كيف تقدم بحثاً في مؤتمر – أ. د. مازن مطبقاني

كيف تقدم بحثاً في مؤتمر

دليل لطلاب الدراسات العليا
بقلم رومان جيروديموس  Roman Gerodimos
ترجمة: أ. د. مازن مطبقاني

يمكن أن يكون تقديم ورقة في محفل أكاديمي (مؤتمر أو ندوة أو حلقة بحث) تجربة مخيفة بالنسبة لعالم متمرس ناهيك عن طالب دراسات عليا. قد تكون ورقتك المحصلة النهائية لعملية بحث طويلة ومتعبة أنفقت فيها وقتاً طويلاً ومالاً وخبرات علمية، أو قد تكون إسهاماً نظرياً حيث تقدم نتائج دراساتك للجهود السابقة وما طورته من آراء خاصة، وقد تكون ورقة سريعة الإعداد وضعت فيها الهيكل لبحث مستقبلي تنوي القيام به. وعلى أية حال فإنها اللحظة التي تريد أن تحقق منها أكبر ما يمكن من الإنجاز. ومن المؤمل أن تساعدك الاقتراحات الآتية في استعدادك للمؤتمر القادم، وهي نتيجة خبرتي الشخصية أكثر منها قواعد محكمة. والمبدأ الأساسي الذي بنيت عليه هذه الملاحظات هو الوصول إلى نقطة التوازن بين المادة التي أعددت وما سيكسبه الجمهور الذي سوف يستمع إليك.

1-تجنب القراءة من نص مكتوب: 

ليس هناك ما هو أسوأ وأكثر إزعاجاً لكل الحاضرين من قراءة البحث بصوت عال. فلو فكرت أن معظم الحاضرين يستطيعون القراءة فإنك لن تضيف إلى النسخة المطبوعة التي يتم توزيعها على جميع المشاركين شيئاً. وفي الحقيقة فإن القراءة مدمرة لأن الجميع سيشعرون بالملل وقد تبدو قليل الاحترام لجمهورك. إذا كنت ستقدم بحثاً فإنك تحتاج إلى تخصيص يومين على الأقل لإعادة النظر في عملك وتحويله إلى حديث أو خطاب. لا تخف من رمي كمية كبيرة من المادة التي تقدم خلفية للموضوع أو تفاصيل منهجك أو نقاشك الخارجي، فالجمهور ليس لجنة مناقشة الدكتوراه، إنما هم يريدون زبدة الموضوع وأنت تستطيع توضيح الأمور في فترة الأسئلة والأجوبة واستدراك ما فاتك في أثناء إلقاء البحث.

2- اجعل المحتويات مناسبة للجمهور

        لا معنى مطلقاً أن تقدم شيئاً لا يمكن للآخرين أن يفهموه أو يكونون مهتمين به. اجعل حديثك مناسباً للجمهور من البداية. اجعله تفاعلي وأدخل أمثلة ونكات وطرائف وحكايات مما يجعل اللقاء أكثر حميمية. ولا يعني هذا الاستغناء عن المعايير الأكاديمية أو أفكارك الأصلية مهما كانت معقدة. ولكن ما لم توضح مناسبة حديثك لأولئك الذين يستمعون إليك سيكون جهدك هدراً لوقتهم ووقتك.

3- اجعل حديثك مناسباً للمناسبة.

        إذا كان للمؤتمر أو الندوة محوراً أساسياً أو سؤالاً حاول أن تشير إليه في بداية حديثك أو في نهايته. وينطبق الأمر نفسه على الجلسة التي تشارك فيها. فإن كنت محظوظاً ولم تكن في افتتاحية المؤتمر فيمكنك أن تشير إلى شيء ذُكر في جلسة سابقة أو ورقة أو حلقة بحث لتحريك النقاش. (فعلتُ ذلك في مؤتمر تعظيم حرمات الإسلام: ظاهرة التطاول على الإسلام في الغرب حيث أشرت إلى النقاش في اليوم الأول واختلاف وجهات النظر…) وإذا كان حديثك هو الخاتمة فهي فرصة طيبة أن تقدم وجهة نظرتك في المناسبة وتشير إلى أبرز الفوائد وتلخص الإسهامات للمؤتمر. وإن لم يكن ثمة شيء من هذا فيمكن أن تشير إلى قصة ظهرت في وسائل الإعلام وأوجد حواراً بين ورقتك والنطاق الأوسط للأحداث. أليس هذا هو الهدف من المؤتمرات وإلاّ فإننا نأخذ الأوراق ونعود إلى بيوتنا.

4- ابدأ بهدوء وحافظ على انتباه الجمهور

        إن أفضل إستراتيجية في إعداد حديث هو أن تضع نفسك مكان الجمهور. أن تبدأ بمقولة معقدة أو عميقة تتضمن مراجع إلى كتابات علمية أو مفاهيم متقدمة قد لا يكون هو أفضل طريقة لكسب الجمهور. إن السرعة والتوقيت مهمان جداً وفي خلال العشرين دقيقة المخصصة لك ثمة وقت لكل شيء من الطرفة التي تضحك على النفس التي ستجذب انتباه الجمهور إلى نقطة الذروة عندما تقدم النقاط الرئيسة في موضوعك إلى نقطة التي تصبح فيها جدلياً. من التنظيم الجيد أن يكون لك وقفات يسيرة في أثناء الحديث لتعطي الجمهور فرصة ليستوعب أفكارك، ولماذا لا ترمي سؤالاً أو سؤالين. فهناك العديد من الناس يمكن أن يكونوا قد انصرفوا عن الاستماع (لا تأخذ هذا كإهانة، فكم مرة تثاءبتَ في أثناء إلقاء غيرك محاضرة)، فالتوقفات لو استخدمت بطريقة جيدة فإنها قادرة على إعادة من انصرف عن الانتباه.

