أرشيفات الوسوم: اسلامية المعرفة

حضور حاج حمد في مدرسة إسلامية المعرفة

 قراءة في المثاقفة الفكرية بين طه جابر العلواني وحاج حمد
التاريخ: 17-1-1426 هـ
مساهمة مني في إثراء النقاش حول ما أنتجه أبو القاسم حاج حمدمحمد-ابوالقاسم-حاج-حمد-260x300 يرحمه الله، وددت المساهمة ببعض الملاحظات التي كنت قد سجلتها في سنة 1999م أثناء حلقة علمية تناولت حاج حمد وصلته بالمعهد العالمي للفكر الإسلامي وبمدرسة إسلامية المعرفة.
لقد قيل أن “فقه البخاري في تراجم أبوابه”، ويصدق هذا القول إلى حد بعيد على الشيخ الدكتور طه جابر العلواني، فإن “فكر الشيخ طه جابر في مقدماته” التي قدم بها للكتب التي نشرها المعهد العالمي للفكر الإسلامي أثناء رئاسته له.
untitled9ولهذا فإن دراسة حضور حاج حمد من خلال المثاقفة التي دارت بينه وبين الشيخ طه جابر. أو بعبارة أخرى دراسة مدى استفادة الشيخ طه جابر ومن خلاله مدرسة إسلامية المعرفة من فكر حاج حمد تحتاج إلى النظر في المسيرة الفكرية كلها التي سلكها الشيخ طه جابر العلواني، لنتمكن من النظر الموضوعي إلى موقع حاج حمد في هذه المسيرة، والإجابة على سؤال: كيف خرج الشيخ طه جابر من مثاقفته الفكرية مع حاج حمد؟ أو بالصيغة الأخرى للسؤال: كيف أدرج الشيخ طه جابر العلواني أفكار حاج حمد في سياق خطاب وأدبيات مدرسة إسلامية المعرفة؟
فالتحولات التي مر بها الشيخ طه نفسه منذ التحاقه بتيار إسلامية المعرفة، وبعبارة أدق بمدرسة إسلامية المعرفة، تحولات جد عميقة. فبعد أن كان الرجل ثوريا جهاديا في العراق في ستينيات القرن العشرين، انخرط في صفوف طلبة العلم في الأزهر، ليصل إلى أن يكون أصوليا متمكنا من علم الفقه وعلم الحديث وعلم الأصول، بل عضواً في المجامع الفقهية والاجتهادية في العالم الإسلامي.
ثم بعد هذا المرتكز الفقهي الأصولي في العراق ومصر والحجاز، ينتقل الشيخ طه جابر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي بيئة تختلف كليا عن البيئة الأولى، صارت هذه البيئة منطلقاً جديدا للرجل صاحب المرتكز الثوري من جهة والحديثي من جهة ثانية، والعقلاني الأصولي من جهة ثالثة.
فمن الجهة الأولى كان الماضي الشبابي ماضيا جهاديا، ولعل هذا يتضح أثره فيما بعد، في شجاعة الشيخ طه جابر في تجاوز بعض الأعراف التقليدية، بل مصادمتها بشجاعة، ثم المرتكز الثاني وهو المرتكز الحديثي الفقهي، إذ كان تلميذا لصاحب كتاب “حجية السنة” الشيخ عبد الغني عبد الخالق، وهذا منحه دقة التمحيص، وثورته على الحرفية والظاهرية المحدثة، وذلك لعلمه بمنطلقاتها ومنهجها، ثم المرتكز الثالث وهو عقلانية الرازي وأصوليته، حيث أمضى الشيخ طه جابر عمرا في تحقيق “المحصول في علم الأصول” للإمام الرازي، لنيل درجة الدكتوراه في أصول الفقه من الأزهر. والذي يعرف الرازي يعلم أنه أحد أعمدة العقلانية الإسلامية، واحد أرباب الأصول والاجتهاد، ولعل هذا كان أحد أبعاد صرامة الشيخ طه جابر في ضرورة مواجهة الواقع الحضاري للأمة والواقع المعرفي خاصة، بشيء من الحدة والنقد المقوم.
هذه المرتكزات الثلاثة أعطت للشيخ طه شجاعة فكرية ووضوح في تبني الأفكار التي يؤمن بها، وصرامة في العمل لها.
