أرشيفات التصنيف: مقالات

من أجل حوار حضارات لصالح البشريّة

منذ نهاية الحرب العالميّة الثانيّة والإنسانيّة تتجه إلى وحدة المصير، وتشترك في القضايا الكبرى، وترتبط في علاقاتها بشكل يوحّد من همها وتطلعاتها، كما يوحّد شعورها بالمخاطر المحدقة بالإنسانيّة، وأهميّة العمل المشترك، والعيش أو التعايش المشترك بدل منطق الصّراع الذي قد يؤدّي إلى النهاية المأساويّة للجميع.
وقد تعمق هذا الوعي بشكل أكبر -على المستوى الفكريّ- عندما بدأت الكتابات تتوالى في الغرب خاصة عن طبيعة العلاقات الدوليّة التي ستحكم العالم، وخاصة بعد انهيار المعسكر الشيوعيّ، وخلوّ الساحة الدوليّة لهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ووقع العالم تحت هيمنة “وحيد القرن” وزوال الثنائيّة.
ثم إنّه بعد صدور كتابَي كلٍّ من فوكوياما “نهاية التاريخ” وهاتنجتون “صدام الحضارات” حيث بشّر فوكوياما بسيادة قيم الديمقراطيّة الليبراليّة وهيمنتها على العالم وتحوّلها إلى المصير الوحيد للإنسانيّة التي يجب أنْ تقبله، بينما تنبأ هاتنجتون بأن الصّراع في المستقبل لن يكون بين الدول الوطنيّة، ولا بين المحاور السياسيّة الأيديولوجيّة، بل بين المحاور الحضاريّة. أي بين الحضارات التي تشكل -في نظره- “الإطار الثقافيّ الأوسع للمجتمعات”، وبهذا فإنّ خطوط التماس الحضاريّ ستشهد –وقد شهدت فعلاً- صداماً دموياً مثلما حدث في البوسنة وفي الصومال وفي كوسوفا وفي مواقع أخرى ويحدث الآن في فلسطين والعراق.
ولذلك سارعت الأمم المتحدة وبعض الدول التي لا ترغب في هذا الصّدام إلى تبني مقولة “حِوار الحضارات”، وأعلنت الأمم المتحدة سنة 2002 سنة لحوار الحضارات، ثم شاع أدب الحوار بين الحضارات في مختلف الدوائر الفكريّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة، ومما زاد الأمر أهميّة تعاظُم ظاهرة العولمة واقترانها بمرحلة تاريخيّة من حياة الإنسانيّة اتسمت بمحاولة إزالة كل الحواجز في وجه القوة الأمريكيّة، مستعملةً في ذلك كلّ الأدوات السلميّة والحربيّة من أجل فرض الهيمنة على العالم وتوجيهه وفق تطلعات إدارة البيت الأبيض، وبارونات المال والأعمال، والنخبة المتواجدة في مراكز القرار والأبحاث والدراسات الاستراتيجيّة في الغرب عموماً وأمريكا بوجه خاص.
منطقان متعاكسان يحكمان حِوار الحضارات:
وبناء على ما سبق فقد كثر الحديث عن حِوار الحضارات والثقافات والأديان، مما يدل على الوعي بالصعوبات التي يواجهها الجميع؛ سواء في ذلك العالم المتطور أو العالم المتخلف.
ومن جهة أخرى فإنّ كثرة الحديث عن موضوع الحِوار بين الحضارات والثقافات يدل على الاختلالات التي تعاني منها منظومة العلاقات السائدة بين الأمم، وأنها لم تعد عادلة ونافعة، بل ولم تعد قابلة للتنفيذ والممارسة بشكل يحقّق مصالح الإنسانيّة في الأمن والسلام والتقدم، وخاصة الاختلالات التي تعاني منها منظومة القيم والثقافة الغربيّة والأمريكيّة بوجه أخص، وذلك بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
وفي هذا السياق أرى أنّ سبب تلك الاختلالات راجع في جوهره إلى منطقين متعاكسين في الاتجاه وفي المنطلق، ونظراً لهذا التعاكس بين المنطقين فإنّ الإنسانيّة مهددة في مصيرها إمّا باستمرار حالة الاحتقان، وإمّا بهيمنة الغطرسة الأمريكيّة التي ترى نفسها هي الحضارة القدوة وغيرها تخلّف وإرهاب.
أما المنطقين المتعاكسين فهما: منطق التاريخ من جهة، والقاضي باتجاه البشريّة إلى وحدة المصير بفعل اطّراد تقدم البشريّة، وترابط مصالحها بعضها ببعض، وبفعل التقدم التكنولوجيّ الهائل الذي أدّى إلى تقارب المكان والزمان. ومن جهة أخرى هناك منطق الهيمنة الغربيّة على العالم، ومحاولة فرض نمط عنصريّ محدود الأفق، قاصر في رؤيته ومداه، متحيّز في قيمه، ماديّ في طموحه وتوجّهه، وصدامِيّ في تعامله. محاولة هذا النموذج بفعل ما يملكه من غلبة حضاريّة مؤقتة أنْ يفرض ثقافته ومعياره على العالم، مما يولّد رفضاً من بقية الكيانات الحضاريّة لمثل هذه الغطرسة وفرض القيم والمعايير
والمنطقان اللذان سبق ذكرهما يطرحان إشكالاً غاية في الأهميّة، وهو بدوره يقوم على قضيتين:
أولاـ إنّ وحدة المصير الإنسانيّ تفرض على كل حضارات الأمم والشعوب والدول التزاماً جماعياً بمتطلبات عالميّة أو كونيّة؛ لأنّ المصير صار مشتركاً، والمصالح صارت متداخلة، والعالم صار قرية صغيرة يؤثّر أدنى حدث فيها في كل أركان المعمورة، ويمسّ كل الناس.
