أرشيفات الوسوم: الحضارة

في مفهوم الحضارة

يعتبر مفهوم الحضارة من أكثر المفاهيم صعوبة في التحديد، وذلك بفعل التطور الدلالي الذي حظي به عبر تاريخ الحضارة نفسها، ولعل من أهم أسباب الاختلاف في تعريفها أيضا، ما يرجع إلى الخلفية الفكرية لصاحب كل تعريف، والمنظور الذي يقدم من خلاله تعريفه، وكذلك تكوينه العلمي وزاده المعرفي؛ فالمؤرخ، والأنثربولوجي، وعالم الاجتماع، واللغوي، وعالم النفس، كلٌّ يعرفها انطلاقا من أرضيته الفلسفية ومنظوره المعرفي الذي ينظم أفكاره. ونتيجة لحيوية التنقيب والبحث في حقل الدراسات الحضارية، ظهرت تعريفات متعددة ومتنوعة لظاهرة الحضارة. كما أن هناك تعريفات ولدت ضمن إطار الوعي العقدي الغربي وأخرى صيغت استجابة للوعي العقدي التوحيدي.
ولذلك نحاول تناول مفهوم الحضارة من الوجهتين؛ اللغوية، والاصطلاحية، للتمكن من تحديده بما يجعل منه واضحا وقابلا للتعامل معه ضمن شبكة المفاهيم المتعلق بمنظور الدراسة الذي نحاول صياغته.
ففي العربية، الحضارة بكسر الحاء وفتحها تعني الإقامة في الحضر، وأن مظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي في الحضر[1]. ومعناها ضد غابَ والحاضرة والحِضارة [ ويفتح ] خلاف البادية[2]. والحضور نقيض المغيب والغيبة: حَضَرَ يَحْضُرُ حُضوراً وحضارة … والحضر خلاف البدو، والحاضر خلاف البادي، وفي الحديث: ]لا يبيع حاضر لبادٍ[.
والحاضر: المقيم في المدن والقرى، والبادي: المقيم بالبادية، وفلان حضري وفلان بدوي. والحِضارة: الإقامة في الحضر. وكان الأصمعي يقول: الحَضارة، بالفتح. والحاضرة والحاضر: الحي العظيم أو القوم[3].
فالحضارة في عرف اللغة كما رأينا ترتبط بالحضر، والعمران، أي أن المصطلح من ناحية اللغة العربية ذاتها يحمل المعنى الاجتماعي، وذلك عند اعتبار الحضارة علامة على الحضور والإقامة والاستقرار، وهذه كلها تحمل معاني اجتماعية، فإذا سكن الناس واستقروا نشأت بينهم صلات اجتماعية أكثر، وارتبطت مصالحهم، ونشأت بينهم سبل التعاون، واتجهوا إلى بناء المدن والإبداع والانتظام والتنظيم. فالحضارة في جذرها اللغوي تعنىَ وتُركز على الجانب الاجتماعي، وكأن اللغة تشير إلى أن الحضارة مفهوم اجتماعي منذ نشأته، كما أنها لا تكون إلا حيث توجد علاقات اجتماعية متبادلة بين الناس تظهر فيها معاني التعاون والتنظيم والانتظام في إطار مكاني محدد هو المدينة، ولعل هذا فيه إشارة لاهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بتسمية (يثرب) باسم (المدينة)، بما يتضمنه لفظ المدينة من قيم اجتماعية وحضارية بعيدة الأثر في النفس الإنسانية.
أما مصطلح “الحضارة” في اللغات الأوربية، واللغة الإنجليزية بخاصة، فمشتقة من اللاتينية، فلفظ “Civilization” لغويا يرجع إلى الجذر “civites” بمعنى مدينة، و”Civis” بمعنى ساكن المدينة، أو “civilis” بمعنى مدني أو ما يتعلق بساكن المدينة[4].كما أنها تقرن أحيانا بمصطلح “Culture” التي في معناها اللاتيني تفيد الإنماء والحرث، واستمر مفهومها في حراثة الأرض وتنميتها، إلى نهاية القرن الثامن عشر، حيث كما يذكر معجم أكسفورد أنها اكتسبت معنى يشير إلى المكاسب العقلية والأدبية والذوقية، وتقابل في العربية مصطلح ثقافة[5].
فالمصطلح نفسه لم يأخذ معناه المعروف لدينا اليوم عن الحضارة في اللغات الأوربية، إلا مع القرن الثامن عشر[6]، باعتبار ما اقترن به من مصطلحات دلالية أخرى، وأقرب المعاني اللغوية المستعملة اليوم أن الحضارة: “مرحلة متقدمة من النمو الفكري والثقافي والمادي في المجتمع الإنساني”[7]، أو هي: “مرحلة متقدمة من التقدم الاجتماعي الإنساني، أو هي ثقافة وطريقة حياة شعب أو أمة أو فترة من مراحل التطور في مجتمع منظم”[8].
