تم نشرها بموقع الشهاب بتاريخ 10-3-1426 هـ 19-04-2005م
الدكتور بدران بن الحسن من الباحثين القلائل المتميزين بالجدية والمفعمين بالتواضع صدرت أول دراسة له في سلسلة الأمة حول مالك بن نبي والنظرة إلى الغرب، وطرح فيها كيف يكون الشرق دارسا للغرب لعلها للمرة الأولى. والواقع انه منذ تلك الدراسة التي كانت جزء من رسالته للماجستير في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا احتل مالك بن نبي موقعا متميزا في اهتمامات الدكتور بدران.
كان موضوع الدكتوراه أيضا حول مالك بن نبي مستثمرا آخر ما توصل له حقل اجتماعية المعرفة أو علم الاجتماع المعرفي وخصوصا نظرية ما وراء النظرية (Metatheorizing) التي تطورت على يد عالم الاجتماع الأمريكي ريتزر والتي تحظى بالاهتمام المتزايد في الأوساط العلمية الغربية. إلى جانب ذلك شغلت الأخ الدكتور بدران عدة قضايا تتعلق بالتغيير والبناء الحضاري ويساهم بشكل متواصل دون كلل في تعميق الوعي بسنن التغيير الحضاري وقواعد النهوض الاجتماعي وأهمية اكتساب المعرفة والتسلح بالعلم حتى نتهيأ لدور الشهادة على الناس. قامت مجلة “الإسلام اليوم” بإجراء هذا الحوار مع الدكتور بدران في عددها الأخير لكنه فم يتم نشره لأسباب مجهولة. ننشره هنا تعميما للفائدة:
سؤال: النقاش حول العنف بات يحتل موقعا بارزا خلال السنوات الثلاث الاخيرة، هل تعتبر ذلك ظاهرة صحية؟
د. بدران: النقاش في ذاته في أي قضية أمر صحي جدا وآلية منهجية متحضرة لمعالجة المشكلات من خلال إتاحة الفرصة لمختلف الآراء للتلاقح والنضج، ومن ثم يمكن الوصول إلى رأي متفق عليه أو آراء متقاربة، أو على الأقل يطلع كل منا على رأي الآخر ويضعه في الحسبان.
لكن دعني أقل لك، أن النقاش حول قضية العنف نقاش غير منهجي، ولا يذهب إلى أصول المشكلة وإنما يعالج مظاهرها، وهذا في رأيي يزيد من تعقيد المشكلة أكثر، ويغيّب الحل. وخاصة من خلال التركيز على اتهام طرف محدد بعينه بالعنف دون أن تعطى له فرصة لبيان رأيه، وكذلك من خلال تخصيص الإسلام دينا وحضارة وقيما بتهمة العنف، بينما لا تتهم أطراف كثيرة مسيحية أو يهودية أو هندوسية بأنها تمارس العنف باسم دينها وقيمها. فالعنف ظاهرة مرضية مرتبطة بالإنسان من حيث هو إنسان “ظلوم جهول” وليست مرتبطة بالدين ذاته باعتبار أن الدين في أصله يقوم على التزكية الروحية وغرس قيم المحبة والسلام، وخاصة الإسلام الذي هو دعوة للناس ليدخلوا “في السلم كافة”.
سؤال: يقول بعض المحللين ان الغرب بات يسيس العنف في العالم الاسلامي حتى يختلط الامر مع من يقومون باعمال المقاومة, مارايكم في ذلك؟
د. بدران: الغرب يعي جيدا من أين تؤكل الكتف كما يقولون. وهو يستغل جهلنا وقدرتنا على الغضب الطائش المعزول، الذي لا يدخل في أي مشروع مستقبلي. كما أنه بآلته الإعلامية الرهيبة، وبقدرته على صناعة وتوجيه الرأي العالمي يعمل على ترسيخ صورة نمطية عن المسلمين وعن الإسلام بأنهما مصدرا العنف ومهووسان به.
ضف إلى ذلك أن مظاهر العنف في العالم الإسلامي منتشرة بشكل رهيب، وذلك بسبب الاستبداد السياسي في العالم الإسلامي والتخلف العلمي، والجهل بالإسلام في أبسط صوره وهو المعلوم من الدين بالضرورة، وعدم فقه نظام الأولويات وتجاهل مقاصد الشريعة.