5- قدم مخططاً لبحثك:

        قدم لجمهورك مخططاً لحديثك حتى يعرفوا عن ماذا تتحدث. يمكن أن يكون هذا في شكل ورقة توزع عليهم في البداية أو شريحة وهذا يساعد في جعل من يستمع إليك أن يكون جزءاً من الحديث. ضع علامات على الأقسام الرئيسة لورقتك بوسائل مرئية أو مسموعة. إن التقديم المنظم ليس فقد قابل للفهم ولكن يساعد كل شخص على العودة إلى بعض النقاط الخاصة خلال فترة الأسئلة والأجوبة.

6- اجعل استفادتك من الوسائل السمعية البصرية استفادة قصوى (مثل  البور بوينت وغيرها)

        احسب الزمن تقريبياً فاجعل لكل شريحة دقيقة واحدة مما يعني استخدام 15-20 شريحة. حاول أن لا تثقل الشرائح أو تخففها جداً. إن البنط المثالي هو 14-16، ولو كان أصغر من ذلك بكثير  سيكون غير مناسب ومزعج للجمهور. من الأفضل أن تضع أرقاماً للشرائح حتى يمكنك والجمهور أن تعرفوا تطور الموضوع.  ومعظم البرامج الموجودة سهلة الاستخدام مما سيحول موضوعك إلى تقديم رائع من حيث الألوان والصور وغيرها. ولكن لا تبالغ في ذلك حتى تتحول الورقة إلى نوع من الموسيقى الشعبية. ولو كنت تنزعج من توجه الأنظار في القاعة عليك فاستخدام الشرائح نوع جيد من إبعاد الأنظار عنك.

7- توزيع بعض المعلومات يساعد

        وينطبق المبدأ السابق على ما توزعه من معلومات فالسكوت برهة وإشارتك إلى ما وزعته من أوراق أو شريحة ما يمكن أن يكون استراحة مرغوب فيها في أثناء الحديث. وأكثر أهمية أن يخرج الناس من المحاضرة ومعهم أوراق عليها اسمك وعنوانك وانتماءك العملي وبريدك الإلكتروني وصفحتك في الشبكة. والحجم المثالي هو ثلاث أو أربع شرائح من حجم صفحة الطباعة العادية ولو كان أكثر من ذلك لكان مكلفاً ومزعجا أو مخيفاً.

8- رئيس الجلسة صديقك

        لا تتجاوز تحت أي ظرف من الظروف الوقت المخصص لك، فالجمهور سيشعر بالتعب (نحن البشر لدينا قدرة محددة على الانتباه حينما يكون الموضوع معقداً كالحديث عن أصول العواقب الدستورية ومبادئ المسؤولية الوزارية مثلاً) إن انتهاءك قبل الموعد يعطيك ميزة ويظهر احترامك لزملائك في الجلسة.

9- كن جريئاً وجدلياً 

وللتعبير عن ذلك بأسلوب ساخر أقول عندما تنتهي الحفلة أو المؤتمر قليل من الناس يتذكرون ورقة لا طموحات عند صاحبها (مهما كانت مكتوبة جيداً ومقدمة بطريقة جيدة) لديك فرصة فريدة لقدم رأيك بطريقة دبلوماسية حول بعض الأمور وربما لو كنت محظوظاً ومستعداً استعداداً جيداً أن تتحدى أراء راسخة مدة طويلة أو محرمات قديمة ما دام لديك البراهين والنقاش لتأيد آرائك. كل ما في الأمر أن ذلك سوف يشجع على النقاش وسوف يتذكر الناس اسمك.

10- قبل وبعد:           

        الحقيقة أن ما يحدث قبل وبعد تقديمك لورقتك يمكن أن يساوي في الأهمية أو يزيد على تقديمك ورقتك.  إن بعض أهم المعارك الفكرية قد حدثت في المقاهي والحانات (عندهم) بعد الجلسات. تحدث إلى الناس. حاول أن تعرف منهم على رد فعلهم الأمين لما قدمت. فمعظم الناس العاديين يكونون إيجابيين ويشجعونك ويساعدونك وربما يشيرون إلى نقطة أو اثنتين يمكنك أن تحسنهما في  المرة القادمة. لا تنزعج إذا ما حدث ذلك احرص على تكتب تلك الملاحظات  وتعليقاتهم واشكرهم على مساعدتهم. وربما كان عليك أن تعد بطاقات زيارة قبل المؤتمر (قطعة من الورق عليها اسمك وانتماءك وطريقة الاتصال بك. إن عمل شبكات الاتصال أمر مهم في المؤتمرات وإن كنت مسروراً من ورقتك دع العالم يعرف ذلك.

        قد يبدو كل ما سبق مرعباً إن كنت ستقدم ورقة في مؤتمر ومع ذلك فابدأ بخطوات صغيرة وثمة طريقة عظيمة هي أن تقدم الورقة في حلقة بحث أو مناسبة ينظمها قسمك أو جامعتك. وثمة هيئات لطلاب الدراسات العليا تنظم سلسة من المؤتمرات والندوات الدورية طوال العام والتي مهمتها أن توجد بيئة مريحة ومشجعة وداعمة لطلاب الدراسات العليا.

أعدت هذه الأوراق في 8 سبتمبر 2004م

تمت الترجمة في 26 أكتوبر 2010م

 

في علم الاستغراب: قراءة في كتاب (مقدمات الاستتباع) (2/2)

الاحد 14 شعبان 1426 الموافق 18 سبتمبر 2005
 د. بدران بن الحسن

في الحلقة الأولى من هذا المقال تناولنا أهم المحاور التي ركّز عليها كتاب (مقدمات الاستتباع) من خلال التصدير والمقدمة، وفي هذه الحلقة نتناول أهم النقاط الواردة في بقية الفصول.

