كل المقالات بواسطة د. بدران مسعود بن لحسن‎

استمارة قاعدة معلومات الباحثين

أرجو من الأصدقاء والزملاء والباحثين جميعا تعبئة الاستمارة وإرسالها، ليسهل التواصل العلمي في مشاريع الاستكتاب المستقبلية التي يقوم فريق البحث بإعدادها، كما يمكنكم اقتراح مشاريع بحثية ترونها ملحة ومهمة.
وهذا بريد التواصل
researchdatabasis@gmail.com
استمارة قاعدة معلومات الباحثين https://t.co/ifoFf1WDVD

يا شبابنا.. من قدوتكم؟

نشر بجريدة العرب القطرية يوم الجمعة، 01 أبريل 2016
يحتاج الناس عادة إلى نماذج بشرية يتخذونها قدوة في حياتهم، ولاسيَّما في مرحلة الشباب حيث تكون القدوة أهم سبيل لتشكيل الشخصية. كما يحتاج الشباب ومن هم في سن المراهقة إلى شخصيات واقعية، إما من واقع الحياة أو من التاريخ، يتخذونها ملهما لهم، ويقلدونها في تصرفاتها وأفكارها، وطريقة حياتها، ذلك أن الإنسان في هذه السن لم يرتق بعد إلى مستوى التجريد النظري الذي يستطيع من خلاله أن يستقل بشخصيته.
فالشاب الذي بدأت قواه الإدراكية في التطور، وأخذت قواه النفسية في النمو، يحتاج إلى نموذج عملي مشخص يتمثله، ويبني عليه شخصيته، ويقلده في تصرفاته، ويتبعه في أفكاره. ولهذا كانت مرحلة الشباب والمراهقة، هي المرحلة الخطيرة في حياة الإنسان، حيث يتشكل فيها وعيه المستقبلي الذي يهيمن على حياته في مرحلة النضج واكتمال النمو.
ضرورة القدوة
وفي هذا السياق فإن مسألة القدوة تثار بشكل ملح، وتأخذ أهمية كبرى لما لها من دور توجيهي لقدرات الشباب وأفكارهم وأحلامهم.
ولقد تفطن لذلك الغربيون، فعملوا على صناعة شخصيات اجتماعية وثقافية وفكرية وفنية وسياسية ورياضية ودينية ذات صيت عالمي، وسمعة واسعة الانتشار، وبريق أخاذ، وحضور مستمر في صناعة الحدث بمختلف أوجهه.
والمراهقون يحتاجون في بداية حياتهم إلى نموذج بشري يتخذونه قدوة لهم. فنرى بعضهم يقتدي بنجوم الرياضة أو الممثلين أو المغنين، يقلدونهم في حركاتهم ولباسهم وتسريحة شعرهم وطريقة كلامهم.
خطر العولمة
وفي مرحلة العولمة وزوال الحدود بكل أشكالها، مما كان يعتبر حدودا تحمي الداخل في وجه أي تسرب للآخر إلى حصوننا، فإن التدفق الإعلامي والمعلوماتي وانتشار الثقافة الغربية بفعل الهيمنة والقوة الحضارية الغربية، جعلنا في موقع المغلوب المتأثر بغالبه، المقلد له.
وبما أننا لا يمكن أن ننعزل عن غيرنا في هذا العالم الذي صار قرية صغيرة تتجاوب بعض جنباتها مع ما يحدث في جنباتها الأخرى، فإننا أمام خطر حقيقي يتهددنا في وجودنا الحضاري، وفي شبابنا الذين هم رصيدنا المستقبلي.
والخطر في أن ينشأ هذا الشباب على نماذج غير التي نريد، ويتخذ قدوات غير ما نصبو إليه من التميز الديني الحضاري. فشبابنا اليوم ينشأ مبهورا بالمشاهير الغربيين أو حتى المشاهير المحليين من أبناء جلدتنا الذين لا يختلفون عن الغربيين إلا في الاسم.
قدوات ممسوخة
فشبابنا اليوم ينشأ متأثرا بنماذج جذابة في ظاهرها من الرياضيين، والممثلين، والفنانين، وبعض الكتاب والمفكرين، والسياسيين، ودعاة حقوق الإنسان وحماية البيئة والحيوان وغيرها.