فمصطلح الحضارة في اللاتينية واللغات الأوربية أيضا يتضمن معنى المدينة، والاستقرار، والتنظيم الذي تقتضيه حياة المدينة، وكأن هناك تشابها في المعنيين اللغويين في كل من العربية واللاتينية، باعتبار أن الإنسان اجتماعي بطبعه  حسب التعبير الخلدوني[9]، أي أن النـزوع إلى التجمع والتنظيم والانتظام فطرة إنسانية تحكم السلوك الإنساني في إطاره الجماعي، وأن التحضر مطلب إنساني متصل بالسعي الإنساني في مختلف العصور.
أما من الناحية الاصطلاحية، فإن للحضارة تعاريف مختلفة – كما سبقت الإشارة- ففي الاصطلاح الخلدوني: “الحضارة هي نهاية العمران وخروجه إلى الفساد ونهاية الشر والبعد عن الخير “[10]. وابن خلدون هنا يشير إلى المرحلة الأخيرة التي تمر بها الدولة أو المجتمع عندما تتفكك العصبية وتضمحل قوة الرابطة التي تجمع الناس على بناء المجتمع، فيصير المجتمع في حالة الترف التي أشار إليها ابن خلدون في مقدمته، وتقل أخلاق البناء، وتظهر أخلاق الفتور، فالحضارة بهذا التعبير الخلدوني درجة من التقدم تبلغها المجتمعات.
ويزيد ابن خلدون تعريفاً آخر للحضارة يسميها “سر الله في ظهور العلم والصنائع” وذلك في الفصل الذي يفسر فيه لماذا أن “حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم” مما يجعل من العلم والصناعة منتوجات حضارية كما أن الحضارة تصطبغ بذلك الطابع الاجتماعي العمراني، وهو ما سنجده مع مالك بن نبي لاحقا، يقول ابن خلدون: “إن الصنائع من منتحل الحَضَرِ وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية.. والحضَرُ لذلك العهد هم العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من الصنائع والحرف”[11].
ويعلل ابن خلدون ذلك برسوخ الحضارة في العجم، ويعني أساسا (الفرس) الذين تحولوا إلى الإسلام، فيقول: “لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس.. وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرئاسة في الدولة وحاميتها وأولي سياستها”[12].
فالعرب حسب ابن خلدون كانوا في بدايات اتصالهم بهذه المنجزات الحضارية من علوم وصنائع غير أنهم شغلوا عنها بمهمات بناء الدولة الجديدة، والتي كانت إحدى مراحل بناء الحضارة التي ابتدأها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة بل من غار حراء عندما اتصلت الأرض بالسماء عن طريق الوحي، لكن ابن خلدون لا يقف عند هذه المرحلة من تطور الحضارة، بل يرصد حركتها، حيث يجعل استمرار العلوم والصنائع والتطور العمراني نتيجة لاستمرار عمل قانون الحضارة في تلك الأمصار وليس سببا في استمرارها، حيث يقول: “فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من العراق وخراسان وما وراء النهر، فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول العلم والصنائع ذهب العلم من العجم”[13].
فالحضارة سر الله في وجود العمران والعلم، وإذا فقدت شروطها فإنها تنتقل إلى مكان آخر تتوفر فيه شروطها الموضوعية، ولعل تعبير ابن خلدون عن الحضارة بالسر، نستشف منه معنى القانون الذي يتحكم في انتقالها.
وإذا انتقلنا إلى العالم الغربي نجد “ديورانت” يعرفها بأنها: “نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وإن الحضارة تتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون، وهي تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق”[14].
ويعرفها تايلور بأنها: “درجة من التقدم الثقافي، تكون فيها الفنون والعلوم والحياة السياسية في درجة متقدمة”[15].
والملاحظ على تعريف كل من ديورنت وتايلور أن الأول ينظر إلى الحضارة من جهتين؛ أنها نظام اجتماعي يقدم للإنسان القدرة على تحقيق إنجازات ثقافية، ومن جهة أخرى أنها مرحلة من مراحل التقدم البشري تكون فيها الحياة الإنسانية تتجه نحو التنظيم لما تتوفر لها مجموعة من العناصر، أما الثاني فإنه يعرف الحضارة على اعتبار أنها درجة من التقدم الثقافي لها نتائجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو في تعريفه هذا يتجه إلى تعريف الحضارة بالنظر إلى غايتها التي تحققها في المجتمع.
