أرشيفات الوسوم: ابن عاشور

مركزية القرآن في إنتاج المعرفة من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

مركزية القرآن في إنتاج المعرفة
من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

بقلم: د. بدران بن لحسن
كلية الدراسات الإسلامية/ جامعة حمد بن خليفة/ مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع/ الدوحة/ قطر

مقدمة:
إن كل دارس لابن عاشور -عليه رحمة الله- يدرك الخط الفكري الذي تموقع فيه. ولا يجد من له أدنى تأملٍ صعوبةً في معرفة أن الخط الذي أسس له كل من الشاطبي وابن خلدون -عليهما رحمة الله- قد اجتمعت روافده في ابن عاشور. فإذا كان الإمام الشاطبي رائداً أكبر في في مبحث المقاصد  على مستوى العالم كله، فإن الإمام ابن عاشور هو مستأنف هذه الريادة في عصرنا الحديث.[i]
أما بالنسبة لابن خلدون الذي كان له فضل التأسيس لعلم العمران، والاتجاه بالبحث والفكر والنظر من التأمل النظري البحت إلى الاستقراء العملي، وإجراء الملاحظة ومراعاة طبائع العمران من تبدل وتداول وصيرورة، فإن ابن عاشور قد سلك مسلكه في ذلك؛ إذ إن الناظر في فكره يجد البعد الاجتماعي والسنني والبحث عن العلل والقوانين مبثوثا في مختلف مؤلفاته سواء في التفسير أو المقاصد أو غيرهما.[ii]
وإذا نظرنا إلى ما يتميز به الخط الخلدوني الشاطبي نجد أنه -من جهة- اتجه إلى الكليات جاعلا منها إطارا للنظر والتحقيق دون أن يؤدي به ذلك إلى إهمال الجزئيات. ومن جهة أخرى، فإن هذا الخط قد اشتغل على استعادة التفكير السنني الذي أرساه القرآن الكريم والذي يجعل من مهمة تحقيق الاستخلاف مهمة إنسانية قائمة على قوانين صارمة لا تحابي، ينبغي اكتشافها والاحتكام إليها وتسخيرها بما يحقق أهداف الاستخلاف. وبهذا فهو خط يعمل على النظر بتوازن، والتأسيس لمرجعية منفتحة، قائمة على قراءة سنن الكتاب والكون، لا على مرجعية اصطفائية حصرية كانت موجودة قبل الرسالة الخاتمة.[iii]
وتهدف هذه المقالة إلى إبراز إسهامات العلامة ابن عاشور -يرحمه الله- في ما اضافه من إضافة نوعية لجهود الإصلاح والتجديد، بما توفره مساهماته من بعد تنظيري وقواعد منهجية ومعرفية لجهود الإصلاح، لتلافي الوقوع في فقدان الرؤية وافتقاد المنهج.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تقوم الورقة على استراتيجية تحليل واحدة من المقولات الكلية والقواعد المنهجية التي يقوم عليها فكر ابن عاشور وتطبيقاتها في مختلف إنتاجه الفكري وممارساته الإصلاحية؛ والمتمثلة في مركزية القرآن في إنتاج المعرفة.
حيث تمثل هذه القضية (مركزية القرىن في انتاج المعرفة) محورا أساسيا وبعدا مهما في فكر ابن عاشور، وتعدّ جهدا فكريا وعلميا ينطلق من رؤية إصلاحية تحاول إعادة الاعتبار للقرآن الكريم في تشكيل المعارف وبناء الفكر وصياغة المفاهيم من اجل تحقيق البناء النهضوي الذي سعى إليه ابن عاشور -عليه رحمة الله-.

 المقصود بمكرزية القرآن:
وأول ما يمثل محور ارتكاز في فكر ابن عاشور -رحمه الله– اهتمامه بالقرآن الكريم؛ لأنه “جامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسِّره.”[iv] فالقرآن -ومنذ الصفحة الأولى من تفسير ابن عاشور- هو كتاب الله الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو منبع الحق والهداية، وهو مصدر العلوم على تنوعها، وهو مستمد الكليات في التشريع وفي العلم والأخلاق. ويمكن بالنظر في القرآن وتدبره أن نولد منه نماذج معرفية ومنهجية وعملية.
بعبارة أخرى إن القرآن مصدر لتشكيل التصورات والمفاهيم والقيم كليها وجزئيها، بل إن قراءة المقدمات العشر التي افتتح بها تفسيره يمكن أن ندرك الرؤية التي انطلق منها ابن عاشور في النظر إلى القرآن، وكيف استمد من القرآن ذاته هذه الرؤية، واستمد المنهج، وحدد المقاصد التي يتناولها القرآن، ومختلف العلوم التي تستمد من القرآن الكريم إما بطريق مباشر؛ أي ما يتعلق منها بسنن الهداية، وإما بطريق غير مباشر؛ أي سنن الأفاق والأنفس والتاريخ.
إنها رؤية جديدة تجعل القرآن مركز اهتمام شامل ومتعدد الجوانب. فهو ليس كتابا دينيا بالمفهوم الضيق للدين، وإنما هو كتاب هداية ورحمة وتبيان لكل شيء. ذلك أن القرآن منبع للمعاني والمفاهيم والتصورات، والقيم والآداب، والأحكام والقصص، ومقاصده شاملة لمختلف جوانب الفكر والعمل، ومبثوثة في كل آياته.[v] وهذه الرؤية للقرآن طالما افتقدها العقل المسلم قرونا عديدة. ولهذا يمثل القرآن محوراً مهماً في فكر ابن عاشور ومصدراً لمختلف أفكاره واجتهاداته في الفقه، والاجتماع، والتربية، والعمران، والإصلاح.
