أبريل 02 2009

دور المنظمات المدنية الإسلامية في تعميق التعاون مع دعاة السلام في العالم للدفاع عن الإنسانية (1)

كتب بواسطة : badrane

بقلم: الأستاذ الدكتور شندرا مظفر
ترجمة: بدران بن الحسن
نشرت بموقع الشهاب للإعلام بتاريخ 1-6-1424 هـ الموافق 30-7-2003
البروفسور شندرا مظفر مثقف إسلامي ناشط في مجال حقوق الإنسان وحوار الحضارات ورئيس الحركة العالمية من أجل عالم عادل (JUST) التي تتخذ من ماليزيا مقرا لها. اشتغل أستاذا في العلوم السياسية بجامعة ملايا، ومؤسس ورئيس سابق لمركز حوار الحضارات وهو عضو في العديد من المنظمات المدنية العالمية مثل الحركة العالمية ضد التمييز والعنصرية (بلجيكا) وعضو اللجنة الآسيوية لحقوق الإنسان. نشر البروفسور مظفر العديد من الكتب والدراسات حول حوار الحضارات وحقوق الإنسان والشؤون السياسية لماليزيا ومنطقة جنوب شرق آسيا. في هذه الدراسة، التي ننشرها على حلقات، يقدم البروفسور مظفر مقاربة منهجية حول الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه المؤسسات المدنية الإسلامية على صعيد التأثير في منحى السياسة العالمية.

