الإرشيف لـ ‘دراسات’ قسم »
في مفهوم الحضارة
د. بدران بن الحسن
تم نشرها بموقع الاسلام اليوم بتاريخ 2/11/1424 25/12/2003
مقدمة
يعتبر مفهوم الحضارة من أكثر المفاهيم صعوبة في التحديد، وذلك بفعل التطور الدلالي الذي حظي به عبر تاريخ الحضارة نفسها، ولعل من أهم أسباب الاختلاف في تعريفها أيضًا ما يرجع إلى الخلفية الفكرية لصاحب كل تعريف، والمنظور الذي يقدم من خلاله تعريفه، وكذلك تكوينه العلمي وزاده المعرفي؛ فالمؤرخ، والأنثربولوجي، وعالم الاجتماع، واللغوي، وعالم النفس، كلٌّ يعرفها انطلاقًا من أرضيته الفلسفية ومنظوره المعرفي الذي ينظم أفكاره. ونتيجة لحيوية التنقيب والبحث في حقل الدراسات الحضارية، ظهرت تعريفات متعددة ومتنوعة لظاهرة الحضارة. كما أن هناك تعريفات ولدت ضمن إطار الوعي العقدي الغربي وأخرى صيغت استجابة للوعي العقدي التوحيدي.
ولذلك نحاول تناول مفهوم الحضارة من الوجهتين؛ اللغوية، والاصطلاحية، للتمكن من تحديده بما يجعل منه واضحًا وقابلاً للتعامل معه ضمن شبكة المفاهيم المتعلق بمنظور الدراسة الذي نحاول صياغته. اقرأ المزيد »
د. بدران بن الحسن
تم نشرها بموقع الاسلام اليوم بتاريخ 24/12/1424 15/02/2004
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى من دعا بدعوته إلى يوم الدين، وبعد؛
فإن مسألة العقيدة في الله من أهم القضايا التي لقيت عناية بالغة من القرآن الكريم، ولقد أكد القرآن ذاته أن رسالة الأنبياء جميعا كان محورها الدعوة إلى إخلاص العبودية لله تعالى بتوحيده ونفي الشركاء عنه {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، وما من نبي إلا ودعا قومه إلى عبادة الله وحده {يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره}.
غير أن الإنسان، الذي {كان ظلوما جهولا}، وكان {أكثر شيء جدلاً}، سرعان ما ينسى هذه الحقيقة التي هي أم الحقائق التي تحتاج إلى كبير عناية، فحدث الانحراف من أول وهلة ترك الإنسان يواجه مصيره، كما حدثت التوبة من الله على هذا الإنسان لما تاب وأناب ورجع إلى ربه، {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}، ولهذا كانت سلسلة النبوة مستمرة مع الإنسان تعمل على تربيته، ولقد أحاط الأنبياء عليهم السلام البشرية برعايتهم، وأرشدوا الناس إلى سواء السبيل، وارتقى الوحي بالبشرية إلى أن اقتضت الحكمة الإلهية أن ترسل إلى الناس بالرسالة الخاتمة التي تستمر مع الإنسان إلى يوم الساعة، هذا اليوم الذي جاءت الرسالة الخاتمة وهو يسابقها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {بعثت أنا والساعة كهاتين}، ولهذا تضمن القرآن الكريم الأدلة القاطعة على وحدانية الله تعالى، وفصل في انحرافات الأمم السابقة في عقيدتها، وكان القرآن قد فصل في انحرافات أهل الكتاب بشكل كلي، حيث تناول نقض اعتقادات اليهود، كما نقض اعتقادات النصارى القائمة على التثليث. اقرأ المزيد »
د. بدران بن الحسن
تم نشرها بموقع الاسلام اليوم بتاريخ 28/12/1424 19/02/2004
المبحث الأول: الفخر الرازي
موجز عن الرازي :