بل لا نبالغ إذا قلنا بأن القرآن بالنسبة لابن عاشور يأخذ مركز الاهتمام والاشتغال في تشكيل التصورات، وتحديد الرؤية، وبناء المناهج والمفاهيم، وفي مباشرة عملية التجديد الفكري والعلمي، والإصلاح التربوي والاجتماعي. ولهذا حق أن يعدّ رائداً في العمل على “التوصل إلى الوعي الحضاري العمراني بالقرآن.”[vi]
فالقرآن الكريم في سياق فكر ابن عاشور هو منبع الهداية ومصدر الصواب لهذه الأمة الإسلامية، منه يتكون الإنسان السوي والمجتمع السوي في كل زمان ومكان. وعندما يتعامل المسلم مع القرآن والسنة تعاملاً حسناً، فإنه يصل إلى فهم حسن للقضايا الكبرى التي تشغل بال الإنسان في كل مكان، وهي قضية الخالق سبحانه، والخلق والكون والحياة والهدف منها، ودور الإنسان في هذه الحياة، ومصيره بعدها، ويصل المسلم أيضا إلى فهم حسن للمشكلات الحياتية والحضارية التي يعاني منها العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر.[vii]
ولذلك فإنه يحاول الرجوع مباشرة إلى القرآن الكريم من أجل تشكيل التصورات وتحصيل الفهم واستنباط المقاصد، دون الحاجة المعرفية أو المنهجية إلى الرجوع إلى التفاسير السابقة التي صارت حاجزا بيننا وبين القرآن، ولكن في الوقت نفسه دون إهمال لها، بوصفها تراثاً فكرياً ناتجاً عن تعامل مع القرآن، وفق سقف معرفي معين وفي مرحلة معينة، واستجابة لدواعي وظروف قد تختلف وقد تشابه ظروفنا. لذا، ومنذ فاتحة تفسيره “التحرير والتنوير” أيضاً، لا يجد العلامة ابن عاشور -رحمة الله عليه- غضاضة في الإعلان عن رأيه في أنه غير ملزم بالأخذ بالتفاسير السابقة، كما أنه غير مدع لتركها كلها، بل أن يقف “موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وتارة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد.”[viii]
فكأن ابن عاشور يقول لنا أن القرآن الذي نـزل إلى العالمين وإلى الناس كافة على امتداد الزمان والمكان، لابد وأن يبقى مفتوحاً للأجيال تنهل منه على اختلاف بيئاتها وأزمانها، وإن من الأخطاء الكبيرة وبدايات الانحراف في الفهم والاستمداد، أن نعمد إلى محاصرة الوحي بأفهامنا، فلا نسمح له بالامتداد إلا بمقدار ما تسمح به عقولنا ومداركنا، فنحرم عقولا أخرى من حظها في الفهم، ونصادر حقها في الرأي والاجتهاد.[ix]
ليس ذلك فحسب، بل يبدو العلامة ابن عاشور منشغلا بهم الصلاح والإصلاح في الشأن الفردي والشأن العام، وهو في ذلك يسلك نهج المدرسة الإصلاحية منذ الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما من رواد المدرسة الإصلاحية التي اشتغلت على أن يسترجع القرآن دوره ومكانه.
إن العمل الذي قام به ابن عاشور في تفسيره، وفي بقية مؤلفاته وهو يتعامل مع القرآن تدبراً وتفكراً واستنباطاً واستقراءً هو بمثابة استدعاء القرآن العظيم للساحة الثقافية الإسلامية، وإنهاء حالة الهجر والفصام بينه وبين العقل المسلم، وجعله المصدر الأول والأهم للمسلم المعاصر، كما كان كذلك عند السلف، يرجع إليه ليستقي منه العلم والمعرفة الدقيقة السليمة في نظرته إلى الإنسان والحياة والوجود، في الفطرة الإنسانية والاجتماعية، وفي قضايا الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات والنظم.[x]
فالقرآن الكريم “أنـزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم. قال الله تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89). فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية.”[xi]

القرآن مصدر التصورات
إن المتأمل في تفسيره وبقية كتبه يدرك أن ابن عاشور حاول أن يفك الارتباط بينه وبين بعض التصورات التي أغرقت القرآن في تصورات لاهوتية كلامية، جعلت منه كتاباً طقوسياً بعيداً عن صياغة الحياة، فأراد ان يسترجع المبادرة بالقرآن ويستدعيه لصياغة تصور جديد، هذا التصور هو عدّه أن مدار مقاصد القرآن هو الإنسان وصلاح الإنسان.
وإن تأكيده على أن أحكام الشريعة الإسلامية، من خلال النظر في القرآن الكريم، يتبين أنها في أحكامها؛ الاعتقادية والعملية، تصب كلها في مقصد تحقيق صلاح الإنسان بأبعاده الثلاثة؛ الفردي والجماعي والعمراني، وذلك من خلال ضبط نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان في دوائر وجوده الثلاثة السالفة الذكر.[xii]
وبما أن صلاح الإنسان هو المقصد الأعلى للقرآن، فإن كل شؤون الإنسان يشملها القرآن بوعيه الشامل لمختلف دوائر حياة الإنسان، ولمختلف أبعاد شخصيته. وعليه، فإننا بتأملنا لمختلف الدوائر والأبعاد ندرك أن القرآن يكون منبعا لنا في تأسيس مختلف المعارف المتعلقة بصلاح الإنسان؛ فردا وجماعة وعمرانا.