ثانياًـ إنّ هناك تميزاً واختلافاً في القيم والمعايير والثقافات بين مختلف الشعوب، وبالتالي ينشأ حقّ أساسيّ من حقوق الأمم والشعوب والكيانات الحضاريّة في التميز والاختلاف عن الثقافة الغربيّة المهيمنة وبالتالي الاحتراز نظرياً وعملياً من الذوبان في ثقافة الغرب المتغطرسة.
أبعاد الإشكاليّة:
ولنا أنْ ننظر إلى مكمن الإشكال الذي ذكرناه، ونتساءل عن كيفية حلّه من أجل صالح البشريّة؛ فهل نعتبر الحضارة الغربيّة المعاصرة هي أرقى ما توصلت إليه الحضارة الإنسانيّة، وبالتالي فهي تمثل الحضارة القدوة وعلينا القبول بها نموذجاً مهيمناً غالباً ينبغي اتباعه والاقتداء به، وترك كل الخصوصيّات الثقافيّة والحضاريّة الخاصّة بنا؟
أم أنّ الحضارة الآن نتاج تراكميّ تاريخيّ لشعوب وحضارات متعدّدة، وبالتالي فإنّها نتاج عوامل متعدّدة، وليست ذات خصوصيات غربيّة أو أمريكيّة أو إنتاج أمّة معيّنة، وبهذا علينا أنْ نعتبرها هي الحضارة، ولا ينبغي الخروج عنها؟
أم أنّ مفهوم الحضارة العالميّة مفهوم فَضْفاض مهلهل مهتزّ، استعمله الغالب ليسيطر على المغلوب، ودعا إليه القويّ ليسلب من الضعيف آخر أدوات المقاومة لنموذج مشوّه وقاصر ومحدود الأفق، وبذلك ينبغي الاحتفاظ بالخصوصيّة الحضاريّة والثقافيّة، وترسيخ مبدأ التميّز والاختلاف؟
إنّ تأمّل الخيارات الثلاثة المطروحة أمامنا تمثل –في الواقع- أهمّ المقاربات الموجودة في الأوساط السياسيّة والثقافيّة والعلميّة، وهي المقاربات المتداولة بين الباحثين والمهتمين بالشأن الحضاريّ.
ويمكن القول: إنّ هذه المقاربات تحمل كلّ منها مبرّراتها كما تحمل جوانبها السلبيّة، وهذا ما يدفع إلى الدّعوة إلى العمل على صياغة مقاربة أكثر شموليّة وإحاطة بالموضوع، وذلك من خلال استراتيجيّة ومنهجيّة تتوجه إلى أبعاد ثلاثة:
أولاً: فهم النّسق والسياق التاريخيّ الذي نشأت فيه الحضارة المعاصرة، وهو لا شكّ نسق الحداثة الغربيّة بما وفر للحضارة الغربيّة المعاصرة من إطار فلسفيّ ومرجعيّة فكريّة ومنظومة قيميّة تطوّرت في كنفها الحضارة وصاغت مقولاتها فيما يخص علاقتها بالحضارات والثقافات غير الغربيّة.
ثانياً: محاولة فهم العلاقة بين الدينيّ والدنيويّ، بين المطلق والزماني، بين منظومة القيم الدينيّة والقيم العلمانيّة التي صاغتها الحضارة الغربيّة، وأثر ذلك على تشكل المؤسّسات والجماعات السياسيّة والاجتماعية والثقافيّة والمهنيّة وغيرها في الغرب. أي فهم مفهوم وموقع الدين في صياغة الحضارة الغربيّة المعاصرة.
وثالثاً: فهم التطوّر التكنولوجيّ الهائل الذي ميّز الحضارة الغربيّة المعاصرة، والأبعاد التي أضفاها على منظومة القيم والمعايير، وما أدّى إليه من تغيّر النظرة إلى الإنسان ومكانته وماهيّته ووجوده. أو ما عبّر عنه ابن نبي بِـ “تقدّم العلم وتخلّف الضّمير”.
وفي الختام نقول: إنّه بهذه الاستراتيجيّة يمكن أنْ نحيط بالظاهرة وأنْ نستوعبها فهماً، وبعد ذلك يمكن أنْ نحلّ الإشكالات المطروحة، ونستطيع أنْ نتحدث عن الحضارة العالميّة أو الكونيّة.