غير أن المطلع على خبايا حياة هذه النماذج التي انبهر بها شبابنا يجدها أبعد ما تكون عن النموذج الصالح، فمعظمهم غارق في الانحلال الخلقي، والمخدرات، والجنوح نحو الشذوذ، والخروج عن الفطرة.
بينما نحن أحوج ما نكون إلى نماذج قوية في شخصيتها، طاهرة في نفسها، طيبة في سريرتها، سليمة في عقيدتها، متكاملة في شخصيتها، سابقة في أصالتها، مستقيمة مع فطرتها، واقعية في تجربتها، صالحة لأن نقتدي بها.
وبخاصة ونحن نسعى إلى التميز عقديا وحضاريا، والتفاعل مع غيرنا من الأمم بأصالة وفعالية، من أجل أن نسجل حضورنا بين الأمم، وأن نستعيد مكانتنا الحضارية الإسلامية كما كانت عليه من قبل رائدة للحضارة البشرية وهادية لها إلى عبادة الله الواحد الأحد وعمارة الأرض وتحقيق الاستخلاف.
الرسول قدوتنا
ولهذا فالسؤال الموجه إلى كل واحد منا: مربين وطلابا، ولاة أمور ورعية، حكاما ومحكومين، رجالا ونساء، شبابا وشيوخا، أن نسأل أنفسنا: ما النماذج الصالحة للاقتداء؟ ومن يصلح أو من تصلح أن نتخذه أو نتخذها قدوة لنا؟ ومن يمكن له أو لها أن يتبوأ مكانة المثال والنموذج المقتدى في نفوسنا جميعا وفي نفوس شبابنا خصوصا؟
ولا شك أنا بقليل من التأمل في الشخصية التي نتخذها وشبابنا قدوة هي شخصية محمد صلى الله عليه وسلم وشخصيات آله وزوجاته وأصحابه.
فقد كان النبي نموذجا في طفولته وشبابه وكهولته. كان نموذجا في الطموح، والعفة، والصبر، والأمانة، والصدق، والجد، والهزل. كان نموذجا في حياته الخاصة والعامة، وفي ثقافته، وتدينه، وسياسته، وعلاقاته الاجتماعية، ونشاطه التجاري. كان نموذجا في أسرته، وأولاده، وفقره، وغناه، وفرحه، وحزنه، وغضبه، ورضاه. كان نموذجا في حياته، ومماته، وعلمه، واجتهاده، وحربه، وسلمه.
ذلك هو النموذج الذي ينبغي أن نتخذه قدوة، ليس لأنه نبينا فقط، ونؤمن به ونصدقه ونتبع، ولكن لأنه كان فعلا نموذجا ناجحا بكل المقاييس، وبكل المعايير، ومن مختلف الأوجه، وعلى مختلف المستويات. فلا ينكر نموذجيته أحد، مسلما كان أو غير مسلم.
بل إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان نموذجا عمليا وواقعيا بلغت نموذجيته أن شكل نماذج أخرى تشع قدوة ومثالية، نساء ورجالا وأطفالا، بنى بهم أمة وحضارة لم تُسبق في التاريخ.
ذلك هو فعلا النموذج الجدير بالاقتداء والتمثل والاتباع من قبل شبابنا، شباب أمة تطمح إلى استعادة دورها في الشهادة والريادة، ولتكون مرة أخرى “خير أمة أخرجت للناس”.

الشهادة على الناس في عصر تزاحم القيم

نشرت بجريدة العرب القطرية يوم الجمعة، 22 أبريل 2016
الشهادة على الناس في عصر تزاحم القيم
د.بدران مسعود بن لحسن
لعل من القضايا الملحّة التي تواجه المسلم، بشكل مباشر، قضية كيفية تحقيق ذاته، والحفاظ عليها. هذه الذات التي عمادها الإسلام، استمرار لخط النبوة الذي تواصل عبر سلسلة طويلة من أول الأنبياء عليهم السلام، إلى محمد خاتم الأنبياء والمرسلين عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام.
منذ أن جاء الإسلام فتح الآفاق أمام المسلم، واختار له دور الشهادة، وحدد له الموقع الوسط، ليحقق أمانة الاستخلاف، ويعبد الله تعالى، ويُعبِّد الناس له عز وجل، ويحررهم من عبادة غير الله، من أنواع الآلهة المتعددة كالتقليد والهوى والأشخاص والأشياء، وكل الأوثان بأنواعها، والعقائد باختلافاتها، ليجتمع شمله، وتتوحد وجهته، ويقصد في سيره إلى ملاقاة الله عز وجل.