ولهذا فالغرب فعلاً يسيس ويستغل مظاهر العنف في العالم الإسلامي لصالحه، حتى يزيد من تعميق الفتنة في العالم الاسلامي، ويختلط في أذهان الناس بين من يقوم بمقاومة الاستبداد والاحتلال وبين من يقوم بالخروج على المجتمع وقتل الناس بغير وجه حق.
سؤال: بحكم اطلاعكم على مجريات الامور في الجزائر ابان حقبة زمنية مهمة في تاريخ ذلك البلد, هل تعتقد فعلاً ان الجماعات الاسلامية هناك تورطت في اعمال العنف؟
د. بدران: دعني أقل لك أمرا مبدئيا. ما حدث في الجزائر كان فتنة سياسية تسبب فيها الوسيط التخريبي المتغلغل في دواليب الإدارة والحكم وفي الحركة الإسلامية في الجزائر، هذا الوسيط التخريبي يتشكل من ثلاث مجموعات؛ أولها كما يسمونه في الثقافة السياسية الجزائرية حزب فرنسا وهم الموالون لفرنسا ثقافيا وحضاريا وسياسيا وأمنيا، وهؤلاء امتداد طبيعي لفرنسا الاستعمارية من أجل حماية مصالحها، وهم فرنسيون أكثر من الفرنسيين في ولائهم لفرنسا وفي تعطيلهم لمشاريع البناء الحضاري للجزائر بعد الاستقلال. وهذه الطينة من الناس موجودين في كل المجتمعات الإسلامية اختلفت المسميات واشتركت الأهداف والمقاصد والخطط.
أما المجموعة الثانية فهي المافيا السياسية والمالية التي اغتنت بطريقة غير قانونية، وأخذت مناصب قيادية بغير مؤهل ولا شرعية شعبية، ويهمهم جدا اختلاط الأمور واستمرار تعفن الوضع ليغرفوا أكثر من مناصب الدولة ومن أموال خزينة الأمة والشعب الجزائري المسلم.
أما المجموعة الثالثة فهي الاتجاهات المنحرفة والجاهلة داخل فضاء الحركة الإسلامية بداية بالجماعات التكفيرية، سواء التكفير الجزئي الذي يقصد به الحكام وأعوانهم أو التكفير الكلي الذي يعمم فيه الحكم على المجتمع بل الامة بأسرها، ومن خصائص هذه المجموعة أنها لا تؤمن بالحوار، ولا تؤمن بالعمل التنظيمي العلني الحر، ولا تؤمن بوجود دعوة في الجزائر ولا علماء ولا وجود شعب مسلم، وبالتالي فهم ينظرون إلى التجربة السياسية التي سبقت الانقلاب على إرادة الشعب في 1992 على أنها كفر بواح، وأن الديمقراطية كفر، والتنظيمات والأحزاب كفر، وغيرها، واستلهمت مما في أفغانستان نموذجها، مع تشوه فكري وعقدي وقصور سياسي رهيب قاتل.
هذه هي الأطراف التي كانت تقتل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهي الأطراف المتسببة في الأزمة، أما الدعاة المعروفون، والقيادات الفكرية، والجماعات الدعوية الإسلامية ذات السابقة، التي كانت تعمل في ظل الشرعية والعلنية، ومؤسسات الدولة، فإنها لا يمكن أن تنسب لها مثل هذه الأعمال أبدا. وأكبر دليل على ذلك أنه عندما صدقت النيات وفتحت أبواب المصالحة الوطنية والوئام المدني هدأت الأنفس وطويت صفحة مريرة في تجربة الشعب.
سؤال: هل يمكن القول بان العالم العربي ينتج العنف بسبب التخلف والامية ومايسمى بـ”التعصب الديني” ومناهج التدريس, مع تغييب دور السياسة الامريكية في المنطقة؟
د. بدران: نعم. في الحقيقة العالم العربي ينتج العنف، ولكنه عنف موجه للداخل وليس للخارج؛ عنف السلط المستبدة، والأنظمة المتخلفة، وعنف النخب العلمانية المتغربة، وعنف ما يقابلها في دوائر الحركة الإسلامية، وكل واحد له مبرراته التي يستند لها.. أما الشعوب فلقلة حيلتها ولكثرة ضغوط الاستبداد بمختلف أنواعه والإرهاب المسلط عليها فإنها صارت تتعامل بعنف، ولكنه عنف العصفور المضطرب الجريح الذي يدفع بعنفه مخالب صقر جارح متجبر. هذا، إضافة إلى الطغيان والجبروت الأمريكي الذي يعاني منه العالم كله، لكنه أشد في العالم الاسلامي، وخاصة من خلال المساندة المطلقة للدولة الصهيونية، والاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق.