الاختلافات في الواقع سببها الاختلاف في الرؤية الكونية

هناك الكثير من القضايا التي تثير جدلا بين مختلف الأفراد والدول والمجتمعات والثقافات والحضارات، ويرجع سبب هذا الاختلاف والجدل حولها إلى الاختلافات في الرؤى الكلية للوجود. إذ لكل فرد من بني البشر رؤية كلية للوجود أو للعالم، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، فكل فرد له افتراضات وصور وتحيزات تؤثر على الطريقة التي يرى فيها الوجود والحياة. وتتصف هذه الافتراضات بقدر من الثبات والتماسك، وليس بالضرورة أن تكون صحيحة. وتشبه رؤية العالم النظارات التي تؤثر على الطريقة التي يرى بها الفرد الأشياء من حوله.
والوظيفة الأساسية لرؤية العالم عند الفرد هي وظيفة تفسيرية، فبها يفهم العالم ويفسِّر أحداثه وظواهره، وبها يفهم لماذا يفكر ويسلك بالطريقة التي يفكر بها أو يسلكها. والرؤى الكلية المتنافسة كثيراً ما تتصادم وتكون الأساس في ما يكون بين الأفراد وبين الأمم من اختلافات وخصومات، وقد تتحول إلى معارك دموية، لذلك من المهم أن نعرف أن الرؤى الكونية هي السبب في خلافات الناس، وأنّها سيف ذو حدَّيْن؛ فقد تكون غير الملائمة- سببا في الغبش الذي يمنع من يستعملها من الرؤية الصحيحة للأمور، أو قد تكون سبباً في الرؤية السليمة الواضحة.

الجامعة من توفير المعرفة إلى إنتاجها

مسيرة التعليم العالي في الجزائر
في سنة 1962 كان هناك 500 طالب في جامعة الجزائر، وفي سنة 1971 كان أول إصلاح للتعليم العالي وكانت النتيجة تخريج عشرات الآلاف من الجامعيين الذين انتشروا في ربوع الجزائر في جميع  الميادين(بوخلخال، 2007). وتتابعت مسيرة التطور في التعليم العالي. وفي سنة 2007 صار هناك حوالي 60 مؤسسة جامعية (جامعة، مركز جامعي) فيها 700 ألف طالب، ومع هذه السنة 2008 بلغ عدد المرسسات الجامعية 62 مؤسسة جامعية (جامعات، ومراكز جامعية، ومدارس وطنية عليا) وبلغ عدد الطلبة رقما يضاهي المليون ونصف المليون طالب، مع وجود أكثر من 30 ألف أستاذ جامعي لتأطير الطلبة وأكثر من مليون مقعد بيداغوجي وأكثر من 250 إقامة جامعية (الخبر، يوم 08/10/2008، ص9).
أهداف التعليم العالي
وحسب ميثاق التعليم العالي، فإن أهدف التعليم العالي تتلخص في التعليم والتكوين، والقضاء على الجهل والأمية، والاستجابة لاحتياجات الجزائر التنموية، والاستجابة للأعداد المتزايدة من الجزائريين والجزائريات المقبلين على الجامعة (بوخلخال، 2007).
بيد أن هذه الأهداف تضعنا أمام تساؤل عن دور الجامعة التقليدي ودورها الجديد؟ فدورها التقليدي هو توفير المعرفة، لكن مع تزايد عدد الطلاب، ومع تطور المجتمع الجزائري من 1962 إلى 2008 والتحولات الكبرى التي حصلت ولا تزال تحصل في مختلف الأصعدة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وتنمويا وتكنولوجيا تستدعي تحولا في الجامعة وفي دورها، والانتقال من الدور التقليدي المتمثل في توفير المعرفة إلى الدور الاستراتيجي الجديد في إنتاجها.
الدور التقليدي: توفير المعرفة
نلاحظ أن أهداف التعليم العالي في الجزائر هي نفسها الأهداف التقليدية للجامعة وهي: التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع (لعويرة، 2007). غير أن هذه الأهداف فارغة من محتواها المعرفي؛ أي لم يتجه التدريس أو البحث العلمي أو خدمة المجتمع إلى الجانب الابداعي والإنتاجي في مجال المعرفة. بل اكتفى –بشكل عام- بمجرد توفير الحد الأدنى من المعرفة التي تؤهل المتخرج ليحصل على شهادة ووظيفة، وبقيت الجامعة تابعة لما تنتجه جامعة المراكز الحضارية.
وهذا يجعل الجامعة وسيطا بين مراكز إنتاج المعرفة وبين المجتمع. أي مجرد إتقان الاستفادة من المعرفة، وحسن استعمالها وتوظيفها (الميلاد، 2006). وهذا بدوره أدى إلى تخلف جامعاتنا عن غيرها من جامعات العالم التي اتخذت أدوارا جديدة مع التحولات الكبرى في الحضارة الإنسانية.
وهذا لا يجعلنا نستهين بما تحقق لحد الآن من إنجازات، فطوال العقود الماضية من عمر الاستقلال الوطني حققت الجامعة الجزائرية إنجازات لا يستهان بها، وخاصة فيما يتعلق بإعداد الكوادر والإطارات التي تتوزع في مختلف المؤسسات في بلادنا. ولكن دور الجامعة الجزائرية لا يزال متدنياً من حيث النوعية والكيفية، والتعليم فيها أقل مستوى مما أنجزه التعليم العالي مثلاً في كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وبقية بلدان شرق آسيا التي بدأ نموها بعدنا، ولكن الفارق بينها أي بلدان شرق أسيا وبيننا كبير جداً، هذا على مستوى البلاد النامية.
