإننا نجد ابن نبي كان شديد الحرص على تنبيه المسلم إلى روح البحث عن السنن والقوانين التي تحكم الظواهر. وأن دعوته وتأكيده المتكرر على ضرورة الارتفاع إلى مستوى الحوادث الإنسانية، والتأمل في السنن التي تبني الحضارات وتهدمها كان واضحاً في أعماله الفكرية، من أجل إنقاذ المسلم من جبرية ثقافة “ما بعد الموحدين” (1) التي أسلمته لعوامل التخلف، وزوّدته بكل مبررات التّبطل والإخلاد إلى الأرض. وكان دائم التركيز على أن الحتمية في السننية تجعل من المسلم يقظاً متفطناً إلى مسارب التغيير، وقادراً على المبادرة ومغالبة الانحراف والتخلف، من خلال توظيفه للسنن والقوانين المبثوثة في الكون. بل إن ما يبدو أمام الناس أنه حتماً لا يعدو أن يكون سنة من سنن الله؛ يمكن التعامل معها من خلال توظيف سنن أخرى حاكمة لها.
ولذلك فإنه يرى “إن كل قانون يفرض على العقل نوعًا من الحتمية تقيد تصرفه في حدود القانون، فالجاذبية قانون طالما قيَّد العقل بحتمية التنقل برًا أو بحرًا. ولم يتخلص الإنسان من هذه الحتمية بإلغاء القانون، ولكن بالتصرف مع شروطه الأزلية بوسائل جديدة تجعله يعبر القارات والفضاء.
إن القانون في الطبيعة لا يَنصِب أمام الإنسان الدائب استحالة مطلقة، وإنما يواجهه بنوع من التحدي يفرض عليه اجتهادًا جديدًا للتخلص من سببية ضيقة النطاق” (2). وهذا القانون الذي في الطبيعة، يمكن الاستفادة منه في ميدان التاريخ، فنخلّص مفهوم التغيير الاجتماعي من قيود السببية المقيِّدة، كما تربطه بها النظرة الشائعة عند كثير من المؤرخين الذين يرون الأشياء في التاريخ تسير طبقًا لسببية مرحلية. والأشياء تسير فعلاً كذلك إن تركت لشأنها (3). وفي هذا السياق فإنه كان شديد الحرص أيضاً على انتقاد كثير من رُوّاد حركات التغيير والتجديد ، بل ومن العلمانيين المحسوبين على الإسلام في العالم الإسلامي، الذين رأوا في الهيمنة الغربية قانونًا صارمًا لا يقبل التغيير. وهي فعلاً صارت قانون العصر، لكنها تقبل التغيير والتحدي، إذا علمنا أن الظـاهرة الحضارية الغربية نسبية ولا تمثل الحقيقة المطلقة، ومن هنا يمكن التعامل معها(4).
ومن جهة أخرى؛ فإن مراعاة ابن نبي للسننية وتأكيده على البحث عن السنن التي تحكم الظواهر، والنظر في كيفية التعامل معها؛ قد قاده إلى التفريق بين نوعين من السنن؛ فهناك ما يقبل التغيير والتحدي -مثل ما سبق الحديث عنه من نسبية الحقائق الغربية- وهناك سنن لا تتغير ولا تتبدل، وهذه الأخيرة ينبغي التأمل فيها، وهي السنن التي تبني الحضارات وتهدمها، وتحكم التغيير الاجتماعي، وتوجه التاريخ، وقد أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ً)(5) [الفتح:23] . وهذا النوع الثاني من السنن التي لا تقبل التغيير والتبديل هي السنن التي دفعته إلى دراسة ظاهرة انتقال الحضارة، والبحث في شروط انتقالها وتبدلها وتداولها بين الأمم، وتأثير ذلك في مسيرة الحضارة عموماً، ومسيرة الحضارة الإسلامية بوجه خاص. فالسّننية في استعمال ابن نبي -رحمه الله- تُفهَم في إطار محدّد، من خلال تقسيمها إلى مستويين: سُنن عامة تحكم الظواهر في إطارها الإنساني، وسنن خاصة تحكم ظواهر جزئية ومحددة. كما أن السّننية في مفهومها مرتبطة بمفهوم آخر هو التسخير، وبالتالي فإن السُّنة باعتبارها قانونًا، لا تقيد الجهد الإنساني، وهي تمارس حتمية في إطار مدى عمل السُّنة ذاتها، وليس لها طابع الجبرية المقيِّد لحركة الإنسان، وبخاصة