كما يعرفها مالك بن نبي، وذلك من عدة جوانب؛ فهو تارة يعرفها من الجانب البنيوي (مركزا على بنية الحضارة وعناصر تركيبها)، وتارة من الجانب الوظيفي (مركزا على وظيفة الحضارة) باعتبارها تؤدي دورا في المجتمع، وتارة يعرفها من جانب غايتها من حيث أنها غاية الحركة الاجتماعية في التاريخ. وبعبارة أخرى فهو يعطي التعريف التحليلي للحضارة الذي يبيّن كيفية تركيب الحضارة في عناصرها الأولية، ويعطي تعريفا للحضارة من خلال دورها (وظيفتها) في التاريخ، كما يحدد حقيقتها الرسالية.
أما التعريف التحليلي فإننا نجده يعرف الحضارة من الوجهة التحليلية (تحليل بنيتها) بالمعادلة الرياضية التالية: الحضارة= إنسان+تراب+وقت.
وفي ذلك يقول بن نبي: “حضارة = إنسان+تراب+وقت، وتحت هذا الشكل تشير الصيغة إلى أن مشكلة الحضارة تنحل إلى ثلاث مشكلات أولية: مشكلة الإنسان، مشكلة التراب، مشكلة الوقت. فلكي نقيم بناء حضارة لا يكون ذلك بأن نكدس المنتجات وإنما بأن نحل المشكلات الثلاثة من أساسها”[16].
فبن نبي يجمل أي جهد أو منتج حضاري، في صورة هذا التفاعل الأولي بين عنصر الإنسان صاحب الجهد المنجز، وعنصر التراب بصنوفه التي هي مصدر الإنجاز المادي، وعنصر الزمن الذي هو شرط أساسي لأي عملية إنجازية يقوم بها الإنسان.
وباعتبار أن الحضارة إنجاز موجه في التاريخ فإنه لا شك إنتاج لفكرة تطبع صبغتها على جهد الإنسان فتميزها في التاريخ، ولهذا فبن نبي لا يكتفي بهذه العناصر التركيبية الأولية للحضارة فقط، بل يضيف إليها الفكرة المركِّبَة؛ التي هي الفكرة الدينية (الدين)، مركِّب القيم الاجتماعية، و يقوم الدين بهذا الدور في حالته الناشئة، حالة انتشاره وحركته، عندما يعبر عن فكرة جماعية[17]، أي لا يكون فكرة مجردة بعيدة عن صياغة همٍّ جماعي وأداءٍ اجتماعي مشتركٍ.
هذه العناصر الثلاثة – كما يرى بن نبي –  تتفاعل فيما بينها بفعل الشرارة التي تحدثها الفكرة الدينية، وتتحقق في واقع تاريخي يقتضي وجود مجموعة من العلائق تحقق وحدة العمل التاريخي، هذه العلائق هي ما يسميه بن نبي (شبكة العلاقات الاجتماعية)[18]. فشبكة العلاقات الاجتماعية هي العنصر التركيـبي الآخر الذي يتحقق بوجوده الجهد الإنساني في صورة إنجاز حضاري في التاريخ[19].
فالحضارة من هذه الوجهة التحليلية تقوم على عناصر الإنسان والتراب والزمن، في وجود شبكة من العلاقة الاجتماعية التي تشكل الميلاد الحقيقي للمجتمع في التاريخ وبداية إنجازه التاريخي على ضوء الفكرة الدينية.
أما التعريف الوظيفي فإن بن نبي يقول بشأنه: “إن الحضارة يجب أن تحدد من وجهة نظر وظيفية، فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين، أن يقدم لكل فرد من أفراده، في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور، أو ذاك من أطوار نموه”[20]. فهي ذلك العمل الاجتماعي الذي يقوم به المجتمع في سبيل توفير الضمانات التي تؤهل الفرد لممارسة دوره في التاريخ.
فمن وجهة الوظيفة التي تؤديها الحضارة فإن بن نبي ينظر إلى الحضارة بمقدار ما تقدمه من الضمانات للفرد، تلك الضمانات التي يقدمها المجتمع لأي فرد من أفراده في مرحلة تاريخية معينة من مولده إلى مماته. أي إلى أن ينقضي وجوده الاجتماعي. هذه الضمانات هي بمثابة شروط ذات وجهتين مادية ومعنوية. وبعبارة أخرى أنها في الواقع جملة العوامل المعنويّة والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره. فالفرد يحقق ذاته بفضل قدرة وإرادة تنبعان من المجتمع الذي هو جزء فيه[21]، فالحضارة أداء اجتماعي لمجتمع ما في التاريخ.
فإذا كان مجتمع معين يستطيع في مرحلة تاريخية معينة تقديم وتوفير مثل هذه الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح للفرد أن يمارس دوره الطبيعي في المجتمع، فإن المجتمع يعيش حالة حضارة. وكأن بن نبي من هذه الزاوية يركز على الحقيقة الموضوعية التي تلتمس الحضارة في أثرها في الواقع، وتهتم بالمنظور الاجتماعي (السوسيولوجي) للظاهرة الحضارية.