فالصلاح الفردي يقتضي تهذيب النفس وتزكيتها، وعلى رأس ذلك صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر.[xiii] وهذا يجعل من القرآن مركزيا ومهيمنا في التأسيس لعلم العقيدة، وعلم الأخلاق، وعلم الأدب وتهذيب النفوس، ومناهج التفكير، وعلم النفس، وعلم الشعائر أو العبادات.
وأما الصلاح الجماعي، فيحصل بالصلاح الفردي أولاً، إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه. غير أن هذا لا يتم وحده على المستوى الفردي، بل يحصل الصلاح الجماعي من خلال ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض. وهذا هو علم المعاملات، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية.[xiv] وفي هذا اتجاه إلى تأسيس الفقه الجماعي، أو فقه الشؤون العامة التي تهتم بالوجود الاجتماعي للفرد في وسط جماعة، وفي هذا محاولة لاستدراك ضمور الفقه في هذا الجانب؛ أي فقه الشأن العام.[xv]
وأما الصلاح العمراني، فهو أوسع من ذلك، إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم، لحفظ مصالح الجميع، ورعاية المصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع.[xvi] وهذا بدوره يجعل من القرآن منبعا للعلوم الاجتماعية والعمرانية، ومختلف حقول المعرفة التي تؤسس للتحضر الإنساني والعمران البشري. وهو تأكيد للخط الخلدوني في التركيز على فقه العمران والاجتماع، وتأسيس مهم للبحث الاجتماعي على أسس قرآنية تستدعي القرآن مؤسسا وموجها للنظر الاجتماعي.
فصلاح الإنسان في دوائره الفردية والجماعية والعمرانية هو مقصد القرآن الأعلى. وهذا الفهم للقرآن والنظر إليه بهذه المركزية وهذه الشمولية يجعل من القرآن مرجعا يستقى منه، لا مرجعا للتبرير للآراء الجزئية. وكأن ابن عاشور يريد منا أن نفتقر إلى القرآن ليعطينها من جواهره المكنونة ويحدد لنا المقاصد التي في ضوئها نجتهد ونعمل، ولا يفتقر إلينا القرآن للاحتجاج لها والبرهنة على صحته من خلال ما أنجزه الإنسان، أو نجعل منه مرجع تسويغ لآرائنا ومقاصدنا بعد أن نكون قد حددنها بعيدا عن القرآن.
ولذلك على من أراد فهم القرآن وتفسيره والأخذ منه أن يخضع للقرآن ومقاصده، ليستطيع أن ينتفع به، لا أن يحدد مقاصد لنفسه، ثم يأتي للقرآن طالباً التبرير له، فيقع في التجزيء. ولهذا، فإن على متدبر القرآن أن “يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن.”[xvii] هذه المقاصد الأصلية تدور في فلك المقصد الأعلى الذي هو صلاح الإنسان، وتوجه منهجيا التأسيس لعلوم ومعارف يتوسل بها إلى تحقيق المقصد الأعلى، وتشكل المحاور الكبرى التي تحوي مختلف المعارف التي تأتي من فيض القرآن وتتصل به من قريب أو من بعيد كما سيأتي بيانه.

المحاور الثمانية لعلوم صلاح الإنسان في القرآن
في المقدمة الرابعة من “التحرير والتنوير”، يتناول ابن عاشور المحاور (المقاصد) الثمانية التي تمثل نواظم منهجية للمعرفة والفكر والعمل والإصلاح، وتحكم التعامل مع القرآن الكريم، وتوجه النظر في كلياته وجزئياته، تحقيقا لصلاح الانسان. ويتطلب كل محور علما أو علوما ومعارف تخدمه وتحقق مقاصده. وبالاستقراء –كما يذهب إلى ذلك ابن عاشور- والمحاور الثمانية هي:
أ. إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح. وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
ب. تهذيب الأخلاق: ذلك أن رسالة القرآن ذاته رسالة أخلاقية كما جاء في الحديث.[xviii] بل إن القرآن امتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4).