ففي الفصل الأول من الكتاب تناول الكاتب مظاهر نشوء النظام الغربي مركزاً على كيفية اشتغال القوانين الجديدة التي تحكمت في الحملات التبشيرية والمهام التي كُلّفت بها لغزو ما سُمّيَ بالشرق وتشويه صورته، ثم أبرز كيف انخرطت الدول الغربية، لحل مسائلها السياسية الداخلية، في الحملات التوسّعيّة ما قبل الاستعمارية فيما وراء البحار، ثم كيف أسهمت في إضعاف الإمبراطورية العثمانية -التي كانت تشكل تحدّياً سافراً للغرب آنذاك- وترسيخ الانشقاقات الطائفية والعرقية والقبلية والإقليمية بين الجماعات المتعايشة في ظلها.
وفي خمس نقاط يتناول النشوء والنماء الذي سار عليه النظام الغربي؛
ففي النقطة الأولى يتناول عملية التداخل بين السلطة الدينية للكنيسة مع الغزوات التجارية (المركنتيلية)؛ إذ ستتبلور (أيديولوجيا) تجعل من الربح قاعدة لـ”التقدم”، ومن المبادلة الحرة أداة أكثر فعّالية وضمانة لـ”الحضارة”، وذلك حين تحوّلت التجارة عند التجار وأصحاب المصارف إلى “فضيلة”، والمال إلى “صنم” بوصفهما شرطين أساسيين لضمان “النجاح” في الحياة العملية. (ص 28).
وفي مسار تشريع اللاهوت للناسوت “المركنتيلي” اضطرت كل الكنائس أن تتكيّف مع التنمية الخارجية للروح التجارية أو التشجيع لها، ثم الأخذ بالعقلية الصناعية… لقد أوجدت الرأسمالية روحها الخاصة، ووضعت الكنائس أمام ضرورة الاندماج بالقانون الطبيعي (للدولة-الأمة) (ص35–36).
وفي النقطتين الثانية والثالثة: تناول الصراع الذي حدث بين الكنائس على الشرق ودخول البروتستانت (protestant) حلبة المنافسة لما كان للمراسلين الكاثوليك من نشاط مكثف، وفي خِضَمّ هذا الصراع كان نشر “الإيمان المسيحي” يجري من خلال ثلاث قنوات: الصحافة والإرساليات ثم الطباعة لكونها وسيلة فعّالة لنشر الأفكار. (ص45).
أما النقطة الرابعة فيتناول فيها اشتداد الهيمنة الأوروبية على الشرق الأوسط في مختلف المجالات في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر، بخاصة في عهد محمد علي باشا إثر الشروع في “التنظيمات” الإصلاحية عام 1839م.
وقد قدم المؤلف في هذا السياق حشداً من المعلومات عن الإرساليات الغربية وعن أنشطتها المتشعبة والفعالة بين أهل الشرق، مبيناً ارتباطاتها المباشرة بإستراتيجيات الدول الغربية.
وأما في النقطة الخامسة فقد تطرق الباحث إلى النتائج الضارة التي سبّبتها الإرساليات الأجنبية بمختلف أنشطتها سواء للمسلمين أو للمسيحيين الشرقيين أو غيرهم؛ إذ في إطار التوسع الاستعماري وترسيخ دعائم السيطرة الأوروبية في وعي الأهالي، خاصة باحتواء الأقليات الدينية والمذهبية والإثنية، ثم استقطابها، ثم عزلها وجعلها معادية لقيمها ومحيطها الديني الثقافي والحضاري.
وكانت أهم هذه النتائج الضارة تتمثل في: تأصيل الطائفية، وتفاقم الصراع بين الجماعات، وغرس المشروعين الانفصاليين الماروني، واليهودي.
فمن أجل تأصيل الطائفية، أنشأ النظام الغربي قاعدة للطائفية بزرعه لفكرة “الدولة – الأمة” (nation-state) المجسّد للطائفية نظاماً اجتماعياً، وقد رُبِطت هذه الدولة عمودياً بدول المركز وبعجلتها الاقتصادية، وقام بتلغيم القواسم المشتركة، ووسّع هوة الفوارق الاجتماعية، وأثار النـزعات الطائفية بين الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية.
أما فيما يخص تفاقم الصراع بين الجماعات، فهو على ضربين: صراع بين الجماعات الدينية والمذهبية والعرقية، وصراع من مستوى آخر، وهو صراع النخبة المستغربة مع الأغلبية الشعبية.
لقد لاحظنا سابقاً ضمن إستراتيجية التغلغل التبشيري، أن كل القوى الاستعمارية حاولت أن تدعم بطريقة منفردة أو مشتركة، جماعة على حساب جماعة أو جماعات أخرى، متعايشة سابقاً في ظل الخلافة العثمانية، من أجل مد هيمنتها وتكريسها على الخلافة العثمانية وتفكيكها، ثم الوصول إلى اصطناع دويلات مبنية على قواعد عرقية وطائفية وقبلية وإقليمية وجهورية. لكن المشروعين الذين استأثرا أكثر من غيرهما باهتمام القنصليات الأجنبية، في القرن التاسع عشر، هما إنشاء كيانين لليهود الأوروبيين والآخر للمسيحيين المحليين، وبالتحديد الموارنة، ليكونا بمنـزلة حصنين متقدّمين للمركزية الغربية في الشرق الأوسط، ومنطلقين للمرافعة عن “العالم الحر”.
وفي الفصل الثاني المُعنون “من السيطرة على الطبيعة إلى السيطرة على البشر” قام الكاتب بتحليل الكيفية التي تمّت بها بلورة مفاهيم المركزية العرقية الغربية، وكيف تضافرت هذه المفاهيم مع حملات التبشير باسم “العقل” و”العقلانية” أو “الموضوعية العلمية”.
ولإبراز المعايير والقيم والعادات الذهنية التي تسكن الخطاب التاريخي المتعالي للنظام الغربي الصاعد، قام الباحث بمقاربة تلمس المقدمات والعناصر الإجرائية المنظمة و “المعقلنة” التي مكنت هذا النظام من تدعيم أسس الاستشراق، كعنصر مكتمل لهيمنته، وتبيان كيفية المحاججات “العقلانية” التي سمحت له بفرض ثقافته على الشعوب المهمشة وخاصة بعد “عصر الأنوار”.