فيما يتعلق بحركة التاريخ، بل هي جزء من التكليف المنوط بحرية التصرف. وبتعبير آخر، فإن السنن في النفس والآفاق قدَر من أقدار الله -سبحانه وتعالى-، فهو الذي شرعها وسنّها وناط تكليف الإنسان بها، وربط جزاءه وقيمة إنجازه بمقدار ما يكشف منها ويلتزم بها. والتعرف عليها والانضباط بمقتضياتها، هو حقيقة التكليف، وحقيقة الإيمان والتوكل على الله تعالى، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي الذي قامت عليه السماوات والأرض(6). وهذه الأقدار بعضها يدفع ببعض، فإذا أردنا توظيف سنة معينة علينا أن نوظفها ونتحكم فيها بسنة أخرى أكبر منها، أو تتجاوزها من حيث الهيمنة والتوجيه، وهذا هو التسخير. فإن الله -عز وجل- سخّر هذا الكون للإنسان عن طريق توظيف هذه السنن، وتتبع حركتها، وملاحظة كيفية عملها وتعاقبها فيما بينها، لتحقيق مستوى استخلافي أرقى في كل مرة يتجاوز الإنسان، سنة تاريخية أو كونية إلى سنة أخرى.
ولذلك أكد ابن نبي وحرص على تأكيد سننية حركة التاريخ، وحركة الحضارة، وضرورة تنبّه العقل المسلم لهذا الأمر، حتى لا يقع له الذهول عن المقاصد، أويقع في ذهان الاستحالة فييأس، أو ذهان السهولة فيسترخي ويقعد. ذلك أن فهم قضية السنن، بمعنى القوانين المطردة والثابتة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، وتتحكم بالدورات الحضارية، بما يمكن أن نسميه “سنن التداول الحضاري” استيحاءً من قوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس) [آل عمران:140]، والتي تعتبر معرفتها شرطًا أساسًا للتبصر بالعواقب، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من الإنجاز والإبداع الحضاري، لا يتأتى إلا من السير في الأرض، الذي فرضه الله على المسلم بقوله: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل.. )(7)[الروم:42].
والسير في الأرض، والارتفاع بالوعي إلى المدى العالمي، يدفع إلى أكبر قدر من الخبرة العلمية والعملية بالأحداث التي ترسم مسار التاريخ وتشكّله، وتترك من ورائها آثارًا للناظر المكتشف لقوانين التاريخ.
ولهذا فإن تأمل أية تجربة حضارية، أو السير في الأرض والنظر في حركة الخلق وتداولها المواقع والمهام والمصائر؛ ينبغي أن يهدف في مستواه الحضاري إلى دراسة الظواهر واستكناه التجارب، من أجل البحث عن حل سُنَني لمشكلات العالم الإسلامي، يضعه في إطاره الإنساني، ولا يُغفل الحقيقة الموضوعية التي يسير بها منطق التاريخ، الذي صار من أهم ميزاته في عصرنا اشتراك الإنسانية جمعاء في وحدة المصير، وتشابكها في علاقاتها، مما يحتم علينا البحث في عمق الظاهرة الحضارية في حركتها في التاريخ، دون عزل يُقصي الأبعاد المتشابكة لها. ولتأكيد أهمية النظر السنني للوقائع والأحداث والمنجزات؛ فإن استقراء الواقع الاجتماعي والتاريخي، وبمختلف دوائره؛ الدائرة الإسلامية والدائرة الإنسانية، والكشف عن السنن التي تحكم الحركة الاجتماعية، لا يتأتى إلا من السير في الأرض، واستقراء التاريخ، والتعرف على القوانين التي حكمت حركة البشر، للإفادة منها للحاضر والمستقبل. ونجد أن ابن نبي -عليه رحمة الله- في سيره في الأرض وبحثه عن السنن التي تحكم التداول الحضاري ينطلق من عدة ملاحظات تاريخية واجتماعية ومنهجية، طبعت تفكيره بالدقة والعمق، وبالقدرة على التأمل والتدبر، فجاءت أطروحاته متسمة بالنضج في التفكير، وبالعمق في التحليل. وهو -وإن كان يهدف من دراساته التي