ج. التشريع: وهو الأحكام خاصة وعامة. فالقرآن الكريم يؤكد في آياته أنه كتاب تشريع. قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلكِتَـٰبَ بِٱلحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاٰكَ ٱللَّهُ) (النساء:105) (وَاَنزَلنَاۤ اِلَيۡكَ الۡكِتٰبَ بِالۡحَـقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ الۡكِتٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ‌ فَاحۡكُمۡ بَيۡنَهُمۡ بِمَاۤ اَنۡزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعۡ اَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الۡحَـقِّ‌ؕ لِكُلٍّ جَعَلۡنَا مِنۡكُمۡ شِرۡعَةً وَّمِنۡهَاجًا ‌ؕ وَلَوۡ شَآءَ اللّٰهُ لَجَـعَلَـكُمۡ اُمَّةً وَّاحِدَةً وَّلٰـكِنۡ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِىۡ مَاۤ اٰتٰٮكُمۡ فَاسۡتَبِقُوا الۡخَـيۡـرٰتِ‌ؕ اِلَى اللّٰهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيۡعًا فَيُنَبِّئُكُمۡ بِمَا كُنۡتُمۡ فِيۡهِ تَخۡتَلِفُوۡنَۙ‏) (المائدة: 48) وقد تضمن القرآن –حسب ابن عاشور- جميع الأحكام إما جمعا كليا أو جمعا جزئيا. حيث إن القرآن فصّل في المهم بأحكام جزئية مفصلة، وأتى بالكليات في الباقي. وهذا مصداق قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89) وقوله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 3) فالمراد من الآيتين حسب ابن عاشور إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس.[xix]
د. سياسة الأمة وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها.[xx]
ﻫ. القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم… وللتحذير من مساوئهم.[xxi] ولها فوائد كثيرة تنطوي على تعليم المسلم الوعي التاريخي والتجربة التاريخية للإنسانية، وما تضمنه ذلك من كفاح الأنبياء وأتباعهم من أجل ترسيخ خط النبوة والإكراهات التي تعرضوا لها، والتدرج التاريخي الذي سلكه الأنبياء مع أممهم من أجل الارتقاء بهم، ومختلف التجارب الإنسانية في جوانب التشريع والأخلاق والعمران. والوعي بسنن التبدل والتغير والانهيار والتحضر.[xxii]
و. التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقى الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع، وعلم الأخبار، وتعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال. وقد دعا القرآن إلى النظر ونوه بشأن الحكمة. فقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (البقرة: 269) وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم. وقد نبه القرآن في كم من آية على فائدة العلم والكتابة والقراءة، في مثل قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت: 43) وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)  (الزمر: 9) وقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)
ز. المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير. وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب.
ح. الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول. إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي، والقرآن جمع كونه معجزة بلفظه ومتحدياً لأجله بمعناه.[xxiii] والعناية ببيان وجوه إعجاز القرآن مبعثها أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكونه المعجزة الباقية، وهو المعجزة التي تحدى بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- معانديه تحدياً صريحاً.[xxiv]
هذه المقاصد تجعل من القرآن مركزياً في المعرفة، وفي العمل وفي التأسيس للمفاهيم، والقيم، والعبادات, والشعائر, والاجتماع, والعمران, وفي التبيان, وفي التهذيب, أي أنه شامل لكل أوجه الحياة والمعرفة.

كيف تستمد العلوم والمعارف من القرآن[xxv]
إن الناظر في المقدمات التي افتتح بها ابن عاشور تفسيره يجد أن المقصد الأعلى للقرآن -والمتمثل في صلاح الإنسان- له أبعاد ثلاثة؛ هي البعد الفردي والبعد الجماعي والبعد العمراني. وهذه الأبعاد تنطوي بدورها على علوم مختلفة لتحقيق هذا المقصد الأعلى. ليس ذلك فحسب، بل إن المقاصد الأصلية الثمانية التي تتمحور حول المقصد الأعلى تنشئ علوما مختلفة تتعلق بالاعتقاد، والتشريع، والأخلاق والقيم، والمواعظ، والتاريخ، والسياسة العامة، والعلوم العقلية المختلفة.
ولهذا فابن عاشور يؤكد من جهة أخرى على صلة مختلف العلوم بالقرآن الكريم. ذلك أن القرآن الكريم ليس كتابا للعلوم بالمعنى الأكاديمي، وإنما القرآن ينظم علاقته بالعلوم في مستويات أربعة؛ فمنها ما هو مستمد مباشرة من القرآن كتاريخ الأنبياء والأمم وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة، ومنها علوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات، ومنها علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق، ومنها علوم لا علاقة لها بالقرآن إما لبطلانها كالميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته.[xxvi]
ونفهم من هذا كله أن القرآن يشكل مرجعية للعلوم الدينية وغير الدينية. فالقرآن يقوم بدور مرجعي في هندسة بناء المعرفة، مما يجعلها ذات أصول مشتركة وتتجه إلى تحقيق أهداف متضافرة. ذلك أن التشظي المشهود في المعرفة في العالم الإسلامي والإشكالات المتعددة ناتجة عن استبعاد القرآن الكريم عن مسار الإنتاج المعرفي وعن هيمنته على إنتاج المعرفة.
ولذلك -وخاصة في مجال العلوم المرتبطة بالدين- أن يكون القرآن المصدر الأعلى ويكون معيار صواب الآراء والأفكار والمصدر الرئيس للقواعد الثابتة لجميع المعارف، وجميع مناشط الإنسان لتحقيق الهداية والاستخلاف، والناظم لمختلف أفرع المعرفة.

[i] الحسني، إسماعيل. نظرية المقاصد عند الأمام محمد الطاهر بن عاشور، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416ﻫ/1995م، ص20.
[ii] يمكن النظر إلى المقدمة، وخاصة خطبة المقدمة والمقدمات الخمس الأولى للمقدمة.
[iii] جعفر، هشام. الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية رؤية معرفية، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1415ﻫ/1995م. من تصدير الشيخ الدكتور طه جابر العلواني للكتاب.
[iv] ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997م، مج1، ج1، ص5.
[v] المرجع السابق، مج1، ج1، ص8.