للأسف نمط الثقافة السائد يقوم على العنف بسبب من التخلف الحضاري الشامل الذي نعيشه، وبسبب الأمية التي تضرب أطنابها، وهي أمية مركبة وليست أمية بسيطة؛ إنها لا تتعلق بالقدرة على الكتابة والقراءة بالطريقة التقليدية فحسب، ولكنها أيضا تتمثل في عدم القدرة على مواكبة التقدم العلمي في العالم.
وهذا في أساسه يرجع نعم إلى مناهج التدريس العلمانية المتغربة، والمتخلفة عن نظيرتها في بلدان العالم الأخرى، وليس بسبب أنها تستمد روحها من الإسلام. بل بالعكس تماماً، فإن أغلب النظم التعليمية في العالم العربي خالية من أي تربية إسلامية على قيم الإسلام الكبرى، ومتغربة في أغلبها، وتابعة، ومنقولة بتشوه كبير عن نماذج ونظم تعليمية عفا عليها الزمن، وليس هناك متابعة علمية دقيقة لما يجري في العالم من تطور في مناهج التعليم.
وهي حقيقة يحاول أزلام الغرب عندنا من جهلة العلمانيين، الذين يتعالمون علينا من خلال ترجمات قاصرة للفكر الغربي، يحاولون أن ينسبوها إلى الإسلام، ويدعون أن مناهج التربية الاسلامية هي المسؤولة عن الإرهاب والعنف والتعصب. وإن كنت لا أنفي قصور حتى مناهج التربية الاسلامية عندنا، غير أن السبب لا يرجع إلى الدعاة أو إلى رجال الدين كما يسميهم العلمانيون، وإنما يرجع إلى جهل الذين يصوغون مناهجنا التربوية بالإسلام وبقيمه ومنهاجه الحضارية، وبما يوفره القرآن والسنة والتجربة الحضارية والتربوية الاسلامية من خبرة ومن ادوات لفهم نفسية الطفل المسلم حتى تصاغ له مناهج تؤهله لكي يكون راسخا في إسلاميته ومنفتحا على الحضارة العالمية المعاصرة والتجربة التربوية بمختلف تنوعاتها.
سؤال: هل تبرير العنف في العالم الاسلامي بأنه استجابة للمتغير الخارجي, كافياً– ام المطلوب هو صياغة جديدة للرد على التحديات المختلفة؟
د. بدران: يقول تعالى: {لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى}. فالقرآن يربينا هنا بان لا نمارس رد الفعل، وأن لا ننجر وراء انحراف وظلم الاخرين فنكون ظالمين أو منحرفين مثلهم. بالنسبة لي هناك فرق شاسع بين المقاومة والعنف، المقاومة مشروعة لحماية الوطن والدين والعرض، لكن العنف بمعنى العدوان فهو غير مشروع، ولهذا فالعنف لا تبرير له، لأن العنف “ما دخل في شيء إلا شانه، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه”، فالعنف مرفوض مبدئيا، سواء كان ذلك بين المسلمين فيما بينهم، او بيننا وبين غيرنا سواء اكانوا معاهدين أو محاربين.
وقد يقودنا هذا إلى القول بان الجهاد ليس عنفا، فالعنف عمل معزول لا هدف له، اما الجهاد فهو استراتيجية لتحقيق السلم. فالعنف هدفه التخويف والإذلال والتحطيم دون وعي ما بعدي ولكن استجابة لغريزة وليس تمثيلا لمشروع، اما الجهاد فإنه يهدف إلى تحقيق السلم، وإلى أن يدخل الناس “في السلم كافة” ولا يتبعوا “خطوات الشيطان” الذي هو مسعّر نار الحروب والعنف.
في الحقيقة هناك خلل فكري رهيب فيما يتعلق بهذه المسألة، وعلى اهل الراي منا (علماء وحكاما) أن لا يتركوا شبابا مسلما يحركهم الاندفاع الوجداني ويصنع أحلامهم التي ليست في الحقيقة إلا استنساخا ساذجا لتجارب الماضي، بكل تفاصيله الشكلية والدقيقة، والمثقلة بالترسبات العاطفية العاصفة “كما وصلتهم”. وإن كثيرا من المخلصين لهذا الدين يتحركون للدفاع عنه، ولكن ضمن حالة نفسية أكثر منها فكرية أو سياسية.