ومن هذه الجهة (الوظيفية) فإن الحضارة هي أولاً شروط أخلاقية ومادية وهذا يجعل الحضارة خاضعة للتوازن الذي يحفظها من الانحراف، فإذا اختل جانب انحرفت الحضارة من هذا الجانب المختل، والحضارة ثانياً عمل اجتماعي، وهذا يشير إلى أهمية المجتمع وأسبقيته في عملية الإنجاز الحضاري، وذلك من خلال تركيز بن نبي على أهمية وجود عالم شبكة العلاقات الاجتماعية باعتبار أن الحضارة إنجاز يقوم به المجتمع  بمجموع أفراده، ويتم في إطاره وبإرادته  وإمكانه، حتى أنه يمكن القول أن الحضارة هي عمل شبكة العلاقات الاجتماعية ذاتها، وثالثاً أن الإنسان (الفرد) يأخذ أهمية خاصة من خلال اعتبار الحضارة من الوجهة الوظيفية عملية تقديم للضمانات لهذا الفرد حتى يتمكن من ممارسة دوره المنوط به اجتماعيا، ورابعاً أن الحضارة عبارة عن ضمانات إذا نظرنا إليها من هذه الوجهة، وهي ضمانات تتيح للطاقات الفردية والاجتماعية أن تنطلق وتمكن الفرد من التطور ماديا ومعنويا، كما أن الحضارة خامساً عبارة عن أطوار اجتماعية يمر بها المجتمع، وفي هذا إشارة إلى الظاهرة الدورية التي تمر بها الحضارة.
هوامش:
[1] – إبراهيم أنيس وآخرون، المعجم الوسيط، (قطر: دار إحياء التراث الإسلامي)، ج1/ص180.
[2] – الفيروزأبادي، القاموس المحيط، (بيروت: دار الفكر، 1983م)، ج2/ص10.
[3] – لسان العرب، حرف باب الراء، فصل الحاء المهملة، مج4، ص196-197.
[4]–  أحمد محمود صبحي، في فلسفة الحضارة، (الإسكندرية: مؤسسة الثقافة الجامعية)، ص3.
Philip Weiner, Dictionary of the History of Ideas, (New York: Charles Scribner’s Sons, 1973), P613.
[5] – قسطنطين زريق، في معركة الحضارة، الطبعة الرابعة، (بيروت: دار العلم للملايين، 1981م)، ص32-33.
[6] – نصر محمد عارف، الحضارة-الثقافة- المدنية، سلسلة المفاهيم والمصطلحات (1)، (هيرندن، فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1414هـ/ 1994م)، ص33.
[7]–    The American Heritage Dictionary of the English Language,3ED, (New York: Houghton Mifflin Company,1992), PP 349-350.
[8] -Oxford Advanced Learner’s Encyclopedic Dictionary, (Oxford University Press: 1994), P160.
[9] – المقدمة، ص475.
[10] – عبد الرحمن بن خلدون، مقدمة ابن خلدون، ط5، (بيروت: دار القلم، 1984)، ص475.
[11]  المقدمة، ص544.
[12] المقدمة، ص544.
[13] المقدمة، ص545.
[14] -ول ديورنت، قصة الحضارة، (جامعة الدول العربية، 1957م)، ج1/ص4.
[15] – E.B.Taylor, Dictionary of Anthropology, Special Indian Edition, (Delhi: Goyl Saab, 1988), P117.
[16]– بن نبي، شروط النهضة ، ترجمة: عبد الصبور شاهين،(دمشق: دار الفكر،1996)، ص45.
[17] – وجهة العالم الإسلامي، ص32.
[18] –  بن نبي، ميلاد مجتمع، ترجمة: عبد الصبور شاهين، الطبعة الثالثة، (دمشق: دار الفكر،1986)، ص27.
[19] -بن نبي،  فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ،(دمشق: دار الفكر، 1981)، ص143.
[20]– بن نبي، آفاق جزائرية، (القاهرة: مكتبة عمار،1971)، ص38.
[21]– بن نبي، مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، (دمشق:دار الفكر،1988)،ص42.

حديث في الممارسة النقديّة 2

النقد … ضرورة الحركة
هذا الميل إلى النقد والممارسة ما هي دوافعه؟ من أين تنشأ الرغبة في النقد؟ ومتى تكثر هذه العملية في الواقع؟
إن هذه الأسئلة الثلاثة يمكن الإجابة عنها من خلال فهم كُنْه عملية النقد، والتي كما أسلفنا أنها موازنة تهدف إلى المراجعة والتصحيح، والتواصل مع الكسب، والقطيعة مع الاكتساب بالمفهوم الذي ذكرته الآية السابقة الذكر (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت).