هذه المقاربة تناولها في عناصر أربعة: مصادر الخطاب الكوني في منعطف القرنين السادس عشر والسابع عشر، والعرقية المركزية الكامنة في الخطاب الكوني، والحروب بوصفها صمّام أمان “للدولة-الأمة”، ثم استغلال أسطورة “الإنسان المتوحش الطيب”.
فالمثقفون في أوروبا في بداية عصر النهضة انكبوا على استنطاق أنفسهم حول الأسباب التي تم إنشاؤها عن طريق الملاحظة الحسية من أجل توسّع الحد الأقصى من فضاء السيطرة على الطبيعة. ومع توسّع التجارة، وظهور علم (الأنثروبولوجيا)، وُلدت شبكة مؤسّسية من المعارف السياسية و(الأيديولوجية)، فمكيافيلي عندما اكتشف التاريخ الروماني بحث فيه عن القوانين الأبدية لسيطرة البشر بعضهم على بعض، في كتابه “الأمير”، وظهرت نظرته في العصر التالي مع مذهب “المصلحة العليا للدولة” التي ما كان لها أن تقوم لولا تبرير وسائل السيطرة الوحشية…، فمكيافيلي بمبدأ “الغاية تبرر الوسيلة” الذي كان خلاصة كتابه أسس للغزو الاستعماري وأخلاقه النفعية.
أما (هوبز) فقد دفع بهذا المفهوم إلى الحد الأقصى، واعتبر الحرية ليس شيئاً غير غياب كل ما يحول دون الحركة، كما أعلن أن على الدولة أن تضع الكنيسة والدين في خدمتها، ثم (كوندورسيه)، و(ديكارت) الذي قدم حججاً (للإيديولوجية) الكاثوليكية وشجّعها على تكييف لاهوتها مع التقدم والارتقاء الثقافي العقلاني بوجه كوني.
ومع (هيجل) كشف الخطاب الكوني للغرب عن عرقيته المركزية الكامنة، ذلك أن هيجل لكي يدعم خطابه ويتفادى تحديد نفسه فقط بخطاب كوني متعارف عليه في عصره لجأ إلى التاريخ اليوناني الذي يعده المنطلق العام للتاريخ الإنساني برمته، وهو في أطروحته ينطلق من شقين: في الشق الأول يشيد بالتاريخ الغربي مرجعاً واحداً جديراً بالاعتبار. أما الشق الثاني فيحط من شأن تاريخ الحضارات المسماة بالشرقية ويعدها مرحلة زائلة.
فالجدلية الفكرية عند (هيجل) لا تتجاوز حدود الغرب، وكل فكر خارج هذه الحدود موسوم بالظلامية والاستبداد وانعدام الحرية والتاريخ.
هذه التعميمات تحوّلت إلى بداهات تعزز خطاب المركزية الغربية عن طريق “العلوم الإنسانية”، في إطار التطوّرية الداروينية- السبنسرية، والوضعية الأوغيست-كونتية، والمادية التاريخية (ص 77-80).
ضمن هذا المنظور العام ستغدو كل المسوغات العقلانية ناجزة لشن الحملات والحروب على هذه الأمم الموسومة ﺑ”غير المتحضرة” وقد أصبحت، لاحقاً، حقاً قانونياً ومطلباً حيوياً “للدولة-الأمة “الغربية.
ولإنقاذ المجتمع المدني الغربي من الركود والموت يقترح (هيجل) سلسلة من العلاجات تنطوي على القيام بالحرب والاستعمار. فالحرب لها الفضل في إعادة بناء التجانس الوطني تجاه التهديد المقبل من الخارج، والاستعمار سيسمح للدور الغنية بالتخلص من غير المرغوب فيهم.
أما أسطورة “الإنسان المتوحش الطيب” الموروثة عن العصور الوسطى وعصر النهضة فقد رسخت في الأذهان على شكل استيهامات غرائبية حتى بات الاستعمار يُعدّ عملاً إنسانياً يسوّغ غزو الشعوب “الوحشية” و “الكسولة”، أي: العاجزة عن الإنتاج واستغلال الثروات الطبيعية. الأمر الذي يثير شهوة التوسع والهيمنة عند الغزاة.
أما الفصل الثالث فقد تناول فيها الاستشراق و(أيديولوجية) الهيمنة: فلكي تضفي الدوائر الاستعمارية على (أيديولوجيتها) التوسعية صبغة قانونية وعقلانية كان عليها أن تقدم علومها في مجال الإنسان بصفة علوم حيادية عالمية شبيهة بالعلوم الطبيعية… ولم تتردّد “العلوم الإنسانية” في توظيف أسطورة الإنسان المتوحش” بما يخدم مصالح دولها. والقصد ليس تجريده من مزاياه الفكرية فحسب، إنما هو تأسيس خطاب علمي مخصص للآخرين يبرز للمركزية العرقية الغربية زعزعة ثقة الشعوب الشرقية بذاتها وبمعاييرها وتدمير مجتمعاتها وعوامل الاستمرارية عندها، ولعل هذا ما جعل العلماء -على الرغم من اختلاف مشاربهم (الأيديولوجية)- يجمعون على إسقاط أحكام معيارية مسبقة الصنع على الشرق وإلصاق كل النعوت السلبية به: من قبيل الاستبداد، والتأخر، والكسل، واللاعقلانية، واللاتاريخية.
من أجل “البحث عن آدم جديد” للأوروبي الأبيض والمتفوق والعنصري، عمل الاستشراق على خطين: الوعي اللغوي بمنظار أوروبا ومقاييسها، والميل إلى التجزئة والتفريع وإعادة التجزئة لمباحثه دون أن يغير من رأيه حول الشرق.
أما الحتمية العرقية التي نهجها علماء اللسانيات والسلالات فقد أدّت إلى جعل العرق صنماً محركاً للتاريخ على يد (شارك كونت)، و(فيكتور دوليل)، و(غوبينو) الذي يرى أن العرق الأبيض يظهر فيه بوضوح الجمال والذكاء والقوة، ويمتلك عنصرين أساسيين لكل حضارة هما: دين وتاريخ، فضلاً عن اجتماعيته المتحضرة، وتفاوته وتوسّعه عن طريق الغزو (ص 95).