[vi] الغزالي، محمد. كيف نتعامل مع القرآن، مدارسة أجراها: عمر عبيد حسنة، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1411ﻫ/ 1991م، ص3. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[vii] إسماعيل، صلاح. كيف نتعامل مع القرآن والسنة، انظر:
– عارف، نصر محمد. قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة قضايا الفكر الإسلامي المعاصر 16،، ط1، 1418ﻫ/1987م، ص81.
[viii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص7.
[ix] شبار، سعيد. الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.
[x] الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، مرجع سابق، ص1. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[xi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xii] الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص228.
[xiii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص38.
[xv] أبو سليمان، عبد الحميد. أزمة العقل المسلم، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1414ﻫ/ 1994م، ص76-83.
[xvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، ج1، ص38.
[xvii] المرجع السابق، ج1، ص39.
[xviii] جاء في الحديث “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وفي رواية “صالح الأخلاق”. رواه البخاري في “الأدب المفرد” (رقم 273)، و”التاريخ الكبير” (4/1/188)، وابن سعد في: “الطبقات” (1/192)، والحاكم (2/192)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (6/267/1) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم: “صحيح على شرط مسلم”. ووافقه الذهبي. ورواه مالك في الموطأ (2/409/8) بلاغا، وقال ابن عبد البر في “التمهيد” (24/333-334): “هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره”. انظر: محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، د.ت.، حديث (رقم 45)، مج1/ ص112.
[xix] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص40.
[xx] المرجع السابق، مج1، ج1، ص40. انظر أيضاً:
– ابن عاشور، محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس- الجزائر: الشركة التونسية للتوزيع، المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت.، ص104.
[xxi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص41.
[xxii] المرجع السابق، مج1، ج1، ص41، ص65-68.
[xxiii] المرجع السابق، ج1، ص40-41.
[xxiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص102.
[xxv] ذكرنا للقرآن ومرجعيته وتشكيله للتصورات واستمداد المعارف منه لا يعني معرفيا ومنهجيا استبعاد السنة كما يتبادر إلى ذهن من لا ينظر إلى القرآن بوصفه المصدر الأعلى وانضواء السنة الصحيحة تحته وتبعيتها له في كليتها، ذلك أن ما من أمر أتت به السنة في تفاصيلها إلا وله أصل عام في القرآن. ولعل أهم ما يمكن الاستناد إليه هنا هو أن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبتت صحته عنه مأمور به من القرآن ذاته. فلا تستبعد السنة الصحيحة أبدا في وعينا وفي رؤيتنا وفي منهجنا لتناول القرآن الكريم ومرجعته.
[xxvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص45.

رأي ابن عاشور في عقيدة التثليث

موجز عن ابن عاشور:
إذا كان الرازي عاش في زمن تطور فيه النظر الفلسفي، وكثرت فيه الردود على الفرق المختلفة، بمنهج المتكلمين الذي اختطه المعتزلة وطوره الأشاعرة، وزاد عليه الرازي حين دمج الكلام بالإلهيات، فإن ابن عاشور عاش في زمن يختلف تماماً عن العصر السابق، وفي جميع مناحيه، سواء في جوانبه السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، إذ أن زمن ابن عاشور شهد سقوط الخلافة الإسلامية، وبروز ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وما انجر عن ذلك من تمزق ثقافي دام قرابة القرنين، إضافة إلى ركام التخلف الذي تراكم عبر القرون، غير أن ما يميز عصر ابن عاشور أيضا ذلك الجانب المضيء منه؛ والمتمثل في جهود التجديد التي انطلقت على أيدي الأفغاني وعبده وتلاميذهما منذ نهاية القرن الميلادي الماضي، ويعتبر ابن عاشور أحد تلاميذ هذا الخط التجديدي، الذي حاول بعث بذور الوعي في الأمة على مختلف المستويات، فأفرز الاستقلال السياسي، إلا أن الاستقلال الثقافي والحضاري عموما، ما زال مطلبا وأملا تعمل له جهود المخلصين.
في ظروف مثل هذه، وبتأثير عوامل متعددة، نشأ ابن عاشور وتكونت شخصيته، واشتهر بمنهجه الأصولي التجديدي، الذي اتبع فيه خطى الشاطبي، واعتمد فيه على علم المقاصد بديلا منهجيا لقضايا الاجتهاد خلفا للمنهج التقليدي القائم على النظر في الجزئيات دون مراعاة الكليات التي جاءت الشريعة لتحقيقها(1) .
ومن بين أعماله التي تدل على هذا، تفسيره المسمى (التحرير والتنوير) الذي ألفه في خمسين عام (2)، وكذا كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، و(أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، وغيرها من المؤلفات التي تبين عن شخصية ذات إطلاع واسع، واهتمامات متنوعة في مجال العربية والفقه والأصول والكلام والاجتماع وغيرها.
كما أنه تولى مناصب إدارية متعددة، ووصل إلى مرتبة المفتي المالكي في تونس، وإمام الجامع الأعظم (الزيتونة)، وباشر خطط إصلاح متعددة تناولت مناهج التربية في الزيتونة وفي غيرها من بلاد الإسلام، كما تناولت مناهج تفسير القرآن، والنظر الأصولي. مما يمكن الخلوص منه إلى القول أن ابن عاشور كان يجمع بين العلم والعمل، فهو شخصية علمية واجتماعية.