تقديما للموضوع، نحاول أن نعرف مفهوم “المنظمات المدنية الإسلامية” ومفهوم “دعاة السلام” (Peace Advocates)”. المنظمة المدنية الإسلامية هي مؤسسة غير حكومية التي تتبنى شعار الإسلام في اسمها أو مصطلحا آخر له علاقة بالدين، مثل “منظمة الشباب المسلم في ماليزيا” التي تقع ضمن الصنف الأول، و”جماعة الإصلاح –ماليزيا” تقع ضمن الصنف الثاني.
أما هيئات “دعاة السلام” فإن مجالها أكثر اتساعا. فكل الهيئات والحركات التي تعارض الحرب وتطالب بالسلام، وخاصة في سياق حرب العراق الأخيرة، تقع ضمن هذا الصنف. ومن أمثلة المنظمات التي تنضوي تحت هذا الصنف نجد “مركز الفعل الدولي” في نيويورك، و”التحالف الأسيوي للسلام” الذي يقع مقره في هونغ كونغ، و”مركز عالم الجنوب” الذي يقع في بانكوك(1).
وقبل أن نختم مناقشتنا للتعاريف، علينا أن نعي مسألتين شائكتين فيما يتعلق بالمنظمات المدنية الإسلامية ودعاة السلام؛ إن الحرب على العراق لقيت معارضة قوية من قبل المنظمات المدنية الإسلامية التي تنشط في البلدان غير المسلمة أكثر من المنظمات المدنية الإسلامية التي تنشط في البلدان المسلمة. وهذا راجع أساسا إلى الحقيقة التي لا تنكر بأن الدول التي فيها 100% تقريبا من المسلمين ليس فيها مساحة أو مجال لتأسيس الجمعيات المدنية أو أي هيئة أو مؤسسة حرة ومستقلة عن الرقابة الحكومية.
وهذا الأمر نفسه مع دعاة السّلام الذين هم أكثر نشاطاً في البلدانِ الدّيموقراطية غيرِ المسلمة في الغرب،ِ منهم في البلدانِ المسلمةِ في العالم العربي أو آسيا. وهذا أيضا بسبب البيئةِ السّياسيةِ الدّيموقراطيةِ في الغربِ التي تسَمح للمجموعات المعارضة للحرب - حتى في البلدان الغازية مثل بريطانيا وإيطاليا- تسمح لها بالمعارضة والتظاهر والاحتجاج علناً.
هذه المقدمةِ تأتي بنا إِلى الأسئلةِ الخمس الأساسيةِ في هذه الورقة؛ وأولها، ما دليلُ التّعاونِ بين الجمعيات المدنية الإسلامية وبين مناضلي السلام، والعوامل التي تشجع على ذلك وتأثيراتها؟ والثاني؛ ما يميّز الجمعيات المدنية الإسلامية عن دعاة السلام في مسعاهما؟ ثالثاً؛ في حالة الحوارِ بين الاثنين، ما هي الرّسالة التي يمكنُ أَنْ يشتركا فيها؟ رابعاً؛ ما النّقص الرّئيسي الذي على المنظمات المدنية الإسلامية أَن تَتغلّب عليه في كفاحها من أجلِ العدالةِ والسلامِ؟ والخامس؛ ما دورُ الجمعيات المدنية الإسلامية والإسلام في دعم وتأييد السلامِ في الـقرن الواحد والعشرين؟
هذه الأسئلة نحاول أن نقوم بتحليلها والنظر في حيثياتها في الفقرات التالية.
التّعاون
إن الحملة ضد الحرب التي بدأت بضعة أشهر قبل غزوِ العراق في 19 مارس 2003 شهدت لأول مرة جهداً مشتركاً على نطاق واسعِ مِن قِبل كلٍّ من الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام.
وقبل هذا، فإن حرب الخليج في 1991 والنزاعِ في البوسنة ( 1995- 1992) شهد بروز بضعة منظماتَ إسلاميةَ في أوروبا شاركت في مظاهرات نُظّمت من قِبل دعاة السلام. غير أن مساهمتها كانت جدّ محدودة إذا قورنت بوضعها الآن.
وفي الحرب الأخيرة مئات من الهيئات الإسلامية والآلاف من المسلمين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا، وأيضا الولايات المتحدة انضمت ودعمت التجمعات التي نُظمت لمعارضة الحرب(2).
إضافة إلى المظاهرات، فإن دعاة السّلام ونشطاء الجمعيات المدنية الإسلامية بعثوا برسائل ومذكرات مفتوحة إِلى الزّعماءِ مثل الرئيس الأمريكي جورج بوش، ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وأيضا الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان.