فكفانا رد فعل وعواطف غير مضبوطة، وعلينا أن نتوجه إلى صياغات فكرية وسياسية لمشكلة العنف والدفاع والجهاد بعيدة عن رد الفعل.
سؤال: الا تعتقد ان العنف الممارس من قبل اليساريين قد تم تناسيه امام طوفان دمغ الاتجاهات الاسلامية بالعنف؟
د. بدران: هذه حقيقة، لأن العنف اليساري كان في مرحلة توازن القوى العالمية اما الان وفي ظل الهيمنة الأمريكية على العالم، وفي ظل سياسة وحيد القرن الدولية، فإن الأمة الوحيدة التي بقيت تقاوم هي الأمة الاسلامية، وهي الأمة الوحيدة التي تملك بديلا للهيمنة والجبروت الأمريكين ولكنه بديل في حالة سكون، وللأسف نحن المسلمين لا ندرك ذلك، بحكم وقوعنا في أسر النظرة التجزيئية للإسلام، وبحكم همينة المواقف الحدية علينا وعلى تصرفاتنا، وبحكم استجابتنا لعواطف العامة، وليس لرأي أهل الرأي والخبرة والمشورة.
وما لم نستطع ان نصوغ مواقفنا بوضوح وبشجاعة، فإن غيرنا سيتهمنا بالقصور وبالانغلاق وبكل اوصاف التشويه، ونتصرف بردات الفعل، وهذا بعينه ما ريدنا الغرب لنقع فيه لتثبت تهمة العنف والارهاب على الخروف المسلم من قبل الذئب الغربي المتربص.
سؤال: دمغ الاتجاهات الاسلامية بالعنف الا ترى انه كان متزامناً مع بدايات انتشارها وتوسعها؟
د. بدران: دعنى أذكرك بأمر. في كتابه القيّم (الصراع الفكري في البلاد المستعمرة) كتب مالك بن نبي عليه رحمة الله منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن يبين طرق ودور قوى ومراكز الصراع العالمية في قتل الأفكار والمشاريع في العالم الإسلامي، وذكر بأن هذه القوى تمارس مجموعة من الخطوات المتنوعة تتمثل الأولى في محاولة تشويه الفكرة ذاتها، فإذا فشلت هذه الخطوة فإنها تعمل على تخوين أصحاب الفكرة ذاتها لفكرتهم من خلال الوعد والوعيد أو من خلال تشويههم أمام الرأي العام المناصر لهم وللفكرة، فإذا فشلت هذه الخطوة، فإن الخطوة الأخرى هي تخوين الرأي العام ذاته للفكرة ولأصحاب الفكرة، وذلك من خلال إدخالهم في اهتمامات أخرى تبعدهم عن جوهر الفكرة الأساسية او من خلال إشعارهم بفقدان الجدوى منها أو عدم اهميتها.
وهي خطوات أو آليات ليست منفصلة عن بعضها البعض، فقد تكون متتالية الوقوع والتنفيذ، وقد تكون متزامنة، وذلك حسب حالة التلاحم بين الفكرة وأصحابها والجمهور المناصر لها.
فالغرب يعمل على تشويه صورة جهود النهضة الاسلامية بهذه الأساليب المختلفة والمتكاملة، ولذلك فإن دمغه التوجهات الاسلامية بالعنف، الهدف منه هو تخويف الناس منها، ذلك أن النفوس تحب الرفق وتكره العنف.
وقد نجح الغرب والقوى الاستبدادية والأنظمة المتخلفة في العالم الاسلامي في تشويه جهود الإصلاح والنهضة الاسلامية، كما أن هذه القوى الاسلامية تتحمل نصيبا من المسؤولية كبير، لعدم قدرتها على الجهر بآرائها بصراحة بفعل دوافع سياسية أو تنظيمية مرتبطة بقضايا الصراع. ولكن هذا لا ينفي وجود كثير من المستنيرين من العلماء والدعاة والناشطين في صفوف التوجهات الاسلامية لاستعادة المبادرة، والخروج من دائرة الظل، والصدع بالحق، وإحداث نوع من النقد الذاتي العميق المنهجي الصريح لتصحيح الأوضاع ونفي التشوهات.