أما إذا أردنا مقارنة واقع التعليم العالي في الجامعة الجزائرية بأوروبا الغربية أو البلدان الصناعية عموماً فليس هناك وجه للمقارنة خاصة من النواحي الكمية والنوعية، وإنجازات البحث العلمي والاختراع والاكتشاف؛ أي إنتاج المعرفة عموماً. وهذا ما يوضحه قياس مؤشر إنتاج المعرفة الصادر ضمن تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي سنة 2003 .
الدور الاستراتيجي الجديد: إنتاج المعرفة.
إن إنتاج المعرفة هو المرحلة الأرقى من اكتساب المعرفة، حيث ينطوي إنتاج المعرفة على امتلاك الجامعة القدرة على الإضافة إلى رصيد المعرفة الإنسانية الذي يغترف منه البشر(الأنصاري،2004).
ولهذا نتساءل: ما هو حال إنتاج المعرفة في جامعاتنا في المجالات العلمية والتقانية، والأدبية والإنسانية والاجتماعية والفنية؟ وما هي العوامل الفاعلة في تكوين الوضع الراهن؟  وفي تلمس إجابات عن هذه الأسئلة تكمن مفاتيح العمل على تحول جامعاتنا إلى جامعات منتجة للمعرفة.
وقد نتساءل عن كيفية قياس إنتاج المعرفة في الجامعات عموما وفي جامعاتنا بوجه خاص؟ فهناك صعوبة في الحصول على معلومات حديثة ودقيقة ومتكاملة حول مُخرجات أنشطة البحث العلمي في جامعاتنا وفي العالم العربي عموما.  غير أنه يمكن بشكل عام قياس مُخرجات البحث العلمي من خلال المنشورات العلمية، وبراءات الاختراع، والابتكارات(الأنصاري،2007).
وذكر تقرير التنمية العربي وبعض الدراسات إلى أن النتائج الإحصائية لبعض مؤشرات الإنتاج المعرفي لعدد من بلدان العالم فيما يتعلق ببعض بلدان العالم أو فيما يتعلق بعدد العلماء العاملين في مجال البحث العلمي و عدد براءات الاختراع فضلاً عن عدد الكتب المنشورة ، إلى أن هناك فارق  كبير بين الإنتاج المعرفي في دول العالم مقارنة بالجزائر خصوصا وبالعالم العربي عموماً. وأن هناك فقراً شديداً في إنتاج الكتب في البلدان العربية مقارنة بعدد السكان.
كما أن إنتاج الكتب في  البلدان العربية لم يتجاوز 1.1% من الإنتاج العالمي. رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من سكان العلم . كما أن إنتاج الكتب الأدبية والفنية يعد أضعف من المستوى العام . فعدد الكتب الأدبية والفنية الصادرة في البلدان العربية لم يتجاوز 1945 كتاباً في عام 1996 مما يمثل 0.8% فقط من الإنتاج العالمي، وهو أقل مما أنتجته دولة مثل تركيا  والتي يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية. وأيضا، يتسم إنتاج الكتب في البلدان العربية بشح في مجالات كثيرة خاصة الأدب والفن والعلوم الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن براءات الاختراع المسجلة للدول العربية تشمل نسبة كبيرة من براءات اختراع  مسجلة من قبل جهات أجنبية ( عمرو أرمنازي، 2002، 40؛ الأنصاري، 2004).
ولا شك أن المنشورات العلمية وبراءات الاختراع مؤشرات مفيدة عن نشاط البحث العلمي إلا أنها لا تعُّبر بحد ذاتها عن النشاط الابتكاري. ولعل الأسواق تكاد تخلو من الابتكارات العربية، مما يشير إلى أن البحث العلمي في البلدان العربية لم يرق بعد إلى مرحلة الابتكار التي تمكن من دخول مشارف اقتصاد المعرفة واطراد التنمية الإنسانية
مما يشير إلى ضعف إنتاج المعرفة ومن ثم يعد إنشاء نسق فعال لإنتاج المعرفة مسألة جوهرية لأمننا الاستراتيجي .
إنشاء  نسق فعال لإنتاج المعرفة
إن النسق الفعال لإنتاج المعرفة يحتاج إلى؛ أولاً: إدراك التحول في طبيعة المعرفة ومكانتها ودورها في المجتمعات المعاصرة (مجتمعات المعرفة). وثانياً: إصلاح مراكز صناعة وإنتاج المعرفة (الجامعات ومراكز البحوث) بشكل خاص. بما يضمن لها أن تكون مواكبة لعصر الانفجار المعرفي وتساهم في إنتاج المعرفة. وثالثاً: عدم فك الارتباط بين إصلاح الجامعة وجوانب الإصلاح  الأخرى في مجتمعنا(الإصلاح الثقافي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وغيرها)؛ أي الإصلاح الحضاري الشامل.
وفي هذا المقام نركز أكثر على إصلاح مراكز إنتاج وصناعة المعرفة لما لها من أولوية في تصحيح وتطوير الرؤية والمسار المستقبلي لجامعاتنا.