لكن هذا التعاون لم يكن محدودا بالغرب، فإن الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام من مختلف الحركات في الهند، وإندونيسيا، وماليزيا وبضعة بلدان آسيوية أخرى، نَظّموا نشاطات وتجمّعات ومنتديات. ولدينا منظمة “سلام ماليزيا” و”تحالف الجمعيات المدنية من مختلف الأديان” التي كان شباب “حزب آمنو” (الحاكم في ماليزيا) من وراء حركتها أبرز مثال على ذلك(3).
فما هي العوامل التي أثرت على الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام وعدد من الهيئات الأخرى أَْن تعملَ سوية في القضية العراقية؟
ربما العامل الرّئيسي كان الظّلم الواضح الذي عزمت الإدارة الأمريكية على ارتكابه. الظّلم هنا كَانَ واضحاً أكثر بكثير من المراحل السّابقةِ مثل حرب الخليجِ الثانية وغزوِ أفغانستان. ذلك أن كثيرا من النقد وجه إلى الإدارة الأمريكية بشأن الحرب العراقية باعتبار أنها قَدْ نُظّمتْ لأسباب محدّدةِ؛ كضمان سيطرة واشنطن على النّفطِ العراقيِ، وتوسيع الهيمنة والزعامة الأمريكيِة والحفاظ على سيطرةِ النّخبةِ الإسرائيلية(4). كما أن الأكاذيب والمغالطات التي رافقت الغزو قادت إلى رفضِ الحربِ من أغلب الناسِ في العالم(5).
وإضافة إلى هذا الظّلمِ والأكاذيب والخداع، فإن تحالف معظم الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام يشير إلى أن المجتمع المسلم قَدْ ظَهرَ كقوةِ سياسيةِ مهمةِ في سياقِ السياسةِ الأوروبيةِ. إذ أنه خلال الثمانينات والتسعينيات من القرن العشرين كان الدور الذي قامت به الجالية المسلمة في أوروبا محدوداً جداً.
وهذا الذي ذكرناه كان من بين الآثار الإيجابية لمشاركة الجمعيات المدنية الإسلامية في حركات السّلامِ في أوروبا. وإن كان دور الجالية الإسلاميةِ لا يُمكن أَنْ يهمَلَ غير أنه من الأهمية أَن نلاحظَ العلاقات التي قد ظهرت بين المسلمين وغيرِ المسلمين من يهود ونصارى في الغرب، بسبب نشاط الجمعيات المدنية الإسلامية في تلك النشاطات.
فهل هذا النشاط المشترك يزيد من تعميق التفاهم بين المسلمين والجماعاتِ الأخرىِ في الغربِ وفي أماكن أخرى في العالم؟ وهل هذا الموقف المضاد للحرب يؤدي إلى فصل جديدَ في التّفاعلِ بين المسلمين وغيرهم؟
إنه من المبكّر جداً أن نعطي جوابا حاسما عن هذه الأسئلة، غير أنه من المؤكد أنه ما زالت هناك خلافات في الآراء والتصورات بين الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام.
الفروق والخلافات
بالرغم من أننا الآن نناقش الفروق بين الجهتين؛ أي الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلامِ، فإنه علينا أن ندرك بأنّه داخل كل جهة يوجد اختلاف في الرؤى فيما يتعلق بالمسألة العراقية ومسألة الحرب والسلام. ومع ذلك فإنه يجب أَن نُؤكّدَ ثانية بأن كلا من الجمعيات المدنية الإسلامية ودعاة السلام ليستا جهتين منسجمتين داخليا أو لكل منهما رؤية واحدة. ولذا فإننا، على أية حال، نركز على الخلافات أو الفروق بينهما مستندين على الاتجاهات الغالبة في كل جهة.
أولاً، بالنسبة للجمعيات المدنية الإسلامية، فإن الحافز الجوهري والسبب الرئيس النّهائي لغزو العراق هو الهيمنة على العالم الإسلامي وقهره، بالرغم من اعتبار النفط أحد العوامل المهمة أيضاً. بينما لا يركز دعاة السلام على العامل الإسلامي إلا قليلاً، ذلك أنهم يرون الغزو على أساس أنه استمرار للإمبريالية من قبل واشنطن.
العامل الثاني الذي تركز عليه الجمعيات المدنية الإسلامية والمسلمين بشكل أساسي هو نوايا إسرائيل الاستعمارية التوسعية. فإسرائيل تريد واشنطن أن تهاجم العراق لضمان أمنها – الأمن الذي حُدد في أضيق معانيه. بينما قطاع واسع من دعاة السلام لا يهتمون بالعامل الإسرائيلي في تحليلهم لعوامل الغزو.
الثالث، هو العري الذي عليه بعض المتظاهرين من دعاة السلام، مما يعتبر مسألة أو قضية ذات أهمية بالنسبة لمتظاهري الجمعيات المدنية الإسلامية. بينما يرى دعاة السلام أن العري والمواقف الأخرى الشبيهة لدى المتظاهرين ذات شأن هيّن.