أما (أرنست رينان) فيرى أن العرق السامي يُعدّ شكلاً منحطاً ذا تركيب أدنى من الطبيعة الإنسانية بالمعنى الأخلاقي والبيولوجي (ص 96)، يستثنى اليهود بإدراجهم في دائرة المركزية العرقية الغربية بدعوى أن العرق “الإسرائيلي” قدم للعالم أكبر الخدمات العظيمة (ص 97).
والخط نفسه سار عليه (كوفييه)، و(سانت فانسان)، و(كاتروفاج)، و(دوبلاج) في فرنسا و(توما أرنولد)، و(كنوكس) و(داروين) و(سبنسر) في بريطانيا ثم في الولايات المتحدة على يد (ميرتون)، و(جيرون)، و(نوت) من دعاة الأشكال المتطرفة للنظرية العنصرية المعادية للسود، وبلغ الخطاب العرقي العنصري على يد علماء الأناسة الألمان ابتداء من القرن التاسع عشر حداً متطرفاً مع مبدأ تفوّق العرق الجرماني.
وتحت قيادة هذا الخطاب “العلمي” المسيطر والمؤسس في القرن التاسع عشر تحالفت الدولة الممركزة الدستورية، والعلم، والجيش، والصناعة والكنيسة لتوزيع الأدوار وتقاسم المهمات ضمن إستراتيجية منظمة، تراوحت مهماتها حسب الظروف، بين مطاردة السكان المحليين وتهميشهم وبين تسخيرهم وتصفيتهم. كل ذلك باسم الحضارة والحرية وحقوق الإنسان، وتقدم الإنسانية.
هذا التقدم: (الاستعمار والتحضير) نظر له كل فلاسفة أوروبا من (أوغست كونت)، و(هيجل)، إلى المدرسة الماركسية التي لم تفلت من الأسطورة الخاصة بالتقدم الأحادي والحتمي للإنسانية، ولم ينقطعا معرفياً ولا إيديولوجياً مع ثوابتهما الداعية إلى رسالة حضارية في الشرق، وفي الحقيقة ما قامت به الماركسية في أدبياتها حول الشرق كان امتداداً للمدرسة الاستشراقية (الليبرالية).
وخلاصة الكلام حول الاستشراق و(أيديولوجية) الهيمنة التي أنتجتها أن ما يريده المنظرون والمستشرقون هو وضع شعوب الشرق أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الرضوخ النهائي لمنطق الغرب، وإما أنها ستظل تعتبر، من قبل الخارج، محكومة بعدم قدرتها على مواجهة الحياة.
وأما في الفصل الأخير فقد تناول المؤلف “حملة بونابرت على مصر” التي هي نموذج تطبيقي للأدوات والترميزات والتصوّرات الغرائبية التي يحملها الغرب نحو الشرق.
إذ الحملة على مصر -حسب رأي الكاتب- لم تكن ثمرة مشروع عرضي هدفه محاولة بث التفرقة العرقية بين المماليك والمصريين من جهة، وبين العرب والعثمانيين من جهة ثانية باسم الإسلام، ثم تعميق الشقاق والصراع الاجتماعي ما بين الأديان والمذاهب باسم تقديم حلول علمانية زمنية مستمدة من مبادئ عصر الأنوار، للأقليات الدينية والمذهبية.
استخدم نابليون مجموعات من النخب المحلية لضمان سريان أوامره، وعمل على تأييد المارونيين، واستعطف اليهود ودعاهم إلى النهوض لتحقيق مطالبهم واستغلال الفرصة للعودة إلى أرض الميعاد.
ورغم أن احتلال بونابرت لمصر باء بالفشل على الصعيد العسكري، إلا أن آثاره لا تزال حتى اليوم تسيطر على منظوراتنا الثقافية والسياسية، ولقد انقسمت غالبية النخب المحلية المحدثة إزاء هذه الحملة إلى اتجاهين:
الأول: رأى فيها منعطفاً حاسماً في تشكل تاريخهم الحديث، لكونها كانت مبعثاً على “النهضة العربية” بفعل آليات المثاقفة مع الآخر الغربي.
أما الثاني: فيتمثل في التوفيق ما بين العلوم الحديثة المستجلبة والتراث العربي الإسلامي، وذلك بتطويعه للنموذج الغربي.
ولا يزال الصراع يدور بشكل سحالي دون نقاط مضيئة حول الأسس المشتركة لتحقيق النهضة.
في الخاتمة يناقش الباحث فكرة تجاوز الغرب لمقولاته المعرفية، غير أن الباحث -وأظنه محقاً في ذلك- يرى ألاّ نستعجل ونعمم الحكم على غالبية (الأنثروبولوجيين) والمؤرخين والمستشرقين بأنهم قد قطعوا، من حيث المضمون، مع مركزية النظام الغربي لكونهم انتقدوه أو انتقدوا مظاهره.
ذلك لأن عملية القطيعة تستدعي إعادة نظر جذرية في العديد من المسلمات الغرائبية والاستيهامية الثاوية في النظام المعرفي الغربي المؤسسي، ولا يكفي أن تطلق صفة القطيعة حتى يسلم آلياً بكل أشكال التطبيقات المعرفية، وما تتضمنه من إسقاطات ماسخة على شعوب الشرق وثقافاته.
إن أي ترويج اعتباطي لمفهوم القطيعة -دون قيام نوع من علاقة المحاورة المتفاعلة بين الغربي والطرف الآخر- يُعدّ إضافة أيديولوجية إلى جملة ما هو سائد.
وفي الختام:
هذا وإن الكتاب مليء بالأفكار يحتاج إليه كل مثقف يريد لنفسه أن يتفاعل إيجابياً مع الغرب المهيمن بخيله ورجله وأفكاره وإنتاجه، ذلك أنه يبحث في الجذور المعرفية التي أسست للخطاب الغربي المستعلي، ويقوم بالحفر في عمق مدلولات الخطاب ليبرزها، ويناقش “حقلاً معرفياً” يحتاج إلى ارتياد الكثير من ذوي البصائر وأولي الألباب، حتى يؤسس التعامل مع الغرب على علم، وتُختصر الكثير من المعارك الوهمية، وتُقتصد الجهود، والله أعلم.