1. إصلاح مراكز إنتاج المعرفة (الجامعات)
وهذا يتم وفق خطوات وبمساهمة أطراف نذكرهم فيما يلي:
• أولا: تغيير الرؤية: وذلك من خلال ضرورة اعتبار إنتاج المعرفة مجالاً أو ميداناً حيوياً مهماً لتطوير وإصلاح التعليم عموما والتعليم العالي بوجه خاص. وهذا بدوره يستدعي اعتبار البحث العلمي يشكل مجالاً أو ميداناً مهماً في جهود تطوير التعليم، فهو يغذي حركة التعليم أولاً بالمعلومات والحقائق، و يهيئ ثانياً الظروف والمعطيات للبدء في حركة إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي، و مراكز البحث العلمي. وما لم يتوجه التعليم العالي إلى وظيفة إنتاج المعرفة ، فسيظل تعليماً قاصراً لا قيمة له في دفع حركة التنمية الوطنية إلى أفق عالمي. والمقصود بإنتاج المعرفة ليس المعرفة التقنية ذات الصلة بالطبيعة والعلوم الطبيعية فقط، ولكن إنتاج المعرفة في العلوم الإنسانية أيضاً أمر ضروري ومهم لأي نهضة أو تقدم. ذلك أن النظرة التجزيئية للمعرفة والتعليم تسببت في انفصام في شخصية وعقل الإنسان بتقديم المعرفة والنظر إليها باعتبارها معرفة مادية أو تقنية فقط . والنظر إلى المعرفة الإنسانية والاجتماعية على أنها غير مهمة أو غير منتجة.
ثانيا: تحديد أطراف عملية إصلاح الجامعة:
وتتمثل في:
1.  الإدارة: الإستراتيجية، والتخطيط، والتوجيه، والتمويل، والمراقبة، والاستثمار.
2. الأستاذ (الهيئة العلمية) التنشئة العلمية والتربوية، البحث والتنظير، الاختراع والإبداع.
3.  الطالب: التلقي، التدريب، التخصص.

أ. الإدارة
وتشمل الإدارة السياسية، والوزارة، وإدارة الجامعة، ومراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي والمرحلي والوطني والمحلي.  ويقوم دور الإدارة في إنتاج المعرفة على: 1. وضع الاستراتيجية، 2. التخطيط، 3. التوجيه، 4. التمويل، 5. المراقبة، 6. الاستثمار.
نقائص الإدارة
حدد تقرير التنمية الإإنسانية العربية سنة 2003 منظومة التعليم العالي العربية ورأى أنها تتصف بما يلي:
• 1 ـ عدم وضوح الرؤيا وغياب سياسات عربية واضحة تحكم العملية التعليمية
• 2 ـ عدم استقلال الجامعات ووقوعها تحت السيطرة المباشرة للنظم الحاكمة المتقلبة المزاج.
• 3 ـ التكدس المخيف لأعداد الملتحقين بالجامعات
• 4 ـ انخفاض الإنفاق والتوسع الكمي على حساب النوعية والجودة (بحيرة، 2004).
• 5- قلة الإنفاق على التعليم العالي.
• 6- التوسع الكمي في نشر التعليم العالي جاء على حساب نوعية التعليم وجودته.
• 7- المكتبات في جامعات كثيرة دون المستوى المطلوب.
• 8- المعامل والمختبرات أصبحت قديمة ولا تتسع الأعداد المتزايدة من الطلبة.
• 9 – أعضاء هيئة التدريس في عدد كبير من الجامعات العربية يعانون من انخفاض حاد في المرتبات لا يسمح لهم بالتفرغ للتعليم, ناهيك عن البحث.
بالنسبة للإستراتيجية
• 1. تتطلب الإستراتيجية الفعالة لإنتاج المعرفة تغييرا في المواقف والقيم والحوافز المجتمعية لتتضمن التزاما شاملاً على جميع مستويات المجتمع. باحترام العلم والمعرفة وتشجيع الإبداع والابتكار واستخدام الاكتشافات الجديدة لزيادة الإنتاجية والدخل وتحسين رفاه الإنسان.
• 2. ويمكن دعم التغيير في المواقف بسياسات توفر الحوافز لتعزيز الوضع الاجتماعي وفرص الربح للعاملين في ميادين العلم والمعرفة والابتكار.
• 3. والسياسات العامة لها دور رئيسي في تشجيع نشاطات البحث والتطوير المرتبطة بالعملية الإنتاجية للمعرفة.
• 4. عدم الاكتفاء بالبناء على قاعدة المعرفة الوطنية لتوليد معرفة جديدة من خلال البحث والتطوير، ولكنه يتطلب أيضاً جني المعرفة المتواجدة في أماكن أخرى وتكييفها. وذلك عن طريق الانفتاح بمعناه الواسع بما في ذلك مثلاً تشجيع الانسياب الحر للمعلومات والأفكار، وتأسيس روابط بناءة مع الأسواق العالمية واجتذاب الاستثمار الأجنبي.
• 5. نظراً لضعف التطوير التقني الحالي في الجرائر وغيرها من البلدان العربية. فإن هذا الضعف يدعو إلى تبنى إستراتيجية على المدى القصير تركز على استيراد وتكييف التقانة واستيعابها من خلال الممارسة، ريثما تتوافر البيئة الضرورية للتطوير التقاني المحلي النشط.