ومن ناحية اخرى يجمع الملاحظون على أن انتشار الاتجاهات العنفية داخل الحالة الإسلامية دفع بها إلى الانكماش والتراجع، لأن هناك بعض المنتسبين الى الإسلام أساؤوا له بهذه الممارسات المشينة، وساهموا بشكل كبير في تقويض أركان الظاهرة الإسلامية وعليك ان تقارن بحجم الحالة الإسلامية في الثمانينات وفي نهاية التسعينات..
سؤال: في رأيكم هل اللجوء للعنف يكون مصاحبا لمن يحقق النجاح ام الفشل؟
د. بدران: ممارسة العنف دليل ضعف الموقف وقلة الحجة، هذا مبدأ عام. لكن دعنا نضع تنبيها مهما، وهو أن هناك فرق بين العنف والمقاومة. فالعنف كما سبق وان نبهنا أنه أعمى لا هدف استراتيجي له غير التحطيم ماديا ومعنويا، وهذا ما تقوم به دولة يهود الصهيونية على أرض الأقصى المبارك، وبعض النظمة المستبدة في العالم الاسلامين وبعد الوسائط التخريبية التي تكلمنا عنها سابقا، أما المقاومة فهي دفاع عن الدين أو النفس أو العرض أو المال مما يعتبر من ضرورات الوجود، وهو دفاع مشروع تقره الشرائع والملل كافة، ولعل ما تقوم به المقاومة الفلسطينية يمثل قمة النضج والوعي والتميز في تحقيق رد منهجي مدروس على عنف الصهاينة.
وعلى ذكر المقاومة الفلسطينية فإنه ينبغي التنبيه انها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون عنفا، ذلك أنها تقف معلما مهما من معالم المقاومة الواعية التي برهنت لحد الساعة على قدرتها على الحفاظ على خطها الأصيل، ونرجو من الله ان تستمر إلى تحقيق النصر.
سؤال: انتم في الجزائر عشتم حالة خاصة مع العنف هل كان لهذه الاشكالية تأثير على اقبال المواطنين الجزائريين على الجماعات الاسلامية؟
د. بدران: أريد قبل أن أجيبك على هذا السؤال أن أشير إلى أني لا أحب مصطلح الجماعات الاسلامية، فهذه تسمية يراد منها الفصل بين جهود الدعوة وبين الوسط الذي يحتضنها، وهو حاجز نفسي خطير نجح العلمانيون والمتغربون في بنائه، فصار يمثل جدار الفصل الشعوري بين القائمين على الدعوة وبين المجتمع، وصارت جهود الدعوة وكأنها عمل كنسي يقوم به مجموعة معينة من الناس، أما باقي المجتمع فهو ليس من الجماعات الاسلامية.
ولهذا فالشعب الجزائري شعب مسلم، بالرغم من وجود مجموعات الوسيط التخريبي التي ذكرتها سابقا، وجهود الدعوة ليس خاصة بفئة من الناس، بل كثير من الجهات الرسمية والشعبية، والفردية والجماعية، والحكومية وغير الحكومية، والسياسية والثقافية وغيرها، وهي تتكامل بإذن الله.
حقيقة أن الاوضاع الصعبة التي مر بها المجتمع منذ بداية التسعينات ساهمت في خلخلت بنيان الدعوة، وزرعت بذور الشك وانفضت كثير من النفوس الضعيفة وهي سنة الله في الابتلاء وتمحيص الصفوف.
والحمد لله، فإنه بعد الفتنة السياسية التي وقعت، والاهتلاك الكبير الذي وقع في المجتمع الجزائري، أدرك معظم الجزائريين سلطة ومعارضة، رسميا وشعبيا، أن لا بديل عن الحوار والتصالح. كما أن ظاهرة العنف المتابدل التي شهدتها الجزائر خلال عقد من الزمن، دفعت كثيرا من أبناء الإسلام في الجزائر في السلطة وفي المجتمع إلى إدراك أهمية الوعي بالإسلام وإدراك دوره في البناء الاجتماعي والثقافي والسياسي والحضاري للمجتمع الجزائري.
ولم تحل المحنة دون توجه الشباب إلى الدعوة، وإنما الذي فعلته تلك المحنة، هو أن الجميع أدرك أهمية السلم وأهمية العلنية بالنسبة لجهود الدعوة، وخاصة في بلد كالجزائر.