قراءات في علم الاستغراب (1/2) قراءة في كتاب (مقدمات الاستتباع)

الاحد 30 رجب 1426 الموافق 04 سبتمبر 2005
د.بدران مسعود بن لحسن

لماذا علم الاستغراب؟
من المسائل الشائكة في عالم أفكارنا كيفية التعرف على الغرب ومعرفة أنساقه الفكرية وتجربته الحضارية وخصائصه التي تميزه عن غيره من الكيانات الحضارية. ولذلك تواجهنا مجموعة من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات علمية دقيقة تساهم في فهم الغرب وتوفير آليات منهجية للتعامل معه.
وهنا يُثار تساؤل عن كيفية ضبط العلاقة مع الغرب؛ إذ إن الإشعاع العالمي الشامل الذي تتمتع به ثقافة الغرب، هو الذي جعلنا في موقف ينبغي أن نحدد الصلة به، وخاصة أن ما يفيض علينا وعلى غيرنا من الأمم والشعوب من إنجازاته الحضارية ومن فوضاه الحالية جعل منه مشكلة عالمية، ينبغي أن نحللها وأن نتفهمها في صلاتها بالعالم كله وبالعالم الإسلامي بوجه خاص.
وهنا يأتي ما يمكن أن نسميه علم الاستغراب كما ذهب إلى ذلك الأستاذ حسن حنفي وغيره من المهتمين بالتأسيس لعلم يقوم على دراسة الغرب. وهذا لا يجعل العالم الإسلامي تابعًا في حلوله للغرب -كما يعتقد كثير من التغريبيين أو غيرهم من دعاة الأصالة الإسلامية- وإنما يتطلب منا أن نعرف التجارب الحضارية المختلفة لنتحقق من مدى نسبيتها ومدى قابليتها للنقل والاستفادة.
فإذا ما أدرك العالم الإسلامي أن الظاهرة الحضارية الغربية مسألة نسبية، فسيكون من السهل عليه أن يعرف أوجه النقص فيها، كما سيعرف عظمتها الحقيقية، وبهذا تصبح الصلات مع العالم الغربي أكثر خصوبة، ويسمح ذلك للنخبة المسلمة أن تمتلك نموذجها الخاص، تنسج عليه فكرها ونشاطها. فالأمر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة، وعدم الوقوع في الاضطراب كلما تعلق الأمر بالغرب.
فالعالم الإسلامي منذ بداية الجهود التجديدية الحديثة يضطرب، كلما تعلق الأمر بالغرب، غير أنه لم يعد بذلك البريق الذي كان عليه منذ قرن تقريباً، ولم يعد له ما كان يتمتع به من تأثير ساحر، وجاذبية ظفر بها على عهد أتاتورك مثلاً، فالعالم الغربي صار حافلاً بالفوضى، ولم يعد المسلم الباحث عن تنظيم نفسه وإعادة بناء حضارته الإسلامية يجد في الغرب نموذجًا يحتذيه، بقدر ما يجد فيه نتائج تجربة هائلة ذات قيمة لا تقدر، على الرغم مما تحتوي من أخطاء.
فالغرب تجربة حضارية تُعدّ درسًا خطيرًا ومهماً لفهم مصائر الشعوب والحضارات، فهي تجربة مفيدة لإعادة دراسة حركة البناء الحضاري، وحركة التاريخ، ولبناء الفكر الإسلامي على أسسه الأصيلة، وتحقيق الوعي السنني، الذي ينسجم مع البعد الكوني لحركة التاريخ، ذلك البعد الذي يسبغ على حركة انتقال الحضارة قانونًا أزليًا أشار إليه القرآن في قوله تعالى: (وتلك الأيام نداولها بين الناس)[آل عمران:140].
فالتأمل في هذه التجربة التي صادفت أعظم ما تصادفه عبقرية الإنسان من نجاح، وأخطر ما باءت به من إخفاق، وإدراك الأحداث من الوجهين كليهما، ضرورة ملحة للعالم الإسلامي في وقفته الحالية؛ إذ هو يحاول أن يفهم مشكلاته فهمًا واقعيًا، وأن يقوّم أسباب نهضته كما يقوّم أسباب فوضاه تقويمًا موضوعيًا.
وحتى تُنظّم هذه العلاقات، ويُستفاد من هذه التجربة البشرية، ويُدرك مغزى التاريخ، لا بد من فهم هذا الغرب في عمقه، وتحديد خصائصه، ومعرفة ما يتميز به من إيجابيات وسلبيات، حتى لا تكون معرفتنا به سطحية مبتسرة، وأفكارنا عنه عامة، وغير نابعة من اطلاع متأمل، وبالتالي يكون وعينا به مشوهًا أو جزئيًا.
ولقد أضاع المسلمون كثيراً من الوقت منبهرين بما حققه الغرب، دون أن يتأملوا ويدركوا سر حركة التاريخ في الغرب، فنرى كثيراً من الباحثين والمفكرين المسلمين بمختلف انتماءاتهم يجهلون حقيقة الحياة الغربية والحضارة الغربية بالرغم من أنهم يعرفونها نظرياً، كما أنهم ما زالوا يجهلون تاريخ حضارتها. وإنه بدون معرفة حركة تاريخ هذه الحضارة والمنطق الداخلي الذي يحكمها، فإننا لم ندرك سر قوتها ولا مكامن ضعفها، ولم نعرف كيف تكوّنت، وكيف أنها في طريق التحلّل والزوال لِما اشتملت عليه من ألوان التناقض، وضروب التعارض مع القوانين الإنسانية.