ومع ما وفرته له رئاسته للمعهد من موقع قيادي، فإنه انفتح على الأفكار الجديدة في هذا الوسط، فكان أن استوعب طرح إسلامية المعرفة بطبعاته المختلفة الفاروقية والسليمانية(1) وغيرها، وصار له صياغته الخاصة لها، ثم أنه سلك نهجا جديدا في الدفع بإسلامية المعرفة إلى أن تدخل آفاقا جديدة.
ففي عهده أنشئت عدة سلاسل؛ فكرية، وللرسائل الجامعية، والأبحاث، والأفكار، وسلسلة تيسير التراث، وسلسلة إسلامية المعرفة، وسلسلة المنهجية الإسلامية، وسلسلة الندوات والسمينارات، وغيرها. وكان الشيخ طه دائما يقدم لها، كما أنه كان على صلة مباشرة بالأفكار المتداولة في المعهد وفي العالم، وخاصة في أمريكا التي هي مركز الحضارة الحديثة وموئل كل المنشورات في العالم.
إذن، مرتكزات ثلاثة مهمة منحته الشجاعة والخبرة والعقلانية الأصولية، ثم الواقع الحيوي الذي وجده في أمريكا، وكذلك رئاسته للمعهد العالمي للفكر الإسلامي، هذه كلها جعلته يسير في اتجاهين متكاملين؛ أولهما متابعة التطورات الفكرية والاستفادة منها واستيعابها، فانفتح أفقه الفكري، وصار على رأس مستجدات الفكر متابعة وإنتاجا، وثانيهما توجيه كل هذه التطورات الفكرية والجهود المعرفية لخدمة الأهداف الاستراتيجية للمعهد في تحقيق رسالة إسلامية المعرفة.
وكما أشار في كتابه (إصلاح الفكر الإسلامي بين القدرات والعقبات) في طبعاته المتعددة، فإنه من أجل إنضاج فكر الحركة فلا بد من متابعة حركة الفكر، ولهذا فقد جمع بين فكر الحركة وحركة الفكر في نشاطه.
مما سبق يمكن الحديث عن العلاقة بين الشيخ طه جابر العلواني وبين أبي القاسم حاج حمد، وعن الصلة الفكرية بينهما.
وبادئ ذي بدء، نقول أن ما يقدمه حاج حمد من أفكار، ومنهج، ونسق معرفي، وادوات تحليلية، في مستوى عال من العمق، والدقة في التركيب، والقوة في الطرح، وبأسلوب يغري من لا يعرف المرتكز الصوفي الغنوصي، والفلسفة الوضعية المستبطنة، التي يرجع إليها ويستند عليها حاج حمد في طرحه الفكري.
وليس من السهولة، خاصة على من يفتقر إلى سعة الإطلاع على المنتوج المعرفي المعاصر والتراث الصوفي الفلسفي، بمكان اكتشاف الخيط الرابط بينه وبين التيار الصوفي الفلسفي في تراثنا الإسلامي، وبينه وبين الفلسفة الوضعية بمختلف تمظهراتها في تاريخ العلم المعاصر.
غير أن الناظر إلى المفاهيم القاسمية (نسبة لأبي القاسم حاج حمد) وكيفية توظيفها من قبل الشيخ طه، يجد نفسه أمام موقفين؛ فمن جهة يبدو الشيخ طه قد أفلح إلى حد كبير في فك الارتباط بين المفاهيم وبين نسقها القاسمي في كثير من المواقع، ومن جهة أخرى يبدو تبني بعض المقولات صعبة الهضم، والتي تثير نوعا من الجدل والنقاش.
فمن الجهة الأولى، وهي فك الارتباط بين النسق القاسيم وبين بعض المفاهيم التي وظفها حاج حمد، يبدو الشيخ طه قد استفاد كثيرا من خلال اكتساب أدوات منهجية جديدة، ومفاهيم طعّم بها خطاب إسلامية المعرفة، بعد أن رأى الشيخ طه نفسه أن كتاب (إسلامية المعرفة: المبادئ العامة وخطة العمل) إنما كان يمثل طرحا أوليا للمدرسة، يحتاج إلى تطوير بعد سنوات الخبرة والتجربة في مسيرة “المعهد”، إذ أن الشيخ طه، وخاصة فيما يتعلق بالمنهج، كما ذكر في كتابه (إصلاح الفكر الاسلامي: مدخل إلى نظم الخطاب) وأن قواعد الإنتاج في هذا المنهج المعرفي لها دعائم محددة، هي إعادة بناء الرؤية الاسلامية المعرفية، وإعادة تشكيل وبناء قواعد المنهجية الاسلامية، وبناء مناهج التعامل؛ مع القرآن المجيد، ومع السنة النبوية المطهرة، ومع التراث الاسلامي، ومع التراث الإنساني.