ولعل المراجعة تكون لما سبق، أي أن هناك انتقالاً من حال إلى حال، دفع هذا الانتقال صاحبه إلى التطلع والموازنة بين ما كان عليه وما هو عليه في حينه
بين ما قد فعل وبين ما هو فاعل، حيث إن هذه الحالة قد تكون انتقالاً في الفكر أو الممارسة، ومن موقف إلى آخر. والتصحيح تدفع إليه عملية الانتقال، لرصد مسيرة الفعل واتساقه مع ما يجب أن ينجزه ومقارنته بما أنجز.
فالحركية المستمرة للفعل الإنساني تدفع به إلى المراجعة المستمرة والتصحيح الدائم عن طريق الموازنة ليضمن الوصول إلى أهدافه.
غير أن منحنى النقد تظهر نهاياته العظمى، ويكثر أثناء النقلات النوعية، والتحوّلات المفصليّة، والهِزات الكبرى، والأحداث التي تشكل تحولاً في المسار، كما حدث بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وبعد الحرب والاحتلال الأمريكي للعراق وغيرها من الأحداث.
فالإنسان فرداً كان أو جماعة عند شعوره بالإخفاق، أو اجتياز نقلة مرحلية، وفقدانه لبعض ما كان ينبغي أن يوجد يلجأ إلى التساؤل، والبحث عن الأسباب، وموازنة فعله واتساقه مع ما رسمه من أهداف نهائية أو آنية. فالميل إلى النقد ينشأ من عدم القابلية للإخفاق، والرغبة في التخلص من الفعل السلبي وآثاره، والنزوع نحو الكمال والرشد الإنساني المركوز في طبيعة البشر.
ويضرب لنا القرآن الكريم المثال في البحث عن تصحيح الوضع، والبحث أيضاً عن اكتشاف مكمن الزلل والخطأ أو الانحراف، وذلك في حديث القرآن الكريم عن غزوة أحد، حينما تساءل الصحابة -رضوان الله عليهم- عن سبب الإخفاق في هذه الغزوة بعدما انتصروا في بدر الكبرى، فيوجههم القرآن الكريم إلى البحث عن السبب في أنفسهم، وأن الزلل كان من اكتسابهم، كما قال الله تعالى: (أو لمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير) (آل عمران: 165).

النقد … منهج ومعايير
في الوقت الذي نؤكد فيه على مفهوم النقد باعتباره موازنة وتصحيحاً بعد المراجعة، وعلى ضرورة هذه العملية الحيوية باعتبارها قانوناً يصاحب الفعل الإنساني، يُنفى به الخبث ويستصحب به الأصيل من الفكر والممارسة، فإنه ينبغي التأكيد على أن العملية النقدية ليست عملية عفويّة اعتباطيّة فوضويّة هلاميّة لا فاصل بينها وبين غيرها من العمليات الأخرى إيجابية كانت أم سلبية.
فلكي تؤدي العملية النقدية أُكُلها، لا بد من وجود منهج صحيح، كما أنه ينبغي توفر معايير تضع الإطار الذي يوضح عملية النقد من التشهير، وعن النميمة، والغيبة، وعن الانتقاص، والتشويه.
ذلك أن سبّ الناس عامة والمؤمنين خاصة باسم النقد، والطعن في كرامة الناس وأعراضهم باسم النقد، ناتج عن غياب المعايير التي تشكل حواجز وضوابط تضمن عدم التجني على الآخرين بغير وجه حق.
فمنهج النقد يجب أن يفرق بين نقد الفكرة وبين نقد الممارسة، ونقد الفكر بمنهج نقد الممارسة أو العكس يُعدّ مغالطة كبرى. فعند نقد الفكرة من المنطقي والعلمي أن تنقد الفكرة في إطار تناسقها مع مقولاتها، ومع المقولات العقلية والعلمية الثابتة الصحة، وإثبات فساد فكرة يتجه أولاً إلى اكتشاف تناقض بنائها الداخلي، وغموض مضمونها، وعدم قدرة الفكرة على إعطاء الإجابات المقنعة على أسئلة الفكر والعقل، وفساد إحالاتها ومدلولاتها الفلسفية والعقائدية.
أما إثبات فساد فكرة بفشلها في الواقع فقد لا يصدق دائماً، إذ يدخل في إفشال الفكرة في الممارسة عدة عوامل، وليس عدم صلاح الفكرة في ذاتها فقط.
وهذا ما أشار إليه الأستاذ مالك بن نبي –عليه رحمة الله- في كتابه (مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي) حيث أشار إلى أن فعالية الفكرة ليس دليلاً على صلاحها، كما أن عدم فعاليتها في الواقع ليس دليلاً على عدم صلاحها، والخلط بينهما من قبيل الخلط المنهجي.
كما أن نقد الممارسة ينبغي أن يرتكز على ضوابط الممارسة الواقعيّة السليمة أكثر من أي مرتكز آخر.