يعتبر الإمام فخر الدين الرازي (543-606هـ) علما من أعلام الفكر الإسلامي الذين كانت لهم منجزات علمية معتبرة خلال النصف الثاني من القرن السادس الهجري، هذا القرن الذي شهد انقسامات سياسية كثيرة داخل الخلافة العباسية، وكذلك تصاعد الخطر الخارجي على أرض الإسلام، من الغرب على يد الصليبيين، ومن الشرق على يد التتار الزاحفة من الشرق الأقصى(1). بالإضافة إلى الجانب السياسي، فإن هذا القرن والذي سبقه كانا قرني أسلمة المنطق والنظر الفلسفي -إن صحّ التعبير - بعد أن بدأ هذا الجهد على أيدي شيوخ المعتزلة من أمثال العلاف والنظام في القرن الثالث، ومن بعدهما الأشعري والباقلاني والجويني، ثم الغزالي وتلاميذه، بعد أن كان الفلاسفة الإسلاميون أمثال الفارابي وابن سينا وغيرهما، اتبعوا الفلسفة اليونانية في كل ما ذهبت إليه، مما أدى بالغزالي إلى ما يمكن تسميته بالثورة الفلسفية التصحيحية (2). ثم تابعه الرازي في الأمر، ولم يقتصر تصديه للفلسفة اليونانية فقط، بل تعداه إلى مناظرة النصارى واليهود ومختلف النحل الباطلة، كما أنه تصدى لمناقشة كثير من الفرق الإسلامية في وقته من كرامية ومعتزلة وحشوية وباطنية وغيرهم، ورد على المبتدعة وأفحمهم. فنقمت عليه كثير من الفرق، مما جعلها تطلق ألسنتها باتهامه بمختلف التهم التي تسقط من قيمته في أعين الناس بعد أن أعياهم الرد عليه بمنطق الحجة والبرهان (3).
اشتهر الرازي بابن الخطيب، والإمام، وشيخ الإسلام، وكان مبرزا في كثير من العلوم؛ في الفلسفة والكلام، وأصول الفقه، والفقه، والخلاف، واللغة، والتفسير، وله في كل هذه الحقول المعرفية مؤلفات تنبئ عن قدرته العلمية الواسعة، وتحكمه في أدواتها بشكل جعله أحد الأئمة المشهود لهم بالقدر الأوفر من التأثير فيمن لحقهم من أجيال الإسلام. ومن مؤلفاته: “المحصول” في أصول الفقه”، و”مفاتيح الغيب” أو “التفسير الكبير” في التفسير، وله “أساس التقديس” في العقائد وغيرها (4).
يقول عنه ابن خلدون: “ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة … فسبروا قواعد ومقدمات فن الكلام بمعيار المنطق… فكان أول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي، وتبعه ابن الخطيب” (5)، وكأن ابن خلدون يشير إلى كتاب (معيار العلم) للغزالي، الذي احتفى فيه بالمنطق وجعله القسطاس الذي توزن به مدارك العقول، وكذلك مقدمة المستصفى (للغزالي أيضاً)، والتي هي مقدمة منطقية في مراتب الإدراك واليقين، واشتراط العلم بالمنطق. اقرأ المزيد »
د. بدران بن الحسن
تم نشرها بموقع الاسلام اليوم بتاريخ 6/1/1425 26/02/2004
المبحث الثاني: ابن عاشور
موجز عن ابن عاشور:
إذا كان الرازي عاش في زمن تطور فيه النظر الفلسفي، وكثرت فيه الردود على الفرق المختلفة، بمنهج المتكلمين الذي اختطه المعتزلة وطوره الأشاعرة، وزاد عليه الرازي حين دمج الكلام بالإلهيات، فإن ابن عاشور عاش في زمن يختلف تماماً عن العصر السابق، وفي جميع مناحيه، سواء في جوانبه السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، إذ أن زمن ابن عاشور شهد سقوط الخلافة الإسلامية، وبروز ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وما انجر عن ذلك من تمزق ثقافي دام