سؤال: هناك من يقول بأن توسع دائرة العنف والعنف المضاد (السلطة)، مرشح لأن تتدخل قوى اخرى في دائرة العنف وممارسته, وهي القوى التي لاهم سياسي او اجتماعي لها، والتي توصف من جانب البعض بالاعتدال.. ما رايكم في ذلك؟
د. بدران: الفتنة إذا أطلت برأسها لا يراها إلا القليل، وإذا أدبرت يراها الجميع، وهي لا تأكل المتسببين فيها فقط، بل تصيب الجميع ولا يسلم منها احد، وكما قال تعالى: “فاتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة”، وكما ذكرت كثيرا من الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذا الأمر.
وبلغة السياسية، فإن الأزمة السياسية تبدا صغيرة بين طرفين، ولكنها تعم الجميع، وتصيبهم من قريب أو بعيد.
وخاصة ظاهرة العنف التي هي في ظاهرها ظاهرة سياسية، ولكنها، كما سبق القول، ذات جذر ثقافي واجتماعي، وعلينا تغيير نمط ثقافتنا التي ورثناها عن عصور الانحطاط وتجاوزها إلى المنهل الصافي؛ القرآن والسنة لنتعلم منهما كيف نحل أزماتنا ونشكل ثقافتنا.
كما علينا أن نتعلم من الأمم الحاضرة قدرتها على تسيير وحل الخلافات السياسية بينها بطرق حضارية راقية، وكيفية إنشاء مؤسسات للرصد الاجتماعي، وبناء مناهج تفكير تتجاوز الطرح الجزئي للمشكلات.
سؤال: هل تعتقد بان العنف مدان دائماً؟ بمعنى هل هو ظاهرة سلبية على الدوام؟
د. بدران: العنف من حيث المبدأ مدان، ولكن لا ينبغي أن نتيه في التحليل اللغوي للمصطلح ومقارنته بمفهوم المقاومة والجهاد. وبالتالي تعميم وصف العنف على الجميع.
فشتان بين من يقتل مسلما أو ذميا أو حتى كافرا من غير وجه حق كما يحدث في كثير من بلدان العالم الاسلامي، وبين من يقوم بالدفاع عن دينه وعرضه وماله مثلما يحدث في العراق وفلسطين، وكما حدث سابقا في الجزائر ضد فرنسا، وفي اندونيسيا ضد هولندا وفي جنوب افريقيا ضد نظام الميز العنصري.
بعبارة أخرى فإني أرى أن المشكلات داخل الوطن الإسلامي الواحد أو بين بلدان إسلامية مختلفة ينبغي أن لا يكون للعنف فيها مكانا، بل الحوار ثم الحوار ثم الحوار حتى نحل المشكلة.
اما مقاومة الاحتلال فإنها واجب شرعي حسب ما يراه أهل ذلك البلد، وبهذا فإخوتنا العراقيون مثلا بما لهم من علماء وأهل الرأي أدرى بأهمية المقاومة من أي واحد منا يجلس على أريكته ويأكل أكلا دافئا ويلقي الكلام على عواهنه.
وأكرر أن العنف بين المسلمين غير مبرر باي وجه من الوجوه، ومهما كانت الظروف، فينبغي أن تكون لنا آليات سلمية لحل ما يطرأ من مشكلات.
وقد يبدو هذا الكلام غريبا عند البعض، أو ان فيه ممالأة للسلطة، ولكن الله يشهد أني أقوله من كل قلبي وعن قناعة، ان السيف إذا سلّ داخل بلد إسلامي فلن يخمد بسهولة.
سؤال: ما هي الاسباب التي دفعت الحركة الاسلامية او بعض فصائلها في الجزائر لاستخدام العنف؟
د. بدران: السبب الرئيس الذي أدى إلى العنف في الجزائر هو الوسيط التخربي السابق الذكر، وهذا الوسيط التخريبي موجود في كل الأطراف سلطة ومعارضة، لأن الجنون لا مذهب له ولا لون له، وليس من مصلحته أن يلتئم الجرح، أو أن يستقر الوضع، لأن باستقرار الوضع فإن القانون سيسري، والمؤسسات تقوم بمسؤوليتها، وبالتالي فإن المجتمع سيأخذ المبادرة من جديد.
وبدون الدخول في التفاصيل، فإن العنف في الجزائر خلال المرحلة السابقة، والذي بدأ سياسيا انتهى إلى عنف إجرامي لم يسلم منه أحد.
