تحدي النموذج المعرفي الغربي والحاجة إلى رفع التحدي (2-2)

بدران مسعود بن لحسن
 الجمعة، 02 أكتوبر 2015 06:54 ص

أمام هشاشة الثقافات المحلية التي بعدت عن ثوابتها الأصلية، ومع الغلبة التي حققتها الثقافة الغازية، بدأ الاجتياح والغزو الثقافي، وبدأت الحصون الفكرية والثقافية للأمم الأخرى تتهاوى أمامه. وعلى الرغم من أن الأمة الإسلامية لم تستلم بمجموعها للثقافة الغازية، إذ التجأت الفئات المقاومة منها إلى ما بقي محفوظا من تاريخها الثقافي والحضاري، تحتمي به من الذوبان، فإن ذلك اللجوء لم يكن في مستوى التمكين من المقاومة الفاعلة، وإن حالَ دون الذوبان الشامل.

وكانت النتيجة عدم تمكن الأمة من عملية النهوض والبناء الحضاري، نظراً لهشاشة الفهم للمورث المحتمى به من جهة، والعجز عن التعامل مع الثقافة الوافدة، أو صد خطابها الحامل للتحدي من جهة أخرى.

كما أن الأمر أدى إلى سقوط فئات من الأمة في الاستلاب الثقافي والشغف بقوة الغالب، وتشرب ثقافته والانسياق وراء خطابه الفكري والمعرفي، بمحاولة تقليده في كل شيء، والانبهار به إلى درجة المسخ في شكل أبواق تردد محتواه ومضمونه وتروجه، ظنا من تلك الفئات أن ذلك قد يمكن الأمة من اجتياز حاجز التخلف، واللحاق بركب الحضارة، ويعوض عن مركب النقص.

إلا أن أصحاب هذا التوجه لم يجنوا إلا الحصاد المرّ، المتمثل في فقدان الهوية واضطراب الرؤية وتفكك الشخصية الإسلامية. لهذا فإننا في أمس الحاجة إلى وعي هذا التحدي الحضاري الغربي عموما، والتحدي المعرفي بوجه خاص.

أهمية الوعي بالتحدي
وإن أول ما ينبغي القيام به هو وعي التحدي، ويكون ذلك بخطوتين منهجيتين؛ وعي الذات الإسلامية، والوعي بخارطة الواقع الحضاري.

أولاً– الوعي بالذات الإسلامية: وهو أمر ضروري، ومهم ودونه لا يمكن أن نحل مشكلاتنا، ولا أن نبلِّغ الهداية إلى الآخرين، ورسالتنا في عصر العولمة تتحدد بمدى فهمنا وتمثلنا للقيم الإسلامية، ولا يمكن أن نحقق التغيير المطلوب إذا لم نرتفع إلى مستوى الإسلام.

والوعي بالذات الإسلامية يعني تحقيق وتمثل المثل الإسلامية، وأن يعيشها الفرد المسلم والمجموع، وأن تصبح صبغة لمفردات الحياة اليومية للمسلم، وليس فقط التلفظ بعبارات التوحيد والتوكل والرضا والإتقان للأعمال، وغيرها.

فالتوحيد الذي هو جوهر الذات الإسلامية، ينبغي أن يحياه المسلم في أبعاده الاجتماعية والنفسية والعلمية، فعلى المستوى النفسي يربط المسلم مصيره وأمله وتوجهاته وأهدافه بالله عز وجل، فيخلص التوجه إلى الله، ليحقق وحدته من التمزق، وعلى المستوى الاجتماعي تنتفي مظاهر الصراع والتناقض ويكون توجه المجتمع نحو التكامل والتآلف، فتحكمه مبادئ الاستخلاف والإعمار والتسخير والعبودية لله عز وجل، وعلى المستوى المعرفي يتحقق لدى المسلم وحدة الحقيقة، وانسجام سنن الله في الكتاب وفي الأنفس والآفاق والتاريخ، فلا يحدث عنده تناقض بين الوحي والكون، ولا بين الوحي والعلم؛ لأن الوحي هدي صادق، والعلم توجه صادق بحثا عن الحقيقة.

ثم إن مواجهة أي غزو فكري تتطلب هذا الوعي بالذات، حتى يميز المسلم بين تفوق ذاته الإسلامية، وقصور مصدر هذا الغزو، لتحقيق الحصانة من الغزو، والقضاء على عنصر القابلية للاستضعاف والغزو.

ثانياً– الوعي بخارطة الواقع الحضاري: إن الخريطة الحضارية للمجتمع الإنساني الراهن تتشكل من حضارات، وكل حضارة تعبر عن نموذج حياتي متميز عن غيره، وفهم الحضارة مقرون بوعي مذهبيتها ونظامها الفكري ومشروعها الاجتماعي ومنهجيتها المعرفية التطبيقية.