هذه الرسالة، هي رسالة الوسطية والشهادة، قال تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} [ البقرة، 143]، رسالة محددة من عند الله عز وجل، وليس لنا أن نختار دورا أشرف من دور الشهادة.
تحديات عصر جديد:
وإذا تأملنا سيرة السلف الصالح، نجد أنهم أدوا دورهم، وحققوا الريادة، وشهدوا على الناس، بفعل حضورهم. غير أن مسلم اليوم يواجه المسألة من جديد، وفي عصر يختلف عن العصور السابقة، بما شهدته البشرية من تقدم، وتطور، ونضج، وبما شهدته وتشهده من إنجازات حضارية مذهلة في عالم المادة، والفكر، والمعرفة، والقيم، لها آثارها في المجال النفسي، والأخلاقي، كما شهدت تغيرات جذرية، وعواصف كبرى على التاريخ الإنساني.
في هذا العصر الذي «نما فيه واقع المجتمعات المعاصرة وتمدد خارج إطار المرجعية الإسلامية»، وفُرضت على المسلم تحديات متنوعة، «ولم يعد في وسع القياسات الفقهية الجزئية والتلفيقات الفكرية المرتجلة أن تحقق أمرا ذا بال»، وذلك للفارق النوعي بين مجتمعات الأمس ومجتمعات اليوم.
اختلاف نوعي:
فالاختلاف «النوعي بين المجتمعات المعاصرة المعقدة والمجتمعات القديمة البسيطة، يستلزم إصلاحا جذريا نوعيا شاملا» كما يقول الدكتور طارق رمضان.
ولعل هذه التحديات تدفعنا إلى معرفة طبيعتها، ومصادرها، وخصائص العصر الذي أنتجها، لإعطاء مبرر علمي للقيام بتحديد الدور الذي علينا القيام به وتحقيق الشهادة التي أناطتها الآية الكريمة بأمتنا.
كما تتطلب منا صياغات علمية وعملية، لرفع التحدي وتجاوز مرحلة الغثائية والوهن التي نحن فيها، وتقينا من هدر الإمكان، وتكرار الفشل، والارتكاس المتكرر، وصياغة مشروع حضاري يسهم في البناء الحضاري للأمة، وحل أزمتها؛ التي هي في عمقها أزمة حضارية شاملة، تقتضي عدم التجزئة؛ إن في الطرح أو التحليل أو العلاج.
كما تقتضي المرحلة التي نعيشها الارتقاء إلى مستوى الأحداث الإنسانية كما يقول مالك بن نبي، للإسهام في صنعها، وتوجيهها، وتقديم الحلول لها.
وهذا في الحقيقة يتطلب منا التفكير في طبيعة المجتمعات اليوم، في بنيتها، في العلاقات فيها، في أسسها، وفي العلاقات بين المجتمعات المختلفة، ماذا بقي فيها ثابتا؟ وماذا تغير فيها ولم يعد ينفع معه الفهم القديم؟ وعن القيم الحاكمة في زمننا هذا في مختلف المجتمعات، هل تتوافق أم تتصادم أم تتزاحم؟
الحاجة إلى حوار معرفي وأخلاقي:
وقد تم تنظيم مؤتمر علمي من قبل مركز التشريع الإسلامي والأخلاق في كلية قطر للدراسات الإسلامية في بداية هذا الشهر، تحت عنوان «تزاحم القيم في العالم المعاصر: إسهامات إسلامية»، وذلك لمعالجة مثل هذا الموضوع، الذي يسائل دورنا كأمة شهادة ووسطية وخيرية عن دورنا في عالم اليوم، وكيف نتحمل مسؤوليتنا في التواصل مع العالم، وتبليغه رسالتنا، والقيام بدورنا، خاصة أن عالم اليوم يكاد يكون مختلفا تماما عن الماضي، في بنيته وفي رؤاه وفي واقعه وفي تعقيداته وتشابكاته بين الأمم والشعوب والحضارات والأديان، وصارت القيم فيه في تزاحم شديد.