وإذا كانت المائة سنة الأخيرة قد تميزت بتقريب المسافات، واتجاه البشرية نحو التوحّد، في مصيرها، وفي علاقاتها، فإن المثقف المسلم نفسه ملزم بأن ينظر إلى الأشياء من زاويتها الإنسانية الرحبة، ويرتقي إلى إطار الحضور العالمي، وعيًا وإنجازًا، حتى يدرك دوره الخاص ودور ثقافته في هذا الإطار العالمي؛ إذ لا يمكن أن نطرح مشاكلنا في زمن العولمة والكونية، دون أن نأخذ في الاعتبار كل المعطيات السياسية والجغرافية والإستراتيجية.
وتحديد الصلة بالغرب وبغيره من الكيانات الحضارية، يعطينا تحديدين مهمين في إنجاز مشروعنا التجديدي:
التحديد الأول: هو التحديد السلبي، وذلك من خلال إدراك نسبية الظواهر الغربية، ومعرفة أوجه النقص فيها وأوجه العظمة الحقيقية.
أما التحديد الثاني: فهو التحديد الإيجابي، من خلال تحديد ما يمكن أن نساهم به في ترشيد الحضارة الإنسانية وهدايتها.
وهذا في حد ذاته ينضج ثقافتنا ويعطيها توجهًا عالميًا، فمن المفيد قطعًا أن ننظر إلى حركة التاريخ والواقع من زاوية عالمية لنكتسب بذلك وعياً عالمياً، فإذا أدركنا مشكلاتنا في هذا المستوى، فإننا سندرك -لا محالة- حقيقة الدور الذي يُناط بنا في حضارة القرن الحادي والعشرين.
ما هو منظور علم الاستغراب؟
إن مسألة تحديد النسق أو المنظور الذي من خلاله نتناول القضايا ومناقشة المشكلات المختلفة من الأهمية بمكان. ذلك أن تحديد المنظور يمكّن الباحث أو الدارس من الإحاطة بالمسألة، وامتلاك القدرة على إدراك مختلف أبعادها، وكذلك إمكانية صياغة حلول متناسقة قائمة على منهج واضح.
وبعبارة أخرى فإن منظور رؤية الأشياء هو الذي يحدد المنهج المقتضي للاتباع وتناول تفاصيل المسائل. وفي هذا السياق فإن النظر إلى مسألة ما من منظور فقهي –مثلاً- يؤدي إلى اعتماد منهج يختلف بالضرورة عن المنهج الذي يعتمد على منظور كلامي أو ثقافي أو حضاري أو سياسي.
وتحديد المنظور الذي من خلاله نعالج المسائل يسهل مهمتين للدارس؛ من حيث الاتساق في صياغة المنهج المراد اتباعه لعلاج المسألة موضوع البحث، ومن حيث القدرة على نقد مدى علمية المنهج المتبع في حل قضية ما ومدى اتساقه مع نفسه واتساقه مع الحقيقة الخارجية.
ويمكن القول: إنه بتحديدنا للمنظور، وبالتالي تحديدنا للمنهج المنبني عليه يمكن معرفة مدى شمولية ودقة واستيعاب هذا المنظور أو ذاك لمختلف الأبعاد، ومدى قدرة المنهج المنبني عليه على علاج المشكلات المختلفة للقضية أو الظاهرة أو المسألة موضوع البحث والدراسة.
والكتاب الذي بين أيدينا يُعدّ حلقة مهمة في بناء منظور ومنهجية للتعامل مع الآخر الغربي، ذلك أنه يبحث في جذور الغرب الثقافية والمعرفية التي شكّلت -ولا تزال- تعامُلَه مع غيره، كما يظهر الكتاب الاستعدادات الثقافية التي مكنت الغرب من أن يبلور، بوساطتها صورة عن ذاته، ويشكل صورة مشوهة للآخر لتأكيد ذاته، والتمركز المستعلي على غيره. ويتناول مصادر خطاب السيطرة على البشر بعد السيطرة على الطبيعة، ثم الاستشراق، وأيديولوجية الهيمنة.
محتوى الكتاب
يقع الكتاب في (160) صفحة من القطع المتوسط، متضمناً تصديراً للدكتور طه جابر العلواني، ومقدمة وأربعة فصول وخاتمة.
في التصدير أشار الدكتور العلواني إلى أن عنوان الكتاب “الاستتباع” يستدعي إلى الذاكرة مجموعة من المفاهيم والمصطلحات سادت في أوساط مثقفي الأمة منذ منتصف القرن الماضي، مثل: الاستعمار، والاستشراق، والاستغراب، والاستكبار، … النظام العالمي الجديد والإرهاب، والأصولية، والظلامية ونحوها.
والكتاب يستدعي هذه المفاهيم لأنه يعالج “حقلاً معرفياً” واسعاً يتصل بكل هذه المفاهيم. وهذا الكتاب يتناول الغرب بتحليل بنائه وأطره المنهجية، ومسلماته المعرفية (الإبستمولوجية) وفلسفته ونظرياته وقواعده المعرفية، وينقّب عن كيفية تحول الغرب إلى المركزية في رؤيته لذاته وتهميشه للآخرين، بل واستتباعهم.