أما الأمر الرابع بالنسبة للجمعيات المدنية الإسلامية في الغزو الأمريكي للعراق هو تأثيره على العرب والعالمِ الإسلاميِ. بينما نجد دعاة السلام من الناحية الأخرى يقيّّمونَ الغزو من وجهة نظرِ تمدد الإمبريالية وتأثيرها على السياسةِ في الشرق الأوسط.
الخامس، هو أن واحداً من الأسباب الرّئيسية التي على أساسها يعترض دعاة السلام على الحربِ في العراق هو بسبب معارضتهم الحربِ من حيث المبدأ. فالعديد من دعاة السّلامِ يُعارضون أي شكلِ من أشكال العنف. في حين أن موقف العديد من الجمعيات المدنية الإسلامية من الحرب والعنف غير محدد بوضوح. فهَلْ هو مشابه لمبادئ دعاة السّلامِ؟
سادساً، هناك عدد كبير من دعاة السّلام يربط القضية العراقية بالعولمة ويَرونها عمليةِ تحول عالمية لفائدة واشنطن(6). غير أنه من النادر أن نجد جمعية أهلية إسلامية ترى الحرب وآثارها من منظور العولمة.
إضافة إلى الفروق والخلافات التي أشرنا إليها أعلاه، فإنه ينبغي أن ندرك بأن العديد من دعاة السّلامِ لا ينتمون إلى أي دين، بد ربما لا أدريين أو ملحدين. وهذه مفارقة واضحة بين الجهتين. غير أنهم في الوقت نفسه يكافحونَ من أجل قضية العدالة الإنسانيةِ والحقيقة في العراق بالتزامِ كاملِ وإخلاص.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)المنظمات المذكورة هنا هي واحدة من آلاف المؤسسات التي تنشط ضد الحرب. و”مركز النشاط الدولي International Action Centre (IAC) ” على سبيل المثال أثار قضية العراق من 1990. وقد أسس هذا المركز السيد رمزي كلارك، المدعي العام الأمريكي السابق. أما “التحالف الأسيوي للسلام Asian Peace Alliance ” فهو تحالف للمنظمات الأهلية الأسيوية ظهر في سنة 2002. في حين أن “مركز عالم الجنوب ” Focus on the Global South قد ركز نشاطه على آثار الإمبريالية على دول الجنوب.
(2)هذه المسألة ناقشتها حميراء اقتدار في مقالها “احتفال في شوراع العراق، مجلة Znet ، 23 أبريل 2003.
(3)(أمان ماليزيا) أو (سلام ماليزيا) شبكة من المؤسسات أسست في جانفي 2003، ردا على مخطط واشنطن ولندن لغزو العراق، وقد نجحت هذه الشبكة في جمع أكثر من مليوني إمضاء معارض للحرب على العراق.
(4)مايكل مور، منتج أفلام أمريكي مشهور، الذي أنجز مؤخر ملفا بعنوان ‘Bowling for Columbine’ وصرح بهذا المثال، في رسالته إلى الرئيس جورج بوش بشأن الحرب وبعثها عن طريق الإنترنت في 19 مارس 2003. وهناك تحليل للأسباب التي تكون قد دفعت واشنطن ولندن لشن الحرب يمكن أن تجدونها في مقالي “الإرهاب المهيمن: غزو العراق” ونشرت في آخر كتبي الذي يحمل عنوان “المسلمون، والحوار، والإرهاب” ونشر في كوالالمبور من قبل “الحركة العالمية من أجل عالم عادل JUST).
(5)انظر روبن كوك، “بريطانيا ينبغي أن لا تدع إيران تصير عراقا ثانيا” International Herald Tribune, 4 June 2003 من أجل معرفة الأكاذيب والمغالطات التي افترتها الإدارة الأمريكية على أسلحة الدمار الشامل العراقية.
(6)هذه النقاط المتعلقة بالعولمة والحرب على العراق قدمها المشاركون من “حركة السلام الأوروبية” في الملتقى الدولي الذي حضرته بجاكرتا في 19-21 ماي 2003. بعنوان ‘Global Solidarity in the Era of Globalisation and Militarism’.

كتب في : ترجمات | 295 مشاهدة

تعليق واحد لـ “دور المنظمات المدنية الإسلامية في تعميق التعاون مع دعاة السلام في العالم للدفاع عن الإنسانية (1)”

  1. نجيب قال:

    االسلام عليكم، نشكركم كثيرا أستاذ على إسهامكم في الفكر الإسلامي الحديث، وعلى كتاباتكم الثرية، وندعو الله أن يعينكم.
    نجيب، آريس، باتنــة، الجزائر.

إكتب تعليقك