أرشيفات الوسوم: التصديق والهيمنة

القرآن ومنهجية التصديق والهيمنة

 جاء القرآن الكريم هداية للبشر في كل شؤونهم ?إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ…? [الإسراء: 9]، كما أنه اعتبر حركة الرسالات النبوية سلسلةً متكاملة جاءت لتصحيح الدين الواحد الذي طرأت عليه التبدلات بفعل التجربة الإنسانية والتغير التاريخي، قال تعالى: ?شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ?[الشورى:13]،

ويُعزز هذا ما قدَّمه القرآن نفسُه من مناهج للتعامل مع أهل الأديان الأخرى. وهي مناهج تأخذ بالرفق بأيدي التائهين والمنحرفين إلى الصراط المستقيم إن كانوا مستعدين لذلك. فالقرآن الكريم لم يحدد للمسلمين اتجاههم فقط، بل دلهم على مناهج يسلكونها في إطار المنطق العلمي والحرية الفكرية للتوصل إلى أهدافهم، ويطبقون من خلالها نقدهم ودراساتهم.

التوحيد معيار التصحيح

كما أن معيار التوحيد الذي وضعه القرآن للحكم من خلاله على الأديان واعتبار الإسلام هو الدين الحق معيارا عاما مجردا يمكن تعميمه وتطبيقه دون تحيز. يقول تعالى: ?قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ? [آل عمران:64]، و?شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا… فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ? [الشورى:13-15].

فالصحة مرتبطة بدرجة التمسك بالتوحيد الصحيح، والخطأ أو الزيف يتحدد في درجة البعد عن التوحيد الصحيح.

وفي الوقت نفسه اعتمد الإسلام مبدأ التصحيح كما يقول الأستاذ الدكتور محمد خليفة حسن، فالأديان قابلة للتصحيح، وللعودة إلى التوحيد في صورته الصحيحة. ولا يوجد دين باطل بالأصالة أو بالفطرة، فالأخطاء التي وقعت للأديان أخطاء بشرية يمكن معالجتها. وحركة التصحيح حركة مستمرة قد تحدث بدوافع داخلية أي من داخل الدين ذاته استجابة لعوامل الفطرة السليمة والعقل السليم، أو بدوافع خارجية نتيجة التأثر بدين آخر. فالانتقال من الباطل إلى الحق ممكن، والانتقال من الحقيقة النسبية إلى الحقيقة المطلقة ممكن.

فالأديان في حالة تصحيح مستمر لذاتها، وفي سعيها للحقيقة تصلح من نفسها وتقبل النقد والتصحيح، بصرف النظر عن مصدره داخليا كان أو خارجياً. لهذا كثرت حركات الإصلاح في تاريخ الأديان بهدف تصحيح الأوضاع الدينية.

ولهذا اعتبر القرآن حركة الرسالات النبوية سلسلة متكاملة جاءت لتصحيح الدين الواحد الذي طرأت عليه التبدلات بفعل التجربة الإنسانية والتغير التاريخي.

التصديق والهيمنة ??طريق التصحيح

ويكون ذلك التصحيح المستمر عن طريق منهجية التصديق والهيمنة التي ذكرها القرآن الكريم: ?وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ? [المائدة:48].

وفي تفسير هذه الآية نجد أن الهيمنة القرآنية على بقية الكتب الدينية تحمل معاني: أن القرآن عالٍ ومرتفع عليها، وشاهد، وحافظ لتراث النبوة، ومؤتمن عليه، وهو ما ذكره القرطبي عن ابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب بأن القرآن مؤتمن على ما قبله من الكتب، وأمين عليها.

وتكمن أهمية منهجية التصديق والهيمنة القرآنية في كونها أساساً مهما في أغلب عمليات المراجعة والتقويم، كما أنها سبيل قويم لممارسة الحوار والتدافع مع مختلف العقائد، وهي كذلك مرجع في وزن كل التصورات والعقائد الإيمانية والسلوكيات الأخلاقية الذاتية أو الغيرية، لاختزانها إمكانية الإحاطة بجوانب الصواب والاختلاف، فتزكي الصالح وتدفع الطالح، وتثبت النافع وتمحو دفعا الزبد الغث الضار.

القرآن وضع أسس المراجعة العقدية

فعمليات المراجعة العقدية التي جاء القرآن بتأسيسها من خلال نصوصه، كانت دعامة نقدية للعقل الإنساني ومعارفه الغيبية على وجه الخصوص، وقد دافعت عن التصورات القرآنية المستجدة ببرهانية صارمة، كما دفعت بعض عقائد السابقين من أهل الكتاب المحرفة كما أشار إلى ذلك الأستاذ بناصر.
فبالتصديق يعيد القرآن المجيد تراث النبيين وكتبهم المنزلة إلى حالة الصدق التي نزلت بها بعد تنقيتها من كل ما قد شابها من تغيير وتحريف أو مؤثرات إنسانية‏،‏ وبالهيمنة وضع القرآن تراث النبوات الخالص بين آياته‏‏ وجعله في حمايته ليكون الدين الواحد لله الواحد‏.‏ ولئلا يتعرض مرة أخرى إلى التدخل البشري‏.‏

وجهتا منهجية ??التصديق والهيمنة

وكما يرى الدكتور أحمد عبادي، الأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء بالمغرب، فإن منهجية التصديق والهيمنة في القرآن المجيد لها وجهتان:

الوجهة الأولى: إزاء الكتب السالفة؛ فهناك تصديق لما صحّ من هذه الكتب ثم هيمنة عليها في تكامل تامّ معها.

والوجهة الثانية: إزاء ما يمور ويعتلج في حياة الناس من ممارسات، وما هو مستقر فيها من أعراف. والتصديق في هذه الوجهة عبارة عن إقرار الصالح من كل ذلك بالسكوت عنه أو الثناء عليه، وتغيير الطالح بالحديث عنه وكشف مساوئه.

إن التصديق القرآني لم يلغ كل عقائد ويقينيات السابقين، بل تعامل معها على أساس أن في بعضها ما يستحق التنويه كما أن فيها ما يمكن أن يتبعه المؤمنون كتاب مصدق مهيمن وشريعة خاتمة دائمة وواقع الهيمنة القرآنية وقوتها كما يقول الأستاذ بناصر تكمن في الإبقاء على الأصلح والاعتراف به، مع تجديد في بعض الفروع أو التأسيس لبعض الأصول أو رفع الغل والمشقة، ونسخ ما كان يضيق به صدر المؤمنين من الأحكام ?مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ? [الحج:76]، ?وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا? [البقرة:142]، ثم لأنها عقيدة خاتمة ومتممة، فلا ينبغي لها الإفراط والتشدد، ولا التفريط والإخلال، فهي شريعة الديمومة والامتداد، وهي شريعة الوسط لأمة عالمية تمتاز بالوسطية وبالخيرية والخاتمية، فوجب أن تستمر إلى آخر الزمان وتتعالى عن النقصان أو الزيادة والتحريف، مصدقة ومهيمنة، تجمع العقيدة والشريعة، والأخلاق والقيم.

http://www.alarab.qa/story/713380/%D8%A7%D9%84%D9%82%D8%B1%D8%A2%D9%86-%D9%88%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B5%D8%AF%D9%8A%D9%82-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%8A%D9%85%D9%86%D8%A9#category_23