كما أنه من الواضح أن الضمير الإنساني في عصرنا لم يعد يتكون في إطار الوطن والإقليم، وهذا مع اعترافنا بأن أرض المولد التي يعيش عليها الناس تمدهم بالبواعث الحقيقية لمواقفهم العميقة، غير أن الضمير الإنساني في القرن العشرين إنما يتكون على ضوء الحوادث العالمية التي لا يستطيع أن يتخلص من تبعاتها، فإن مصير أي جماعة إنسانية يتحدد جزء منه خارج حدودها الجغرافية. فالثقافة أصبحت تتحدد أخلاقيا وتاريخيا داخل تخطيط عالمي.

خاصة مع التطور الذي دفعت به موجات الحداثة وما بعد الحداثة وصولا إلى العولمة، وما صاحب ذلك من تطورات وأحداث عالمية أحدثت تأثيرا في وعي الإنسان واهتماماته ولم يعد وعيه يتشكل بشكل انعزالي عن المؤثرات الخارجية، ومن هنا فالوعي بها، ووضعها في الحسبان يمكن من التفاعل الإيجابي معها.

يقول مالك بن نبي في هذا الإطار: «فالمثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي».

ولم يعد من المستساغ علميا وواقعيا الغفلة عما يجري من حولنا في القرية العالمية، وإلا فإن وعينا سيصيبه الضمور، ونجهل المعالم التي تتحرك على منحاها أحداث التاريخ، فالمستوى الشخصي للمسلم حتى ولو نما نموا نسبيا، يمكن أن يبدو في حالة تضاؤل، بقدر ما ينمو تطور الآخرين بسرعة أكثر. والواقع أن الوعي الاجتماعي الذي كان يتكون منذ حين في دائرة محدودة أمام منظر محدد عموما، بنطاق بلاد معينة هي الوطن، قد أصبح يتكون اليوم في إطار أكثر امتدادا بدرجة لا تضارع، وفي منظر أكثر انفساحا.

ولهذا فالاهتمام بالآخرين يفرضه المنطق الإنساني، وتحتمه التداخلات بين الشعوب والأمم، وحياة الشعوب التي تواجه في عصرنا مشكلات خاصة بكيانها، ومشكلات مشتركة، إنها تعبر عن امتداد كيانها في عالم الآخرين، وتأثير العامل التكنولوجي الذي صاغ بالنسبة لكل شعب ضرورات من نوع خاص تفرض على حياته التزامات ومسؤوليات جديدة في نطاق أوسع من نطاقه التاريخي الجغرافي المعتاد.

هذه الالتزامات والمسؤوليات المتجاوزة للحدود التقليدية تكون مقياسا مباشرا لدرجة تحضر هذا الوسط حيث لا يحيا الفرد مع أهله ومواطنيه فحسب ولكن مع عدد أكبر من الناس، من مختلف الأطر والانتماءات الحضارية والثقافية.
http://www.alarab.qa/story/670204/%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-2-2#section_24

تحدي النموذج المعرفي الغربي والحاجة إلى رفع التحدي «1-2»

بدران مسعود بن لحسن
الجمعة، 25 سبتمبر 2015 05:46 ص

ليس بمقدور أحد -في ضوء المعطيات الراهنة- أن ينكر كون الأمة الإسلامية في العصر الراهن تعاني من حالة من التخلف الحضاري يعبر عن نفسه بصيغ شتى، ليس أقلها خطرا ما يلاحظه المؤرخ البريطاني «أرنولد توينبي» في دراسته للتاريخ بخصوص الحضارات الست المتبقية بعد غياب ما يزيد على العشرين، وأن هذه الحضارات المتبقية -بما فيها الحضارة الإسلامية- تلفظ أنفاسها، وتدور في فلك الحضارة الغربية الغالبة، وهي معرضة في أية لحظة للتفكك والتلاشي في مدارات هذه الحضارة.

ومن الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في عصرنا، أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكانا مركزيا في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة، على المستويين المعنوي والمادي.

ونحن نلاحظ كيف أن التعامل مع الحضارة الغربية الغالبة أخذ -منذ أخريات القرن الثامن عشر- صيغة الانبهار الذي دفع كثيرين من قيادات الأمة الإسلامية ونخبها وعلمائها، وأبنائها عموما، إلى الأخذ غير المتبصر عن هذه الحضارة، أو ما سماه مالك بن نبي «التكديس»، الذي يستورد ويراكم الخبرات والأشياء، ولكنه لا يصنع حضارة، أو يعيد نهوضها من جديد!

ومكمن الخطورة في هذا الأخذ، أنه لم يميز بين الأشياء والأفكار، فإذا كان في الحالة الأولى يمارس عملا مشروعا، فإنه في الثانية يقتحم عقل الأمة وعقيدتها وثوابتها التصورية وخصائصها الأساسية بجملة من المفردات التي تلحق الدمار بمقومات الشخصية الإسلامية، وتقودها إلى الخروج من ساحة الاحتكاك الحضاري، وقد فقدت ذاتها وأصبحت -في نهاية الأمر- تابعا يدور في فلك الآخر.