ففي نقد التجربة الماركسية والفكرة الماركسية مثلاً خلط، حيث استدل على فساد الفكرة من خلال فشل التجربة، كما استدلّ المؤيّدون لها بنجاح الفكرة على نجاح التجربة قبل سقوط المعسكر الشيوعي.
وكان من المفترض أن تفنّد الفكرة الماركسية بنقد الفكرة ذاتها، واكتشاف تناقضها وفساد إحالاتها الفلسفية والعقدية، وغموض وقصور مقولاتها، من خلال نقد فكري مجرّد، كما كان من المفترض نقد التجربة الماركسية وفشلها من خلال رصد واستقراء تاريخ ممارسة التجربة لاستخراج أسباب الإخفاق التي قد يكون فساد الفكرة أحد أسباب إخفاق الممارسة، وربما لا يكون أدنى دور سلبي للفكرة في إخفاق التجربة والممارسة.
ويمكن تطبيق ذلك على دعوات الإصلاح في العالم الإسلامي منذ محمد بن عبد الوهاب، والأفغاني، ومحمد عبده، وابن باديس، وغيرهم، وصولاً إلى الصحوة الإسلامية المعاصرة على مستوى الفكرة والممارسة. كما يمكن تطبيق هذا النقد على القومية العربية وما دعت إليه من أفكار وما أنجزته منذ قيام الثورة العربية في بداية القرن الماضي، وكذا أي فكرة أخرى.
فالفصل بين مناهج نقد الأفكار، ومناهج نقد التجارب والممارسات، مقدمة صحيحة للحصول على الإجابات الصادقة والموضوعية عن الأسباب الكامنة وراء الإخفاق، والأسباب الكامنة وراء النجاح، هذا عن منهج النقد وطريقته.
وهناك الأمر المهم الآخر أيضاً والذي تبدو الحاجة ملحة إليه هو المعايير التي ترسم الإطار الضابط لهذه العملية الحيوية، لتحدّد مجال النقد عن غيره من أوجه الانتقاص والتشويه، وتفرق بين النقد وبين الغيبة والنميمة والتشهير.
فمثلاً في حياتنا اليومية، وفي سياق الحديث عن شخص أو مؤسسة أو فكرة أو تجربة أو هيئة ما هو المعيار أو المعايير التي من خلالها نعرف أننا نمارس الدور الحيوي في المراجعة والتصحيح، بدل أن نكون في عداد الخائضين بدون محدّدات ضابطة، ولا هدف مقصود، ضمن أهداف النقد بمفهومه المتفق عليه كما سبق الذكر، فنقع عند غياب هذه المعايير فيمن ذمّهم الله تعالى في قوله عز وجل: (وكنا نخوض مع الخائضين)، أو فيمن يأكل لحم أخيه ميتاً (…ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه…) (الحجرات:12).
فما هي المعايير المحددة للعملية النقدية التي تضعها في إطار العمل الحيوي البنائي؟
لا شك أن المعيار الأول هو أن هذه العملية تتمّ وتنصبّ حول الفعل الذي هو كسب أو اكتساب، ولا تصل حدّ الطعن في الكرامة، ولا تنزل إلى الهجاء والذم للأشخاص لمجرد عدم انتمائهم لنفس الخيمة الأيديولوجية والفكرية، ولا مدحهم لمجرد أننا نحبهم، أو لأنهم من أنصار فكرتنا أو مذهبنا أو مدرستنا أو خيمتنا الفكرية والأيديولوجية.
أما المعيار الثاني فهو الهدفية، بحيث يكون النقد لا عن رغبة جامحة متأصلة دون سبب، بل تكون العملية النقدية عملية هادفة مقصدية ووظيفية، بحيث تؤدي وظيفتها في الموازنة ونفي الخبث والمراجعة والتصحيح، ولا تكون نابعة من شعاراتيّة مزيفة كأحد الطقوس يجب تأديتها هكذا جزافاً، دون إطارها الحيوي، ودون استحضار كُنهها.
أما المعيار الآخر فهو معيار يفك الارتباط بين النميمة والغيبة من جهة وبين النقد من جهة أخرى، حتى لا يقع أحدنا في الطعن، ولا يحبسه الخوف من النميمة ليعطل ممارسة عمله الحيوي، هذا المعيار يجعل موضوع النقد الإطار العام وليس خصوصيات الناس وقضاياهم الشخصية. وبعبارة أخرى، يكون موضوع النقد القضايا العامة لا الشخصية المستترة، وفي الشؤون العامة للأمة، وفي الفعل الذي يتعلق بالعموم، وليس ذلك الفعل الشخصي الخاص الذي يحتاج إلى آلية المناصحة والنصيحة بما يجب فيها من إسرار وكتمان، وذلك خلاف النقد الذي يُمارس سراً وعلانية، وليس فقط ضمن علاقات حميمية.