منهج ابن عاشور في الرد على اعتقادات النصارى:
كما سبق عند الحديث عن الرازي ومنهجه في الرد على اعتقادات النصارى، وتفسيره للآيات المتعلقة بذلك، فإن الحديث عن منهج ابن عاشور في الرد على هذه الاعتقادات يستلزم النظر في الآيات التي تتعلق بالموضوع وكيفية تفسيره لها، وما استخرج منها من أدلة وردود، وهي كما يلي:
أولاً: قوله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين” [آل عمران: 59-60]، من هاتين الآيتين يرى ابن عاشور أن فيهما بيان ما به نشأ التوهم عند النصارى “عن وصف عيسى بأنه كلمة الله فضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت” (3). وذلك بقولهم أنه نشأ عن اتحاد اللاهوت بالناسوت، فهو له طبيعة إلهية، ولهذا يتجه ابن عاشور إلى إبطال هذه الألوهية، وذلك كما يلي؛
1. التمثيل بين آدم وعيسى: فالنصارى “قالوا بإلهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمة من الله وليس له أب، فقالوا هو ابن الله، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدم” (4)، ومحل التمثيل كما يرى ابن عاشور هو أن كليهما خلق من غير أب، ويزيد آدم بكونه خلق من دون أم.
2. الخلق متعلق بـ(كن): فسواء آدم الذي خلق من تراب، أو عيسى الذي خلق من دون أب، فإن كليهما خلق بكلمة (كن)، وذلك “لتعلق القدرة بتكوينه حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد، ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد”(5).
ثانياً: قوله تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” [النساء:171]، ينطلق ابن عاشور من هذه الآية للتأكيد على أن الانحراف في اعتقادات النصارى سببه الغلو، إذ أنهم “غلوا في تعظيم عيسى، فادعوا بنوته لله، وجعلوه ثالث الآلهة” (6)، ونرى ابن عاشور يستعمل أساليب العربية في محاجة النصارى، والرد على معتقداتهم، وهو في ذلك يبدو شاطبي المنهج، إذ أن خلفيته المقاصدية الأصولية وجهته إلى اعتماد أساليب العربية محورا لتفسير القرآن، كما هو شيخه الشاطبي، ويذهب ابن عاشور من هذه الآية إلى الحديث عن صفات عيسى، والأقانيم، والعبودية، والتطور التاريخي للتثليث، وغيرها كما يلي؛
1. صفات عيسى الرسول: فقوله تعالى: “إنما المسيح عيسى ابن مريم” فهذه “الجملة أفادت قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحا من عند الله”(7)، فالقصر قصر موصوف على صفة، والقصد من هذا القصر كما يرى ابن عاشور هو إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات حتى أخرجوها عن حقيقتها. والقرآن لم ينكر الصفات التي ادعاها النصارى لعيسى، وهي أنه رسول وأنه كلمة من الله وروح منه، وإنما أنكر ما ذهبوا إليه من غلوا، فحولوا الرسالة إلى بنوة، وجعلوا الكلمة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وجعلوا معنى الروح على أن عيسى ذو طبيعة إلهية. كما أن “هذا القصر قصر إضافي، وهو قصر إفراد، أي أن عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يزاد على تلك الصفات من كون المسيح ابنا لله واتحاد الإلهية به وكون مريم صاحبة” (8).
2. تفسير الكلمة: في تفسيره لمعنى (الكلمة) فإن ابن عاشور يرجع إلى الأناجيل، مثل إنجيل يوحنا، الذي فيه “في البدء كان الكلمة …”، ثم يبين ابن عاشور أن القرآن حكى هذا، مما يدل على أن هذا من الكلمات الإنجيلية، ومعناه أثر كلمة الله، والكلمة هي التكوين، وهو المعبر عنه في الاصطلاح بـ(كن)، فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنه تعلق القدرة (9).
3. معنى الروح: أما الروح فإن ابن عاشور يرجع إلى العربية وإلى الأناجيل أيضا لتحديد معناها. فمن وجهة اللغة العربية، فإن الروح بمعنى النفخة، والعرب تسمي النفس روحا والنفخ روحا، أما الأناجيل -فكما يقول- فقد طفحت بذكر هذا اللقب لعيسى بأنه روح منه (10). ويتساءل ابن عاشور: ما السر أو الحكمة في إيراد القرآن لهذين الوصفين (الكلمة والروح) على ما فيهما من شبهة ضلت بها النصارى؟ ويجيب عن ذلك بأن هذين الوصفين وقعا في الإنجيل أو في كلام الحواريين وصفا لعيسى عليه السلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذ، غير أنه مع الزمن وقع التحريف في فهمهما، والقرآن بذكرهما يؤكد بأنهما لا يؤديان إلى القول بأن عيسى ابن الله أو أن الله حل فيه، ولكن النصارى بضلالهم غلوا في التأويل، وغيروا المعاني (11).
ثالثاً: قوله تعالى: “فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا” [النساء: 172]. وفي تفسيره لهذه الآية يذهب ابن عاشور إلى نقض التثليث ومناقشة النصارى في المفاهيم المختلفة التي أعطوها للتثليث.