سؤال: بعد نحو (15) عاماً من اندلاع العنف في الجزائر من الذي ربح؟ ومن الذي خسر؟
د. بدران: الرابح من هذه الأزمة هو المجتمع الجزائري، “وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم”. هذا كلام يبدو غريبا، لكن في الحقيقة أن الأزمة أريد لها أن تنهي الوجود الحضاري للإسلام في الجزائر، وأن تقهر جهود الدعوة، وأن تجعل الشعب الجزائري يتمنى رجوع فرنسا من جديد. وكان الوسيط التخريبي على اختلاف توجهاته يحلم كل منهم بأن يمسك بزمام الأمور، غير أن النتيجة، وبالرغم من فداحة الثمن، كانت في صالح المجتمع الجزائري المسلم، الذي وصل، بمختلف تنظيماته السياسية والاجتماعية والثقافية، إلى قناعة أن يعض على السلم بالنواجذ، وأن يفتح باب الحوار مع بعضه البعض، وان يتعامل بطريقة أكثر حضارية مع مشكلاته.
وقد يبدو هذا غير ظاهر للعيان الآن، ولكنه قد تشكل في ضمير الناس وفي وعيهم وسيؤتي أكله بعد حين بإذن ربه.
سؤال: ما هي الخيارات التي يمكن اتبعاها لتفادي العنف؟
د. بدران: الحوار ثم الحوار ثم الحوار. السلم ثم السلم ثم السلم. هذا هو الخيار الوحيد.
وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال تخل عن المبادئ أو عن قضايا الأمة، ولكن بمعنى أنه على الأنظمة أن تتجدد وأن تفتح باب الحوار مع الجميع، وأن تفتح باب الحريات الدعوية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وأن تتعامل باستراتيجية سلمية واضحة من أجل مصلحة الأمة.
وعلى الجميع أن يدرك أن سيادة الدولة بعد 9/11 قد تغير مفهومها في ظل هجمة الغول الأمريكي، وعلى الجميع ان يتعامل بحكمة تتجاوز المصلحة الجزئية والمصير السياسي الشخصي قصير الأمد، وإنما علينا أن ندرك الأبعاد الاستراتيجية الكبرى للمرحلة. ولنا في حديث السفينة خير مثال، فلو أحدث أحدنا خرقا من جهته فإن السفينة ستغرق بالجميع.

الدكتور بدران: تحية طيبة نبارك لك هذا الموقع ونتمنى لك التوفيق في انجاحه كما نتمنى لك النجاح في كل مشاريعك العلمية والبحثية وسر في مشوارك العلمي فإنه طريق شاق ولكنه مثمر إنشاء الله .
it is really cool .
i wish you all the best in success and wish you success in all your projects and research
Allah Bless you
ااشكركم كثيرا على على هذا الموقع الرائع الذي اطلعت عليه بالصدفة اتمنى ان يكون هذا الموقع سندا لي في حياتي العلمية والعمليةكما اطلب منكم ارشادات وتوجيهات
موقع رائع وشكرا لدكتور بدران على هده التعليقات التي تعبر عن مدى وعيه وثقافته واطلاعه على ما يحدث في الوطن العربي نتمنى ان نرى منك المزيد
شكرا لك على التعليق، وأرجو أن يكون التعاون بيننا جميعا نحن أبناء الاسلام والجزائر من أجل امتنا ووطننا والانسانية
االسلام عليكم أستاذي…
الجزائر شامخة برجالها دكتور… دمت للجزائر لأنها تعتز أنك واحد من أبناءها.
دمت دائما بصحة جيدة أستناذي الكريم
السلام عليكم…
فيض تقديراتي و احتراماتي لك يا استاذنا العزيز..
و انشاء الله …ندعوا لك بدوام النجاح و التفوق ..
و الله يوفقك.
السلام عليكم…
دمت يااستاد في خدمة الدين وكلمة الحق والسير في تحقيق المشروع الحضاري الاسلامي والرد علي التيار العلماني الخطير الدي توغل في جميع المنظومات الثقافية والتربوية والاعلامية الجزائرية للاسف الكبير.
علينا التكاتف والتعاون لاستئصال هدا الورم. حفظك الله.
تستحق منا ان نباركك بهذا الموقع القيم.ادعو الله ان يجعله منبرا لكل الاحرار والمستضعقين ولكل من يحب الحق ويناظل من اجل احقاقه.
نحن معك ايدينا في يدك فلا نقول لك الا ما قاله اصحب بدر لرسول الله.
رمظان كريم.