هذه العملية النقدية التي يجب أن تحلّ محل الترداد الأجوف للكلام حول العملية النقديّة، وما يتخلل الممارسات النقديّة من تمييع لمحتواها ومنهجها، وخلط بينها وبين غيرها من المفاهيم.

نشر بموقع النهضة بتاريخ

أين النخبة التي تبني الحضارة؟

لقد قضى العالم الإسلامي وقتا طويلا من عمره الحضاري باحثا عن نقطة بداية لإعادة بناء حضارته من جديد، وإعطاء نفسه الحضاري دفعة تخرجه من حالة التراوح والتبطل التي استنفدت قدراته في جهود مضنية. وكان لمالك بن نبي –عليه رحمة الله- رأي في مسألة التخلف الحضاري الشامل التي يعانيها العالم الإسلامي، ورأى منذ الأربعينات من القرن الماضي أن العالم الإسلامي يهدر طاقته في حل مشكلات جزئية متغاضيا عن المشكلة الكلية التي تحتوي كل تلك المشكلات، ألا وهي مشكلة الحضارة. ورأى أيضا أنه طالما أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الرؤية الواضحة لما يريد أن يقوم به فإنه لن يتمكن من صياغة مشروع للنهضة أو الخروج من التخلف، ولن يتمكن من تحديد وجهته ولا بناء منهج لبناء الحضارة، وذلك في تصوره راجع إلى أن “الرؤية تحدد المنهج والوجهة”. وبعبارة أخرى، فإن تصورنا لمشكلة العالم الإسلامي تصور جزئي ومفكك، ولذلك فإن فهمنا للمشكلة فهم جزئي وعقيم لأنه لا يحيط بكل أبعاد المشكلة، ولذلك فإن الحلول التي طُرحت كلها حلول جزئية، إن اهتمت بجانب أغفلت –عن قصد أو غير قصد- جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب الذي أولته اهتمامها. فأنتجت هذه التصورات الجزئية رؤى متناقضة ومشوهة وقاصرة في أغلب الأحوال، وغير قادرة على صياغة منهج لحل المشكلة الأم ولا لحل المشكلات الجزئية المتراكمة.
ولذلك فإن أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة على كل متامل في ما نحن فيه من تردٍّ وتهلهل وتخلف شامل في العالم الإسلامي؛ فلما ذا لم نستطع امتلاك هذه الرؤية المتكاملة لمشكلتنا في العالم الإسلامي؟ ولماذا لم نستطع بناء منهج قادر على الخروج بنا من المحنة التي نحن فيها؟ لعل هذا النوع من الأسئلة تراود كل من اهتم بأمر المسلمين وسعى إلى المساهمة في فك خيوط الأزمة التي أحكمت. ولا شك أن كثيرا من الإجابات راودت كل من طرح هذه الأسئلة على نفسه. وفي تصوري، فإن الإجابة عن الأسئلة السابقة يمر حتما بالإجابة عن سؤال أو أسئلة أخرى تتعلق بمن يتولى صياغة الرؤى الحضارية، ومن يقوم على بناء مناهج التغيير؟ هل هم عامة الناس؟ أم هم النخبة من المجتمع؟ وإذا استقرأنا التاريخ؛ تاريخ التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمعات رأينا أن هناك دائما “فرقة” تقوم بالمبادرة بحمل لواء التغيير، وتتبنى الأفكار والمشاريع والبرامج الجديدة التي تسوغ على وفقها نمطا جديدا للتفكير وصورة جديدة عن العالم، وبالتالي منهجا جديدا لمعالجة الأمور. ولنا في الأنبياء وأتباعهم أسوة حسنة، ولنا في تاريخ النبوات، وتاريخ الأفكار الكبرى، والأمم التي تعاقبت الريادة الحضارية في العالم، والمجتمعات التي سادت ثم بادت. لنا في كل هؤلاء خير دليل على أن هناك “نفر” من كل “فرقة” يقومون بتغيير “القوم” وبصياغة منهج جديد للحياة. ولذلك فإن مسألة القيادة التي هي النخبة أو النفر أو الفرقة التي تتولى شؤون القوم وإنذارهم وإبلاغهم وقيادتهم بالتعبير القرآني هي المسألة المركزية في صياغة الرؤية والتصور الكلي الشامل من أجل أن تتبنى منهجا يخرج قومها من ظلمات الفوضى إلى نور المنهج الواضح الأسس البيّن الخطوات من أجل تحقيق مبادئ النخبة والمجتمع في أرض الواقع. وفي هذا السياق فإن المشكلة في تصوري تتعلق بنمط القيادة التي تقود عملية التغيير الحضاري، ومدى وعيها واستيعابها للمعطيات المختلفة للواقع المعاصر ولما يتطلبه القيام بمشروع بناء الحضارة من جديد من وضوح للرؤية وتوفر منهج شمولي