1. معاني التثليث: ويرى أن “التثليث أصل في عقيدة النصارى كلهم، ولكنهم مختلفون في كيفيته” (12)، ولذلك جاء في القرآن “ثلاثة” في صيغة خبر مبتدأ محذوف ليصلح لكل ما يصلح تقديره من مذاهبهم في التثليث، سواء أن الآلهة ثلاثة {لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة}، أو أن عيسى وأمه إلهين مع الله {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، فالمجموع ثلاثة: “كل واحد منهم إله، ولكنهم يقولون: إن مجموع الثلاثة إله واحد أو اتحدت الثلاثة فصار إلها واحدا” (13)، فمعاني التثليث إذن مختلفة، فمنهم من يرى أن هناك ثلاثة آلهة، ومنهم من يرى أن الثلاثة إله واحد، ومنهم من يرى أن الله جوهر واحد بثلاثة أقانيم.
2. تطور التثليث: يرى ابن عاشور التأثير اليوناني على مفهوم التثليث، حيث أنه نشأ من اعتقاد قدماء الإلهيين من نصارى اليونان أن الله تعالى (ثالوث)، أي أنه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع في ثلاثة أقانيم … أقنوم الأب (الوجود أو الذات)، وأقنوم الابن (العلم)، وأقنوم الروح القدس (الحياة). فأقنوم الذات هو أصل الموجودات، ومن أقنوم العلم كان تدبير القوى العقلية، ومن أقنوم الحياة كان إيجاد عالم المحسوسات (14)، غير أن ذكر ثلاث صفات وإهمال الباقي على تقدير اعتبارهم لها صفات، يؤدي إلى التشابه مع ما كان يقول به الأفلاطونيون الجدد من فكرة التولد والفيض، إذ وكأن الأقنومين الآخرين فيض من الأقنوم الأول.
ثم أن النصارى -كما يرى ابن عاشور- فسروا هذه الصفات تفسيرات أخرى، إذ سموا أقنوم العلم بالكلمة باعتبار أن الأناجيل أطلقت لفظ الكلمة على المسيح، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله، غير أنهم زادوا غلواًّ “فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح فقالوا: أن المسيح صار ناسوته لاهوتا، باتحاد أقنوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول. أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوعة، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح” (15).كما أن ابن عاشور يورد الصراع الذي حدث بين دعاة التوحيد (آريوس) وأتباعه، وبين دعاة التثليث خلال القرن الرابع الميلادي، ثم مؤتمر نيقية الذي جمع فيه قسطنطين الرهبان، وأصدروا قانون الإيمان المسيحي الذي قرر: “أن كلمة الله اتحدت بجسد عيسى، وتقمصت ناسوته؛ أي إنسانيته، فصارت الكلمة ذاتا في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابنا لله تعالى، فالإله مجموع ثلاثة أشياء: الأول الأب ذو الوجود، والثاني الابن ذو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس” (16).
بعد ذلك تطورت النصرانية وتشعبت إلى فرق اليعقوبية وهم الأرثوذكس الآن، والنسطورية، والجاثلقية وهم الكاثوليك (17)، بناء على اختلاف مذاهبهم في التثليث، مع اتفاقهم بالقول به.
3. نقض البنوة: ينطلق من قوله تعالى: “سبحانه أن يكون له ولد”، لنقض شبهة النصارى في أن المسيح ابن لله، “فالبنوة منتفاة، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى. والبنوة تستلزم هذه المستحيلات لأن النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يطلبونها لذلك، وللإعانة على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أن الابن مماثل لأبيه فأبوه مماثل له لا محالة” (18).
وهذا الدليل الذي تحدثنا عنه عند الرازي؛ وهو دليل الكمال وعدم العجز، ودليل عدم المجانسة، كما أن ابن عاشور يوظف مفهوما آخر في نقض هذا الاعتقاد، وهو مفهوم السنن الكونية، التي تحكم المخلوقات كلها، كما أنه جعل من مقاصد البنوة بقاء النوع أو ما يسمى بلغة علم المقاصد كلية حفظ النسل التي هي من المقاصد الضرورية.
رابعاً: قوله تعالى: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير” [المائدة: 17]، وقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد..} [المائدة: 72-74].في هذه الآيات رد لادعاء النصارى بألوهية المسيح، وذلك أنهم “جعلوا حقيقة الإله الحق المعلوم متحدة بحقيقة عيسى -عليه السلام- بمنزلة اتحاد الاسمين للمسمى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهية في ذات عيسى” (19). وفي سبيل إثبات فساد هذه المقولة وانصرافها إلى معنى الحلول والاتحاد، فإن ابن عاشور يرجع في ذلك إلى العربية وإلى صلة المسند بالمسند إليه، وإلى استعمال المنطق من خلال مفهوم “حمل (هو هو)، وذلك حين يكون المسند إليه والمسند معلوما للمخاطب ويراد بيان أنها شيء واحد” (20)، ويرجع ابن عاشور أصل ادعائهم ألوهية عيسى إلى قولهم بالأقانيم الثلاثة؛ أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة.