• 6. يمكن تعزيز إنتاج المعرفة بإقامة علاقات مع مراكز الأبحاث الدولية المتقدمة ومؤسسات البحث والتطوير الأخرى. شريطة أن تساعد هذه الروابط على تحسين التطوير العلمي والتقني عندنا لا أن تعمق التبعية للمصادر الأجنبية.
بالنسبة للتمويل
يحتاج حفز البحث العلمي إلى رغبة سياسية جادة في توطين العلم وتأسيس البنية التحتية اللازمة له وهو أمر يحتاج إلى مخصصات مالية تفوق ما ينفق في البلدان العربة على البحث الذي لا يتجاوز 0.2% من الناتج القومي (القاسم، 1999)
ب. الأستاذ (الهيئة العلمية)
– عوائق في وجه الهيئة العلمية:
1. من شروط ازدهار البحث العلمي في أي مجتمع توافر بيئة صحية تشجع العلماء والمبدعين وتوفر لهم الظروف المواتية لممارسة عملهم .
2. ومن غير المتوقع أن تتوافر تلك البيئة المشجعة للإبداع خاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية في ظل نظم سياسية غير ديمقراطية لا تعبر عن مصالح مواطنيها فيفقد الناس الثقة في قدراتهم على الفعل والمبادرة الحرة.
3. وإذا رجعنا إلى القوانين المنظمة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات، نجد أن معظمها يتضمن لوائح ونُظُماً تحد من استقلال تلك المؤسسات وتضعها في علاقة تبعية مباشرة للنظم السياسية الحاكمة .
4. ويترتب على ذلك تقليص الحريات الأكاديمية، وتشجيع الأساتذة على الابتعاد عن الإبداع أو التجديد الذي قد يؤدي إلى إثارة قضايا خلافية أو قد يثير مشكلات سياسية وتكون النتيجة أن تقتل روح الإبداع في الباحثين.
5. ويبقى التميز موجوداً وهناك مجموعة من الباحثين الممتازين في جامعاتنا إلا أن تميزهم هذا يكون نتيجة مجهودات فردية وظروف شخصية وليس بسبب وجود دعم مؤسسي، وهو ومن ثم لا يؤسس تياراً أو اتجاهاً ( تقرير التنمية الإنسانية العربية ، 2003).
6. ويؤثر مناخ الحرية كذلك في مدى وصول المنشورات العلمية والأدبية والفنية إلى الأساتذة، وصعوبة الاتصال بقواعد المعلومات الموجود في مراكز البحث وبنوك المعلومات. ويواجه الناشرون صعوبة بالغة في توزيع الكتب والدوريات الصادرة من بلد عربي ما في بقية الدول العربية لأسباب عديدة.
– ما يحتاج إلى تحقيق من أجل الأستاذ (الباحث)
1. تشجيع روح المبادرة والمنافسة يعزز ويدعم البحث والتطوير داخل المجتمع، كما أنه لابد من التفهم بأن أنشطة البحث والتطوير الجادة هي بطبيعتها طويلة المدى وتدعم القدرات الحقيقية للتنمية في المجتمع.
2. إن ثقافة البحث والتطوير تنشأ وتتطور في وجود بنية اجتماعية تثمن وتقدر مبدأ التجربة والخطأ، وتدرك بعمق قيمة النجاح والعائد الذي يترتب عليه. ولهذا نحتاج إلى تدريب الأستاذ على التعود على البحث، وعلى اعتباره أمرا ضروريا له باعتباره أستاذا.
3. توفير الحوافز طويلة الأجل للباحثين، بما في ذلك من تهيئة تقدم وظيفي مضمون للباحثين، بالإضافة إلى عائد مجزٍ للاكتشافات العلمية المتميزة، والدراسات الجادة، وتوفير راتب مريح يصرف الباحث (الأستاذ) عن اللجوء إلى طرق أخرى لتحصيل معاشه مما يصرفه عن أداء دوره الأكاديمي والعلمي..
4. يقع على الدولة مسؤوليات دعم الأنشطة التجارية التي تهدف إلى تعزيز عمليات البحث والتطوير، وذلك من خلال تشريعات ضريبية تفضيلية، وإعطاء حوافز كبيرة للأنشطة الرائدة، والتطبيق الجـاد لقوانين الملكية الفكرية لحماية العوائد الاقتصادية للإنجازات المميزة لتطبيقات نتائج البحث والتطوير، ودعم وتشجيع الاستثمار عالي المخاطر عن طريق توفير تمويل وتسهيلات ائتمانية للمشروعات التي تتناول المراحل المبكرة للمنتجات والخدمات المستحدثة .
ج.الطالب:
يمثل الطالب طرفا مهما في عملية إصلاح الجامعة والانتقال بها من دورها التقليدي إلى دورها الاستراتيجي الجديد، وهو في ذلك يقوم بدورين؛ أحدهما يكون فيه محلا للعناية من قبل الإدارة والهيئة العلمية، وثانيهما يكون مؤثرا ومؤديا لدور المساهم في عملية التحول.
-واجب الجامعة اتجاه الطالب
على الجامعة أن تدرج الطالب في مشروع إنتاج المعرفة وذلك من خلال:
-انتقاء الطالب واختياره.