متكامل للتغيير. والحديث هنا يتجه أساساً إلى العلماء والمجتهدين والمثقفين، إلى النخبة التي تقود المجتمعات الإسلامية، ومدى قدرة هذه القيادات على قيادة مشروع بناء الحضارة الإسلامية من جديد، إن نظريا أو عمليا. ذلك أن مستقبل العالم الإسلامي يناط بالقيادة التي تمتلك القدرة على شق الطريق اليبس في بحر الأزمة الخانق، وأن تكون قادرة –في رأي الجماهير من الناس- على فعل المعجزات التي تحول مسار التاريخ في لحظاته المدلهمة، وتنير الدرب بفعل تجاوزها ليوميات الأحداث، من خلال قدرتها على استشراف المستقبل، ورسم مسارات العمل المستقبلي، والحد من الخسائر، وتحفظ المحتوى العقائدي لما تحمله من أفكار، حتى لا يفرغ من محتواه أو يحوّر أو يبدل. غير أن مؤسساتنا بكل تنوعها؛ الدعوية والسياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، غير قادرة اليوم أن تواكب نمط التحولات السريعة والهائلة التي تحدث بفعل عصر العولمة الذي نعيشه، ولذلك فهي غير قادرة على صياغة المجتمع وفق التطلعات التي تؤمن بها. كما أن النخبة بمختلف طبقاتها اليوم في عالمنا الإسلامي غير قادرة على أن تحمل في وعيها آمال الجماهير وغير قادرة على توجيه هذه الجماهير أيضا. بل إن هذه النخبة التي من المفترض فيها أن تكون هي المعبر عن آمال وتطلعات الناس من جهة، وأن تكون هي مجسات الوعي من جهة أخرى قد انغلقت على نفسها، ولم تعد قادرة على متابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم. ولذلك فإن النخبة في العالم الإسلامي اليوم مدعوة إلى مراجعات جوهرية لكل الأطروحات التي تتداةلها منذ أمد، وعلى مختلف الأصعدة، ومن كل الأطراف. وعلى النخبة أيضا أن تعيد ترتيب أولوياتها ووضع خط فاصل وواضح بين القيم المبدئية التي لا يمكن أن تتغير وبين المواقف والخطوات الإجرائية التي يمكن التراجع عنها أو تغييرها أو تطويرها أو تجاوزها إلى ما هو أكثر نضجا ونجاحاً وقابلية لتحقيق مقاصد القيم الأصلية المبدئية وتحقيق مصالح الأمة.
وعليه فإن النخبة مطلوب منها اليوم ان تعيد تشكيل مواقفها وفق المبادئ الكبرى للأمة بشكل واضح وصريح ومؤسس ومنهجي، وأن لا تلجأ إلى التلفيق بين المفاهيم، ولا التركيب المشوه بين مختلف المقولات والتصورات. كما ان على النخبة أن تعيد النظر في مفاهيمها التقليدية الموروثة شواء من تراثنا الإسلامي أو من التراث الحضاري للأمم الأخرى، ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة والبرهان العلمي والحوار المنفتح على الآخر، القابل للحقيقة مهما كان مصدرها، خاصة إذا علمنا أن الإسلام لا يُخشى عليه من أي فكرة أخرى، بل إن الإسلام ذاته ما هو إلا رسالة لإتمام المكارم التي بين الناس. ومن هذا المنطلق، فإن النخبة يكون أمامها مجال فسيح للاجتهاد المحتكم إلى القيم الثابة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تسترشد بعد ذلك بما استقر من صالح الكسب البشري من فكر وثقافة وحضارة شحذتها وهذبتها الخبرة الانسانية الطويلة الأمد. وعليه، لا نكون في اجتهادنا أمام خطر الانحراف عن القيم الكلية الثابتة لأن القرآن مصدِّق ومهيمن على كل تجربة أو فكرة، ولا نكون أيضا أمام خطر التخلف عن مواكبة الأحداث، لأن الانفتاح على مختلف التجارب يذكي الخبرة وحس الخطأ والصواب لدى الأمة، ويقوي مجسات التحقق من صلاح التجارب على اختلاف مصادرها ومدى مواءمتها لمختلف المشكلات التي تهدف النخبة لحلها. ونختم حديثنا هذا بالتأكيد على أن سلوك نهج الحضارة، والعمل على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، والتمكين للإسلام والمسلمين لن يتحقق طالما بقيت النخبة في العالم الإسلامي غير قادرة على بناء رؤية واضحة من خلالها تستطيع تحديد القيم والمبادئ الكلية وتحديد المنهج ذي الإجراءات العملية لتحقيق مقاصد هذه القيم في دنيا الناس.