قدّمها- إلى البحث عن حلٍّ لأزمة العالم الإسلامي، وبناء منهج لنهضته، فإنه أراد إعطاء أكبر مصداقية لتحليله، من خلال البحث في مستوى السنن التي تحكم حركة التغيير، وهي -لا شكّ- سنن تؤطر أي جهد بشري، دون النظر إليه أكان مسلمًا أو غير ذلك. ولهذا نراه ينزع في دراساته منزعًا إنسانيًا يتجاوز الدائرة الخاصة بمشكلات العالم الإسلامي -رغم تأكيده على محوريتها- إلى آفاق الإنسانية، التي وصلت إلى مصب تاريخي تحتاج فيه البشرية إلى بديل حضاري سنني قائم على هدي سنن الله في الكتاب والآفاق والأنفس. ومن هنا يمكن فهم أن مالك بن نبي كان يعنى في المقام الأول بمشاكل الإنسانية جمعاء، وكان يحاول وضع مشكلات الأمة الإسلامية في إطار مشكلة الإنسانية قاطبة(8)، والارتقاء إلى مستوى الأحداث الإنسانية من أجل الكشف عن سنة الله فيها. وأدى به ذلك البحث عن السنن التي تحكم الآفاق والأنفس إلى تقديم منهج قائم على أدوات تحليل دقيقة، وإطار تصوري قائم على المنظور الحضاري الذي صاغه، فكان يرى الأشياء بتلك البصيرة الحضارية التوحيدية النافذة؛ التي تجلّت في جُل أعماله الفكرية ونشاطاته، طول حياته العامرة بالجد والنشاط.
وفي ختام هذا المقال نقول؛ أن تناولنا لابن نبي هنا يهدف إلى استخلاص الحكمة من محاولته الفكرية، من أجل إيجاد حل سنني لمختلف مشكلاتنا، وهذا هو المهم -في رأيي- في ابن نبي؛ المنهج وليست الجزئيات. فقد تكون الأحداث التي انعكست في كتابات ابن نبي قد تجاوزها الزمن، وقد تكون المرحلة التي عاشها قد ولّت بكل تفاصيلها، ولم يعد لها معنى، غير أن الذي يهم من فكره وفكر غيره هو الجانب المنهجي، وروح البحث عن القانون (9). وهو في ذلك كله يعمل على تصحيح النظرة إلى عمل السنن، وكيفية التعامل مع الظاهرة في جوهرها وفي مظهرها، و”قد أبدع مالك -رحمه الله- في تحليل أسباب أزمتنا الحضارية، من خلال رؤية متميزة للسنن التي تحكمها، فساهم بذلك في تصحيح النظرة للأزمة، حيث قدمها للناس بصيغة قوانين قابلة للفهم، ومن ثمّ قابلة للتسخير في حل هذه الأزمة” (10).
فهل يا ترى نستفيد من هذا التراث الفكري ونزيده تعميقاً وتنظيماً وإنضاجاً، أم نبقى ندور في حلقة مفرغة من جَلْد الذات وإنكار أهمية الأفكار، والدوران في الولاء للأشخاص والأحزاب؟. وهل نبقى نتنكب الصراط، والله تعالى أرشدنا إلى سننٍ هادية من عالم الخلق والأمر؛ كفيلةٍ إذا عملنا بها أن نخرج إلى بر الأمان، وأن نتحقق بالحق الذي لا يحابي أحداً انحرف عن الأخذ بالأسباب والسنن؟!.
——————————————————————————–
الهوامش:
(1) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص53-54.
(2) مالك بن نبي، في مقدمته لكتاب جودت سعيد، حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص10.
(3) مالك بن نبي، في مقدمته لكتاب جودت سعيد، حتى يغيروا ما بأنفسهم، ص10
(4) مالك بن نبي، وجهة العالم الإسلامي، ص64 وما بعدها.
(5) مالك بن نبي، شروط النهضة، ص48-49.
(6) محمد أحمد كنعان، أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، كتاب الأمة رقم 26، ص20.
(7) محمد أحمد كنعان، أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق، ص11-12.
(8) ابراهيم محمد زين، “أبعاد رؤية مالك بن نبي الحضارية” الشاهد الدولي، مجلد1/ عدد3، 15 نوفمبر 1997، ص7.
(9) من مقدمة عمر مسقاوي لكتاب مالك بن نبي، من أجل التغيير، ص6.
(10) محمد أحمد كنعان، أزمتنا الحضارية، ص28.