وقد طرح المؤتمر، من بين ما طرح من قضايا، سؤالا مهما عالج فيه إشكالية منهجية مهمة تتعلق بكيفية التعامل في حالة «تعارض القيم»، كذلك عن كيفية «تحديد سلمها عند التعارض»، وكيف نوازن بين القيم المختلفة؟ وما المعايير التي بها وعلى أساسها نقدم أو نؤخر قيمة عن أخرى؟ ومن أمثلة ذلك قيمة العدل وقيمة السلم، وكيف نتعامل معهما؟ ليس في المستوى النظري فحسب، بل في الواقع، وواقعنا الإسلامي والعربي يشهد تصادما شديدا بين رؤى مختلفة في كيفية التعامل مع هاتين القيمتين عند تواردهما في المحل نفسه.
ولعل واقع الثورات العربية والثورات المضادة وسعي الشعوب إلى التحرر، وسعي الأنظمة المستبدة والقوى المتنفذة إلى إجهاض حريتها، واستغلال العالم الخارجي لظروفنا، والتلاعب بمصيرنا، مما يطرح على الفاعلين من علماء ومثقفين وسياسيين وقادة، أسئلة مهمة للبحث في تحديد منهجي لكيفية التعامل في حالة التعارض أو التصادم أو التنازع أو التزاحم بين هذه القيم، تحقيقا «للتفاعل الدائم بين المبدأ والمصلحة العملية»، وخروجا من حالة التراوح والتبطل والاهتلاك الداخلي بين قوى الأمة.
إننا في حاجة إلى حوار معرفي وأخلاقي حول هذه القضايا الملحة لتحقيق دورنا في الشهادة والخيرية والوسطية المخرجة من التفرق.
http://www.alarab.qa/story/841411/%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%B9%D8%B5%D8%B1-%D8%AA%D8%B2%D8%A7%D8%AD%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%8A%D9%85#category_23

شعوبنا بين الدواء والمخدر

بدران بن لحسن
نشرة بجريدة العرب القطرية بتاريخ 19 أغسطس 2016
جرى العرف والعادة أن أغلب الأدوية طعمها ليس مستساغا، ورغم ذلك فإن الناس يقبلون على تناول الدواء مهما كان مذاقه إذا كان تشخيص الطبيب للمرض أوصله لوصف ذلك الدواء ليعالج به المريض مرضه، ويكون المريض راض بتناول الدواء لثقته في أن الطبيب حين وصف له ذلك الدواء المر فهو لمصلحته، لأن الطبيب خبير وثقة يجب إعمال وصفته التي وصفها.
بينما جرت العادة أن الناس تستنكر تناول المخدرات، لأنها تؤدي إلى هلاك صاحبها أو ذهاب عقله ووقوعه في الإدمان الذي يجعله أسير عادات سيئة، ويفقد فيها تحكمه في شخصيته ويفقد مركزه الاجتماعي، ويصاب بحالات نفسية مرضية، وتنهار قيمته الأخلاقية، ويفقد وظيفته أو عمله، ويفلس ماله إن كان له مال، رغم أن أغلب المخدرات تكون في صيغة محببة كما يقول العارفون بها، ويروج لها بطريقة تجعلها مغرية، ولهذا لا يثق أكثر الناس بمن يروج للمخدرات، ولا يغتر بها، ولا يتناولها، لعلمه بمآلاتها الوخيمة عليه وعلى أسرته ومجتمعه في مختلف أبعاد وجوده.
إذا كان هذا يصح بشأن الدواء الموجه للأبدان، والمخدرات المفسدة للعقل والبدن، فماذا نقول عما يتعلق بالفكر والروح والمجتمعات والشعوب التي تتعرض أيضا لأمراض، وتحتاج لأطباء يشخصون أمراضها، ويصفون العلاج لأمراضها الدينية، والسياسية، والفكرية، والثقافية، والنفسية، والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.
فإن شاء خبراء هذه الشعوب ونخبتها وقادتها أن يشخصوا أمراضها ويصفوا لها العلاج فذلك ما سيساعد في علاج مشكلاتنا، وإن اكتفى الأطباء بتمجيد ماضيها، ومدح واقعها، وملء صفحات حاضرها بالشعارات المنومة التي تجعل الشعوب تنتشي وتدخل في سبات عميق يخالف حقيقة الواقع، فتلك مصيبة كبيرة، لأن الشعوب إذا انتبهت ووجدت أنها ترزح تحت التخلف، وغارقة في مشاكل متراكبة ومتراكمة، فسيكون من الصعب علاجها، لأنها صارت مدمنة على التخلف، آلفة له، راضية به.