قرابة القرنين، إضافة إلى ركام التخلف الذي تراكم عبر القرون، غير أن ما يميز عصر ابن عاشور أيضا ذلك الجانب المضيء منه؛ والمتمثل في جهود التجديد التي انطلقت على أيدي الأفغاني وعبده وتلاميذهما منذ نهاية القرن الميلادي الماضي، ويعتبر ابن عاشور أحد تلاميذ هذا الخط التجديدي، الذي حاول بعث بذور الوعي في الأمة على مختلف المستويات، فأفرز الاستقلال السياسي، إلا أن الاستقلال الثقافي والحضاري عموما، ما زال مطلبا وأملا تعمل له جهود المخلصين. اقرأ المزيد »
د. بدران بن الحسن
تم نشره بموقع الاسلام اليوم بتاريخ 15/1/1425 06/03/2004
المبحث الثالث: سيد قطب:
موجز عن سيد قطب:
إذا كان الرازي قد عاش في القرن السادس الهجري، في ظل هيمنة الحضارة الإسلامية، رغم بعض مظاهر الصراع السياسي، إلا أن الأمة كانت ذات غلبة على كثير من التحديات التي تواجهها، وخاصة في الميدان الفكري على أيدي الغزالي وتلاميذه وأقرانه من العلماء، وإذا كان ابن عاشور يعتبر امتدادا للمدرسة الأصولية التي وضع لبناتها الشاطبي، فإن سيد قطب يعتبر حالة خاصة تتميز عن السابقتين، ولو كان بينهما نوع من التشابه.
فلقد عاش سيد قطب خلال الثلثين الأولين من هذا القرن العشرين الميلادي، ويعتبر من الناحية الفكرية ثمرة مدرسة محمد عبده، إذ هو خريج دار العل(1). غير أنه من الناحية الحركية الاجتماعية ميلاد العمل الرائد الذي قام به الإمام البنا عليه الرحمة، الذي أسس جماعة “الإخوان المسلمون” في 1928م، هذه الجماعة التي أرادت أن تواجه عملية التغيير من منظور جديد هو منظور إحياء معاني الإسلام والإيمان في نفوس الناس ليعيشوها عمليا في واقع حياتهم.
كان سيد قطب أديبا، وبالتحاقه بدعوة الإمام البنا، تحولت جهوده كلها إلى العمل الإسلامي، فكريا وحركيا وسياسيا، وبالرغم من أن إسلاميته كانت واضحة قبل انضمامه لجماعة الإخوان، وخاصة في كتابه “مشاهد القيامة في القرآن الكريم”، فإن وعيه بالعمل للإسلام، وإخلاص حياته له قد تكرّس بعد انضمامه إلى الجماعة.
ويعتبر سيد قطب المنظر الحقيقي لهذه الحركة في بداياتها، وخاصة في مواجهة العلمانية الناصرية، وتسلطها وطغيانها باسم القومية العربية، وما لاقاه الدعاة من تعذيب وتشريد على أيدي زبانية الناصرية من قيام الثورة الناصرية في 1952 وحتى السبعينيات. وفي ظل هذه التحديات؛ الديكتاتورية، والعلمانية، والماركسية، فإن سيد قطب توجه إلى صياغة معالم الفكر الإسلامي الذي يضمن مسيرة الحركة الدعوية لتحقيق أهداف الإسلام في هذه الحياة، فكان أن توجه إلى تفسير القرآن الكريم تفسيراً يستخرج منه المعالم الفكرية الضرورية، والتصورات اللازمة، والرؤى السديدة، بالإضافة إلى تأكيده على تميز المنهج الإسلامي عن غيره من المناهج الجاهلية والمنحرفة، وكان من أهم كتبه التي تعتبر مؤسسة لفكره؛ تفسير “في ظلال القرآن”، وكتاب “معالم في الطريق”، و”خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”، و”المستقبل لهذا الدين”، وغيرها، مما كان له أبعد الأثر في فكر الحركة الإسلامية المعاصرة، وترك جدلا علميا واسعا بين متقبل لما كتب وبين رافض. اقرأ المزيد »