وفي سياق هذه المقالة، فإن تركيزنا على التحدي الذي يطرحه النموذج أو النسق المعرفي الغربي، ذلك أن النسق المعرفي الغربي الذي يؤطر المعرفة ويثريها بمقولاته، والرؤية الغربية لله عز وجل وللكون والحياة، هي التي تسيطر على توجهات أغلبية شعوب الأرض الآن، وتحاصر ثمرات هذا المنهج وعي الإنسان وفكره وسلوكه ورغباته، حتى تكاد تأسر رؤية الإنسانية للوجود، فأصبحت الحضارة الغربية «قانون العصر» المهيمن.

وعندما تنظر إلى هيمنة النموذج المعرفي الوضعي العَلماني الغربي تظن لأول وهلة أنه أبلغ ما يمكن للعقل البشري أن يبلغه، ومبعث هذا الاعتقاد أن النموذج المذكور قد مكن لنفسه بترسانة من الوسائل التكنولوجية والتقنيات المتطورة التي استبدت بحياة الإنسان في شتى جوانبها، داخل بيته وخارجه؛ سيارة يمتطيها، وهاتف يحدد به المواعيد، وجهاز كمبيوتر يكتب فيه ما يشاء ويخط فيه سائر خطاباته ويتصل به ويقرب الأبعاد، فيظهر لك زيادة إلى ما سبق أن الغرب قد امتلك ناصية الحقيقة المطلقة التي لا يساورها شك ولا يعتريها نقص.

والعالم الإسلامي إذ أفاق من السيطرة العسكرية الغربية، يحاول أن يضيف إلى ذلك التحرر من الهيمنة الشاملة والكاسحة للحضارة الغربية بنموذجها المعرفي، لأنه يحتوي بعض العناصر المخالفة للرؤية الإسلامية للحياة، من استبطان الأسلوب العَلماني والوضعي والنسبي والمادي والتطوري، في تحليل الظواهر وقراءة التاريخ.

وبهيمنته، أتلف الغرب قداسة الوجود في النفوس والضمائر والثقافة، بسبب منشأ ثقافتها التي أطلقت عليها اسم العلمية، والتي أخضعت كل شيء وكل فكرة إلى مقاييس الكم منذ عهد ديكارت. ذلك أن المادية المتمركزة، والكمية التي أشيع عنها أنها هي العلم وهي المنهج العلمي الصحيح، صارت معيارا لقياس مدى صحة أو علمية أي فكرة أو شيء في هذا الوجود.

فالتطور الهائل الذي عرفته العلوم الطبيعية والتكنولوجية وحتى الإنسانية، قائم على الفكر المادي، والفلسفة المادية التي طغت على الحضارة المعاصرة سواء في أصولها النظرية أو في تطبيقاتها الاجتماعية والسياسية. وصار المجال العقائدي وفق النظرة المادية الوضعية من قبيل الشأن الشخصي الذي لا يخضع لمنطق البرهان الاستدلالي العقلي، ولا يمكن اعتباره علما حسب هذه النظرة الوضعانية.

فالمنهج المعرفي الغربي مادي في أساسه، متمركز على المادة، وينكر الغيب وما يتصل به من إيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. وترفض الحضارة الغربية وفق منهجها العلمي أي مصدر آخر للمعرفة خارج عن نطاق الفحص الحسي المادي، الخاضع للتجربة المخبرية أو المشاهدة.

وبما أنها مادية فإنها تُخضع كل شيء لقوانين المادة من تحول وتغير، ولا يوجد هناك ما يسمى «ثابت» مثل القيم والأخلاق، لأنها ليست أشياء يمكن تقديرها بالكم، فالصدق بما أنه لا يمكن وزنه ولا قياسه بالكمية أو بالأرقام فهو -في المفهوم الغربي- شيء مفتعل وغير موجود، ولا ثمرة من ورائه.

لقد تكونت في بلدان الغرب من جراء الفصل بين العلم والإيمان نظريات العلوم الإنسانية والاجتماعية والفنون والآداب، مبنية على رؤية ووجهات نظر مادية للإنسان ونفسيته، ومحاكمة طبيعته وتصرفاته وميوله، وتقويمها من خلال مقاييس المادة وحدها.

كما أن هذه العلوم الإنسانية في طابعها العلماني الحديث وزخم الاكتشافات الخارقة والمكتسبات الهائلة التي أحرزت عليها، أدت من حيث أبعادها الأخلاقية والروحية والإنسانية إلى متاهات عقائدية، إذ إنها جردت الإنسان من مكوناته الأساسية التي ترتفع بها فطرته البشرية، وتعتدل بها نفسيته، وتتزكى بها عقليته ويتسامى بها ضميره وروحه.

وزاد الخطب حين أحكم الغرب قبضته على مقاليد العالم في أواخر القرن التاسع عشر إلى الثلث الثاني من القرن العشرين، إذ عمل على تهميش الثقافات القائمة ببلدان العالم التي استعمرها وأبادها، معتبرا ثقافته المحور والمقياس لكل فكر ومعرفة، وأساسا لكل خطاب.

البقية الأسبوع القادم..

http://www.alarab.qa/story/665017/%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%85%D9%88%D8%B0%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B1%D9%81%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D9%8A#section_24