– توجيهه إلى التخصص المناسب لقدراته التحصيلية.
– تمكينه من أن يتمتع بحرية أكبر في اختيار مجال تكوين وبمرونة أكثر في الانتقال وتغيير المسارات التكوينية.
– توفير مناهج التعليم المتجددة والمواكبة لتطورات العملية التعليمية لعصرنا.
– تدريبه على الاحتراف في البحث العلمي عموما، وفي ميدان تخصصه بشكل أساس.
– تعليمه المشاركة الاجتماعية من خلال تخصصه العلمي.
– إتاحة  التجهيزات والأدوات اللازمة لتشجيع وتعزيز القدرات والهوايات في إطار، وخارج إطار، النظام التعليمي مطلب حيوي لإحياء وتعزيز ثقافة وروح البحث والتطوير.
– تفعيل روح الإبداع والابتكار في مجال البحث والتطوير وتقوية العزيمة والمثابرة والإصرار على النجاح.
-واجب الطالب.
– على الطالب أن يقتنع أيضا بأنه شريك رئيسي في المنظومة التي تؤمّن تكوينه وتحدد مستقبله.
– تحمل مسؤولية أكبر في اختيار مستقبله المهني عبر ثقافة بعث المشاريع.

أين النخبة التي تبني الحضارة؟

لقد قضى العالم الإسلامي وقتا طويلا من عمره الحضاري باحثا عن نقطة بداية لإعادة بناء حضارته من جديد، وإعطاء نفسه الحضاري دفعة تخرجه من حالة التراوح والتبطل التي استنفدت قدراته في جهود مضنية. وكان لمالك بن نبي –عليه رحمة الله- رأي في مسألة التخلف الحضاري الشامل التي يعانيها العالم الإسلامي، ورأى منذ الأربعينات من القرن الماضي أن العالم الإسلامي يهدر طاقته في حل مشكلات جزئية متغاضيا عن المشكلة الكلية التي تحتوي كل تلك المشكلات، ألا وهي مشكلة الحضارة. ورأى أيضا أنه طالما أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الرؤية الواضحة لما يريد أن يقوم به فإنه لن يتمكن من صياغة مشروع للنهضة أو الخروج من التخلف، ولن يتمكن من تحديد وجهته ولا بناء منهج لبناء الحضارة، وذلك في تصوره راجع إلى أن “الرؤية تحدد المنهج والوجهة”. وبعبارة أخرى، فإن تصورنا لمشكلة العالم الإسلامي تصور جزئي ومفكك، ولذلك فإن فهمنا للمشكلة فهم جزئي وعقيم لأنه لا يحيط بكل أبعاد المشكلة، ولذلك فإن الحلول التي طُرحت كلها حلول جزئية، إن اهتمت بجانب أغفلت –عن قصد أو غير قصد- جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب الذي أولته اهتمامها. فأنتجت هذه التصورات الجزئية رؤى متناقضة ومشوهة وقاصرة في أغلب الأحوال، وغير قادرة على صياغة منهج لحل المشكلة الأم ولا لحل المشكلات الجزئية المتراكمة.
ولذلك فإن أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة على كل متامل في ما نحن فيه من تردٍّ وتهلهل وتخلف شامل في العالم الإسلامي؛ فلما ذا لم نستطع امتلاك هذه الرؤية المتكاملة لمشكلتنا في العالم الإسلامي؟ ولماذا لم نستطع بناء منهج قادر على الخروج بنا من المحنة التي نحن فيها؟ لعل هذا النوع من الأسئلة تراود كل من اهتم بأمر المسلمين وسعى إلى المساهمة في فك خيوط الأزمة التي أحكمت. ولا شك أن كثيرا من الإجابات راودت كل من طرح هذه الأسئلة على نفسه. وفي تصوري، فإن الإجابة عن الأسئلة السابقة يمر حتما بالإجابة عن سؤال أو أسئلة أخرى تتعلق بمن يتولى صياغة الرؤى الحضارية، ومن يقوم على بناء مناهج التغيير؟ هل هم عامة الناس؟ أم هم النخبة من المجتمع؟ وإذا استقرأنا التاريخ؛ تاريخ التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمعات رأينا أن هناك دائما “فرقة” تقوم بالمبادرة بحمل لواء التغيير، وتتبنى الأفكار والمشاريع والبرامج الجديدة التي تسوغ على وفقها نمطا جديدا للتفكير وصورة جديدة عن العالم، وبالتالي منهجا جديدا لمعالجة الأمور. ولنا في الأنبياء وأتباعهم أسوة حسنة، ولنا في تاريخ النبوات، وتاريخ الأفكار الكبرى، والأمم التي تعاقبت الريادة الحضارية في العالم، والمجتمعات التي سادت ثم بادت. لنا في كل هؤلاء خير دليل على أن هناك “نفر” من كل “فرقة” يقومون بتغيير “القوم” وبصياغة منهج جديد للحياة. ولذلك فإن مسألة القيادة التي هي النخبة أو النفر أو الفرقة التي تتولى شؤون القوم وإنذارهم وإبلاغهم وقيادتهم بالتعبير القرآني هي المسألة المركزية في صياغة الرؤية والتصور الكلي الشامل من أجل أن تتبنى منهجا يخرج قومها من ظلمات الفوضى إلى نور المنهج الواضح الأسس