خامساً: قوله تعالى: “ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون” [المائدة: 75]، وفي هذه الآية أيضا تأكيد لنبوة عيسى ونفي لألوهيته أو ألوهية أمه، والدليل أنهما كانا يأكلان الطعام، كما أن عيسى هذا متولد من أم فهو مفتقر لأم، والمفتقر إلى غيره لا يصلح أن يكون إلهاً. ولهذا يرجع ابن عاشور إلى أساليب العربية لاستخراج الحجج التي جاء بها القرآن على بشرية عيسى ومساواته لبقية الرسل، “وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة. فلا شبهة للذين ادّعوا له الإلهية، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله” (21)، فإذا كان عيسى -عليه السلام- أحي الموتى من الحيوان، فإن موسى -عليه السلام- أحي العصا وهي جماد فصارت حية. فأين العجيب في عيسى، ولم يكن في غيره من الرسل. فإن اختلفت صفات هذه الأعاجيب أو المعجزات فقد تساوت في أنها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض (22)، أما أمه فقد حدد القرآن مرتبتها بأنها {صدّيقة} والقصد من وصفها بأنها صدّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف آخر أعلى من ذلك. وهو وصف الإلهية. ونفي إلهية عيسى وأمه يمكن أن يعقله أي إنسان ذلك أنهما كانا يأكلان الطعام، وهي صفة من صفات البشر، وهي صفة واضحة يراها كل الناس. ويرجع ابن عاشور في تأكيد هذا الأمر إلى الأناجيل نفسها، إذ أنها ” أثبتت أن مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها، وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزاً وشرب خمراً، فيذكر ابن عاشور ما ورد في إنجيل لوقا الإصحاح 22:{وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني لا أكل منه بعدُ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع}” (23)، وكما مرّ معنا عند الحديث عن الرازي بأنه جعل من هذه الآية دليلا على أن عيسى محدث لأنه مفتقر ومحتاج، وينتابه الجوع والحاجة والشهوة، وهذه ليست صفات الله تعالى بل هي صفات ممكن الوجود، الذي هو بالضرورة ليس بإله، والله أعلم.
قواعد المنهج عند ابن عاشور: هذا عن أهم القضايا التي ناقشها ابن عاشور في سياق تفسيره لآيات القرآن المتعلقة بالمسيح عليه السلام والرد على معتقدات التثليث النصرانية، ويمكن أن نكتشف أهم القواعد التي كان ابن عاشور يتبعها في رده على النصارى، ويعتمد عليها في نقض معتقدهم، وهي -حسب رأيي المتواضع- كما يلي؛
1. اعتماد البيان العربي: حيث أنه في تفسيره للألفاظ أو المعاني أو الآيات فإنه يرجع إلى معهود العرب في الاستعمال لاستخراج مدلول الكلمات، وتحديد معاني الجمل، ولقد لاحظنا ذلك عند تفسيرها لمعاني (الكلمة)، و(الروح)، وقوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة}، و{إنما المسيح ابن مريم رسول الله}، حيث اعتمد على أساليب القصر (إفراداً أو قلباً)، والتمثيل، والمجاز، والحذف والتقدير، وغيرها، كما هو مبين أعلاه. والسبب في ذلك على ما يبدو يتضح من مقدماته التفسيرية العشرة التي ذكرها في مقدمة (التحرير والتنوير)، والتي من بينها الرجوع إلى معهود العرب في الاستعمال، كما يبدو منهجه المقاصدي واضحا في سبب اختياره الاعتماد على أساليب العربية أو”منطق اللغة العربية”، حيث أنه وشيخه الشاطبي يجعلان المبدأ الأول للتعامل مع القرآن هو الرجوع إلى العربية، فبمقدار إحاطة المرء بالعربية فهو ملم بالشرع (24).
2. تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا أيضا أحد مبادئ المدرسة التفسيرية الحديثة، التي دعا إليها محمد عبده وتلاميذه، وهو ما صار يعرف بالتفسير الموضوعي، أو التفسير النسقي لآيات القرآن الكريم، وذلك من خلال محاولة جمع آيات الموضوع الواحد وتفسيرها ببعضها، وبالرغم من أن هذا ليس جديداً عند المفسرين، فقد رأيناه عند الرازي، فإن المدرسة الحديثة جعلت منه مبدأ وأعلنته صراحة، وذلك لتفادي تضارب النصوص في ذهن المفسر، والنظر إلى البناء القرآني نظرة متكاملة.
3. الرجوع إلى الأناجيل: وهو ما لم نجده عند الرازي، الذي اعتمد على البرهان العقلي المجرد، فابن عاشور في تفسيره للآيات التي تعرضت لعقيدة النصارى يرجع إلى الأناجيل، وقد تبين ذلك من خلال ذكره لعبارات الإنجيل المتعلقة بالروح، والكلمة، والبنوة، وهي عبارات يحكيها القرآن ولا ينفيها، غير أن القرآن يبيّن غلوهم فيها، وتحريفهم لمعانيها. وهذا الرجوع إلى الأناجيل أيضا كان ابن عاشور يهدف منه إلى تتبع التطور التاريخي الذي حدث في العقيدة المسيحية.
(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة، (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1988)، ص5.

(2) – اسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، الطبعة الأولى، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ/ 1995م)، ص ص90-91.
(3) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(4) التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(5)التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(6)التحرير والتنوير، ج6/ ص50.
(7) التحرير والتنوير، ج6/ ص51.
(8) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(9) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(10) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(11) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(12) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(13) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(14) التحرير والتنوير، ج6/ ص55.
(15) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(16) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(17) التحرير والتنوير، ج7/ ص153.
(18) التحرير والتنوير، ج6/ ص58.
(19) التحرير والتنويرج7/ ص153.
(20) التحرير والتنوير، ج7/ ص152.
(21) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(22) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(23) التحرير والتنوير، ج7/ ص286.
(24) للمزيد انظر: الشطبي، الموافقات، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، (بيروت: دار الفكر)، ج4/ ص115.