واقع نخبنا مع شعوبهم
والواقع أن نخبتنا اليوم تجامل الشعوب حتى تنال مكاسب آنية من جاه ومنصب ومكانة بين قومها، في خيانة واضحة لمبدأ المناصحة، ولما تقتضيه مكانة المثقف والنخبة في المجتمعات، ذلك أن المثقفين والنخبة وقادة المجتمع هم «المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» كما جاء في الحديث، لأنها قلب المجتمع.
بل هي ذلك المحول الذي يحول الطاقات الكامنة إلى طاقات متحركة تدفع الشعوب والمجتمعات نحو النهضة والإنجاز والتنمية، أو كما قال الأستاذ مالك بن نبي عليه رحمة الله متحدثا عن دور النخبة المثقفة في مجتمعاتنا المسلمة، حيث قال: «إن وظيفة المثقف المسلم تجاه مجتمعه هي مثل وظيفة المحول، يمكن تحويل طاقة كامنة في القرآن ويبعثها في النفوس في المجتمع».
فالمطلوب من المثقف أن لا يكون مخدرا لمجتمعه، بل مطلوب منه أن يكون مصدرا لتحويل تلك الطاقات الكامنة في دين المجتمع وتاريخه وعاداته وثقافته إلى طاقة محركة للنفوس وللمجتمع، عن طريق تشخيص حاله وتمييز الحالات الصحية من الحالات المرضية، ووصف العلاجات المناسبة، مهما كانت قاسية، بل قد يضطر المثقف أو النخبة إلى عمليات جراحية بالغة التعقيد تستأصل ثقافة التخلف وتزرع ثقافة النهضة، وتقوم بإزالة معوقات النهضة وبناء التحول النفسي والفكري والثقافي الذي يهيئ هذه المجتمعات لتنطلق منجزة نهضتها، متحملة ما يقتضيه ذلك من معاناة وتضحية وضريبة عالية لتحقيق التفوق والنهوض الحضاري.
تجارب أمم
ولنا في شعوب كثيرة في العالم أسوة، فقد كان مثقفوها روادا لها في تشخيص أمراضها، ووصف علاجها، والخروج بها من أمراض التخلف الكثيرة، من خلال الصراحة مع شعوبهم، وعدم مجاملتهم، وعدم الوقع تحت أوهام المنصب أو الرضا بالجاه أو ثقافة العناوين والشهادات، وإذا ما ألقينا النظرة على التجربة اليابانية فسنجد خير مثال، حيث انطلقت في «العهد الميجي» في الوقت الذي انطلقت فيه جهود النهضة في مصر في القرن التاسع عشر، لكن النخبة اليابانية أنجزت ما لم تنجزه النخبة في مصر، وقد استفادت التجربة الكورية الجنوبية من مثيلتها في اليابان، ذلك أن النخبة الكورية اعتمدت على مصارحة شعبها بحالته بعد خروج كوريا من الحرب في الخمسينيات من القرن العشرين، ناهيك مما حققته الصين التي تحولت خلال 60 سنة من بلد محتل إلى بلد ينافس الاقتصادات الكبرى بفعل جهود «ماوتسي تونج» والنخبة الصينية التي كانت حازمة في تعاملها مع مجتمعها لتحمله على النهضة.
ولعل التجربة الماليزية هي الوحيدة من كل التجارب المسلمة التي حققت نجاحا بفضل سياسات مهاتير محمد الذي دأب على مصارحة شعبه حول أمراض تخلفه دون مجاملة، مما جعله يقطع شوطا كبيرا في الخروج بماليزيا من التخلف.
فمتى نصارح شعوبنا العربية بأمراضها، ونصارح مثقفينا بأمراضهم، بدل الإصرار على الضحك على أنفسنا، والبقاء أذلة بين الأمم؟! الصراحة مؤلمة ومرة، وهذا شأن الدواء، فهو مر لكنه يعالج، أما المجاملة والمديح فحلو ممتع لكنه مخدر، يجعلك تنتشي وأنت في الحضيض تكاد تهلك، لذا علينا أن نتوقف عن ترويج المخدرات الفكرية والدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ونتجه إلى تشخيص أمراضنا بعلمية قائمة على سنن الله المختلفة، وتوصيف العلاجات اللازمة المناسبة.
http://www.alarab.qa/story/944049/%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1#category_23