أرشيفات الوسوم: الرؤية المادية

تحدي النموذج المعرفي الغربي والحاجة إلى رفع التحدي «1-2»

بدران مسعود بن لحسن
الجمعة، 25 سبتمبر 2015 05:46 ص

ليس بمقدور أحد -في ضوء المعطيات الراهنة- أن ينكر كون الأمة الإسلامية في العصر الراهن تعاني من حالة من التخلف الحضاري يعبر عن نفسه بصيغ شتى، ليس أقلها خطرا ما يلاحظه المؤرخ البريطاني «أرنولد توينبي» في دراسته للتاريخ بخصوص الحضارات الست المتبقية بعد غياب ما يزيد على العشرين، وأن هذه الحضارات المتبقية -بما فيها الحضارة الإسلامية- تلفظ أنفاسها، وتدور في فلك الحضارة الغربية الغالبة، وهي معرضة في أية لحظة للتفكك والتلاشي في مدارات هذه الحضارة.

ومن الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في عصرنا، أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانا مركزيا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة، على المستويين المعنوي والمادي.

ونحن نلاحظ كيف أن التعامل مع الحضارة الغربية الغالبة أخذ -منذ أخريات القرن الثامن عشر- صيغة الانبهار الذي دفع كثيرين من قيادات الأمة الإسلامية ونخبها وعلمائها، وأبنائها عموما، إلى الأخذ غير المتبصر عن هذه الحضارة، أو ما سماه مالك بن نبي «التكديس»، الذي يستورد ويراكم الخبرات والأشياء، ولكنه لا يصنع حضارة، أو يعيد نهوضها من جديد!

ومكمن الخطورة في هذا الأخذ، أنه لم يميز بين الأشياء والأفكار، فإذا كان في الحالة الأولى يمارس عملا مشروعا، فإنه في الثانية يقتحم عقل الأمة وعقيدتها وثوابتها التصورية وخصائصها الأساسية بجملة من المفردات التي تلحق الدمار بمقومات الشخصية الإسلامية، وتقودها إلى الخروج من ساحة الاحتكاك الحضاري، وقد فقدت ذاتها وأصبحت -في نهاية الأمر- تابعا يدور في فلك الآخر.

وفي سياق هذه المقالة، فإن تركيزنا على التحدي الذي يطرحه النموذج أو النسق المعرفي الغربي، ذلك أن النسق المعرفي الغربي الذي يؤطر المعرفة ويثريها بمقولاته، والرؤية الغربية لله عز وجل وللكون والحياة، هي التي تسيطر على توجهات أغلبية شعوب الأرض الآن، وتحاصر ثمرات هذا المنهج وعي الإنسان وفكره وسلوكه ورغباته، حتى تكاد تأسر رؤية الإنسانية للوجود، فأصبحت الحضارة الغربية «قانون العصر» المهيمن.

وعندما تنظر إلى هيمنة النموذج المعرفي الوضعي العَلماني الغربي تظن لأول وهلة أنه أبلغ ما يمكن للعقل البشري أن يبلغه، ومبعث هذا الاعتقاد أن النموذج المذكور قد مكن لنفسه بترسانة من الوسائل التكنولوجية والتقنيات المتطورة التي استبدت بحياة الإنسان في شتى جوانبها، داخل بيته وخارجه؛ سيارة يمتطيها، وهاتف يحدد به المواعيد، وجهاز كمبيوتر يكتب فيه ما يشاء ويخط فيه سائر خطاباته ويتصل به ويقرب الأبعاد، فيظهر لك زيادة إلى ما سبق أن الغرب قد امتلك ناصية الحقيقة المطلقة التي لا يساورها شك ولا يعتريها نقص.

والعالم الإسلامي إذ أفاق من السيطرة العسكرية الغربية، يحاول أن يضيف إلى ذلك التحرر من الهيمنة الشاملة والكاسحة للحضارة الغربية بنموذجها المعرفي، لأنه يحتوي بعض العناصر المخالفة للرؤية الإسلامية للحياة، من استبطان الأسلوب العَلماني والوضعي والنسبي والمادي والتطوري، في تحليل الظواهر وقراءة التاريخ.

وبهيمنته، أتلف الغرب قداسة الوجود في النفوس والضمائر والثقافة، بسبب منشأ ثقافتها التي أطلقت عليها اسم العلمية، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. ذلك أن المادية المتمركزة، والكمية التي أشيع عنها أنها هي العلم وهي المنهج العلمي الصحيح، صارت معيارا لقياس مدى صحة أو علمية أي فكرة أو شيء في هذا الوجود.

فالتطور الهائل الذي عرفته العلوم الطبيعية والتكنولوجية وحتى الإنسانية، قائم على الفكر المادي، والفلسفة المادية التي طغت على الحضارة المعاصرة سواء في أصولها النظرية أو في تطبيقاتها الاجتماعية والسياسية. وصار المجال العقائدي وفق النظرة المادية الوضعية من قبيل الشأن الشخصي الذي لا يخضع لمنطق البرهان الاستدلالي العقلي، ولا يمكن اعتباره علما حسب هذه النظرة الوضعانية.

فالمنهج المعرفي الغربي مادي في أساسه، متمركز على المادة، وينكر الغيب وما يتصل به من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. وترفض الحضارة الغربية وفق منهجها العلمي أي مصدر آخر للمعرفة خارج عن نطاق الفحص الحسي المادي، الخاضع للتجربة المخبرية أو المشاهدة.

وبما أنها مادية فإنها تُخضع كل شيء لقوانين المادة من تحول وتغير، ولا يوجد هناك ما يسمى «ثابت» مثل القيم والأخلاق، لأنها ليست أشياء يمكن تقديرها بالكم، فالصدق بما أنه لا يمكن وزنه ولا قياسه بالكمية أو بالأرقام فهو -في المفهوم الغربي- شيء مفتعل وغير موجود، ولا ثمرة من ورائه.

لقد تكونت في بلدان الغرب من جراء الفصل بين العلم والإيمان نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والآداب، مبنية على رؤية ووجهات نظر مادية للإنسان ونفسيته، ومحاكمة طبيعته وتصرفاته وميوله، وتقويمها من خلال مقاييس المادة وحدها.

كما أن هذه العلوم الإنسانية في طابعها العلماني الحديث وزخم الاكتشافات الخارقة والمكتسبات الهائلة التي أحرزت عليها، أدت من حيث أبعادها الأخلاقية والروحية والإنسانية إلى متاهات عقائدية، إذ إنها جردت الإنسان من مكوناته الأساسية التي ترتفع بها فطرته البشرية، وتعتدل بها نفسيته، وتتزكى بها عقليته ويتسامى بها ضميره وروحه.

وزاد الخطب حين أحكم الغرب قبضته على مقاليد العالم في أواخر القرن التاسع عشر إلى الثلث الثاني من القرن العشرين، إذ عمل على تهميش الثقافات القائمة ببلدان العالم التي استعمرها وأبادها، معتبرا ثقافته المحور والمقياس لكل فكر ومعرفة، وأساسا لكل خطاب.

البقية الأسبوع القادم..

http://www.alarab.qa/story/665017/%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A#section_24