البيّن الخطوات من أجل تحقيق مبادئ النخبة والمجتمع في أرض الواقع. وفي هذا السياق فإن المشكلة في تصوري تتعلق بنمط القيادة التي تقود عملية التغيير الحضاري، ومدى وعيها واستيعابها للمعطيات المختلفة للواقع المعاصر ولما يتطلبه القيام بمشروع بناء الحضارة من جديد من وضوح للرؤية وتوفر منهج شمولي متكامل للتغيير. والحديث هنا يتجه أساساً إلى العلماء والمجتهدين والمثقفين، إلى النخبة التي تقود المجتمعات الإسلامية، ومدى قدرة هذه القيادات على قيادة مشروع بناء الحضارة الإسلامية من جديد، إن نظريا أو عمليا. ذلك أن مستقبل العالم الإسلامي يناط بالقيادة التي تمتلك القدرة على شق الطريق اليبس في بحر الأزمة الخانق، وأن تكون قادرة –في رأي الجماهير من الناس- على فعل المعجزات التي تحول مسار التاريخ في لحظاته المدلهمة، وتنير الدرب بفعل تجاوزها ليوميات الأحداث، من خلال قدرتها على استشراف المستقبل، ورسم مسارات العمل المستقبلي، والحد من الخسائر، وتحفظ المحتوى العقائدي لما تحمله من أفكار، حتى لا يفرغ من محتواه أو يحوّر أو يبدل. غير أن مؤسساتنا بكل تنوعها؛ الدعوية والسياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، غير قادرة اليوم أن تواكب نمط التحولات السريعة والهائلة التي تحدث بفعل عصر العولمة الذي نعيشه، ولذلك فهي غير قادرة على صياغة المجتمع وفق التطلعات التي تؤمن بها. كما أن النخبة بمختلف طبقاتها اليوم في عالمنا الإسلامي غير قادرة على أن تحمل في وعيها آمال الجماهير وغير قادرة على توجيه هذه الجماهير أيضا. بل إن هذه النخبة التي من المفترض فيها أن تكون هي المعبر عن آمال وتطلعات الناس من جهة، وأن تكون هي مجسات الوعي من جهة أخرى قد انغلقت على نفسها، ولم تعد قادرة على متابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم. ولذلك فإن النخبة في العالم الإسلامي اليوم مدعوة إلى مراجعات جوهرية لكل الأطروحات التي تتداةلها منذ أمد، وعلى مختلف الأصعدة، ومن كل الأطراف. وعلى النخبة أيضا أن تعيد ترتيب أولوياتها ووضع خط فاصل وواضح بين القيم المبدئية التي لا يمكن أن تتغير وبين المواقف والخطوات الإجرائية التي يمكن التراجع عنها أو تغييرها أو تطويرها أو تجاوزها إلى ما هو أكثر نضجا ونجاحاً وقابلية لتحقيق مقاصد القيم الأصلية المبدئية وتحقيق مصالح الأمة.
وعليه فإن النخبة مطلوب منها اليوم ان تعيد تشكيل مواقفها وفق المبادئ الكبرى للأمة بشكل واضح وصريح ومؤسس ومنهجي، وأن لا تلجأ إلى التلفيق بين المفاهيم، ولا التركيب المشوه بين مختلف المقولات والتصورات. كما ان على النخبة أن تعيد النظر في مفاهيمها التقليدية الموروثة شواء من تراثنا الإسلامي أو من التراث الحضاري للأمم الأخرى، ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة والبرهان العلمي والحوار المنفتح على الآخر، القابل للحقيقة مهما كان مصدرها، خاصة إذا علمنا أن الإسلام لا يُخشى عليه من أي فكرة أخرى، بل إن الإسلام ذاته ما هو إلا رسالة لإتمام المكارم التي بين الناس. ومن هذا المنطلق، فإن النخبة يكون أمامها مجال فسيح للاجتهاد المحتكم إلى القيم الثابة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تسترشد بعد ذلك بما استقر من صالح الكسب البشري من فكر وثقافة وحضارة شحذتها وهذبتها الخبرة الانسانية الطويلة الأمد. وعليه، لا نكون في اجتهادنا أمام خطر الانحراف عن القيم الكلية الثابتة لأن القرآن مصدِّق ومهيمن على كل تجربة أو فكرة، ولا نكون أيضا أمام خطر التخلف عن مواكبة الأحداث، لأن الانفتاح على مختلف التجارب يذكي الخبرة وحس الخطأ والصواب لدى الأمة، ويقوي مجسات التحقق من صلاح التجارب على اختلاف مصادرها ومدى مواءمتها لمختلف المشكلات التي تهدف النخبة لحلها. ونختم حديثنا هذا بالتأكيد على أن سلوك نهج الحضارة، والعمل على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، والتمكين للإسلام والمسلمين لن يتحقق طالما بقيت النخبة في العالم الإسلامي غير قادرة على بناء رؤية واضحة من خلالها تستطيع تحديد القيم والمبادئ الكلية وتحديد المنهج ذي الإجراءات العملية لتحقيق مقاصد هذه القيم في دنيا الناس.