كما أن الشيخ طه قد وظف كثيرا من إبكار حاج حمد، دون أن تبقى لها الضلال القاسمية الكثيفة، مثل الجمع بين القراءتين، ومنهجية القرآن المعرفية، ووظف مفاهيم “حاكمية الكتاب”، و”شريعة الإصر والأغلال”، و”الحاكمية الإلهية”، و”المقاربات”، و”المقارنات”، و”اللاهوت”، و”فك الارتباط” وغيرها من المفاهيم التي وظفها في إطار ما أنتجه من أعمال فكرية خلال صلته بحاج حمد، وخاصة في مرحلة رئاسته للمعهد العالمي للفكر الإسلامي ما بعد 1994م. إذ قبل ذلك كان الشيخ طه ذا ميول شاطبية غزالية، وتقديمه لكتب المقاصد، والرسائل التي نشرها المعهد في هذا الإطار تبين ذلك.
وإذا كان هذا التوظيف يبدو إيجابيا من خلال انفتاح الشيخ طه على التجربة الفكرية الثرية التي يتمتع بها حاج حمد، والاستفادة من أدوات التحليل القاسمية، والاستعانة بمفاهيمه في فتح آفاق أوسع لمدرسة إسلامية المعرفة، فإن هناك جانباً آخر يطرح تخوفات؛ منهجية ومعرفية وفلسفية وعقيدية، عن إمكانية تخليص هذه المفاهيم من أبعادها القاسمية ذات المرتكز الصوفي الغنوصي من جهة، والوضعي الاجتزائي الانتقائي من جهة، أو التحكم في مآلاتها.
وخاصة فيما يتعلق بمنهجية القرآن المعرفية، هذه المنهجية التي بقيت عبارة عن مفهوم مجرد، لم يجد ترجمة عملية، تختلف عن المحتوى القاسمي، مما يوحي ببقاء مضمونها نفسه، ذلك أن الشيخ طه لم يقدم لنا محتوى جديداً لهذه المنهجية، بقدر ما أبقاها دعوى مفتوحة.
ومما يثير القلق من الناحية المنهجية والمعرفية أن منهجية القرآن المعرفية بمحتواها القاسمي قد تؤدي إلى تجريد القرآن من حيويته، والتحكم فيه من خلال مقولات غير مبرهنة وغير متفق عليها. فالناظر إلى حاج حمد يجد انه يحدد مفاهيم للمفردات القرآنية من عنده، بشكل انتقائي يثير الجدل، وهذا الابتسار يعود في تقديري وخاصة ما له علاقة بالتراث، واللغة العربية، ولغة القرآن، ودراسة التجارب النبوية، وتقسيمه لتطور حركة الإنسان، وادعاءاته على السنة والسلف والفقهاء، وغيرها من الادعاءات أو الدعاوى التي تثير كثيرا من الجدل، التي يبرز فيها النفس القاسمي ببعده السياسي النضالي وليس النفس القاسمي ببعده الجدلي الباحث عن مراكمة المعرفة وتثويرها.
غير أننا نقول في الختام، أنه بالرغم من التخوفات مما تحمله أفكار حاج حمد، فإن الشيخ طه قد نجح نسبيا في إدخالها إلى مجال التداول الإسلامي المعاصر، بشكل مفتوح، كما فعل من قبل مع بعض المفاهيم الشاطبية، وكما فعل بعده مع بعض مفاهيم المسيري، والله أعلم.

 (1) الفاروقية نسبة إلى اسماعيل الفاروقي رحمه الله والسليمانية نسبة إلى الشيخ الدكتور عبد الحميد أبو سليمان الرئيس الحالي للمعهد.