ويشير إلى الطريقة التي تناول بها العقل المسلم ظاهرة الاستشراق، وأنها كانت دون مستوى الإحاطة بالظاهرة، وانعدام الاهتمام بتحليل البنى المعرفية والأطر المنهجية للاستشراق بوصفه حقلاً معرفياً نشأ في إطار العلم الغربي وفلسفته ونظرياته وأسسه المعرفية، وكان موضوعه الآخر غير الغربي، مستمراً في الشرق المسلم، وأن هذا الحقل المعرفي قد أسس لنفسه علوماً لبناء شبكات في الشرق المسلم، وأن هذا الحقل المعرفي قد أسس لنفسه علوماً لبناء شبكات المفاهيم الجديدة والمنظومات المعرفية المؤطرة في فلسفته (التصدير، 10).
في المقدمة يشير المؤلف إلى عدة أفكار مهمة في سياق معالجته للموضوع، أهمها:
– التناول الاجتزائي للاستشراق: فيرى الباحث أن الكتابات حول الاستشراق ونتائجه منذ عقدين من الزمن ونيف، وقع معظمها ضحية منظورات اجتزائية لم تضع الاستشراق ضمن النسق المعرفي المؤسسي العام للحضارة الغربية، فهو ليس ظاهرة موازية للنسق المعرفي المؤسسي الغربي المهيمن ولا منقطعة عنه أو عرضية فيه، إنما على العكس استمدت جذورها من هذا النسق بكل مكوناته المعرفية والمذهبية، نسجت خيوطها في كنفه، وتشكّل جزءاً أساسياً في إنشاء نموذج (الدولة-الأمة) في الغرب.
– طرق الاستعمار في بسط الهيمنة: إذ لم يلجأ الاستعمار -في فرض هيمنته ونمط إنتاجه وإملاء شروطه، بوصفها حقيقة وحيدة لازدهار الحضارة- دائماً إلى سياسة النهب الخالص وسياسة المدفع السافرة، إنما اعتمد على أساليب أخرى أيضاً في مرحلة ما قبل الاستعمار المباشر، وذلك عن طريق الاتفاقيات التجارية والعسكرية والعلمية مع حكام دول الأطراف وتكوين أنصار وزبائن مفتونين بمبادئه وقيمه ومؤسساته في المجتمعات المحلية، والتسلل إلى الضمائر وتطويعها وتسخيرها لصالحه.
– عقدة التفوق الغربي التي تحكم الغرب؛ إذ لكي يستأثر بزمام المبادرة في معالجة التاريخ العالمي يرفض الاعتراف بالقيم والرموز الخاصة بالثقافات المغايرة، أو بفكرة تاريخ متعدد، ويلجأ إلى تقطيع مجتمعات الأطراف إلى شرائح وكيانات قبلية وطائفية، أو عرقية وإقليمية، ويحوّل تواريخ الشعوب إلى أصفار على هامش الحضارة، لا قيمة لها إلا بقدر اندماجها في دائرة السوق المتمم لحاجات إنتاجية المركز الأوروبي.
– الجذور الأيديولوجية والمعرفية للغرب: فالجذور الأيديولوجية للغرب ونظريته المعرفية تأسست ابتداءً من عصر النهضة، ومشروع الغرب يتجه نحو تطوير قيم أخلاقية جديدة متحررة شيئا فشيئاً من الدين لصالح نظرية جديدة عن المعرفة، ممثلة في أولوية المعرفة الموضوعية المستمدة من مجالي التجريب والرياضيات.
– ذهنية الصراع والسيطرة على الطبيعة والإنسان التي تحكم الغرب في تعامله مع الشرق، ضمن تراتبية تنطوي على إقامة فوارق جوهرية ثابتة بينه وبين سكان الشرق، وجعل نفسه وصياً وحيداً في تقرير مصائرهم تحت شعار تحرير الوثنيين والكفار “الوحوش” أو “الهمج” من “الظلامية” و”العبودية”.
بمقتضى هذه الاستراتيجية راح الغرب يُساوي نفسه مع التاريخ، وله وحده الاستحواذ على مواقع النجاح، ولو على حساب ثقافات وتواريخ الشعوب الأخرى ومحوها.
– نشأة (الأنثروبولوجيا) الغربية: فالغرب أنشأ هذا العلم لدراسة إنسان ما وراء البحار بمناهج جديدة تهدف إلى عزله عن كل الظروف الاجتماعية التاريخية، ونكران ما يمثله من قيم ثقافية مغايرة. وحسب منظور (الأنثروبولوجيا) الغربية لم يعد ثمة شيء عقلاني، بالمعنى الحرفي سوى النظرية (الأنثروبولوجيا) “الإنسانية” عن ثقافة الشعوب التي اصطلح على تسميتها “بالبدائية” أو “الوحشية”، ولم يعد هناك من ثقافة سوى ثقافتهم من وجهة نظرهم هذه.
وإذا تم الاعتراف بعظمة حضارات (الغير) فبمقدار استجابتها لمصالح وترميزات المركزية الغربية. (ص 19 – 21).
– (إيديولوجيا) الفتح، والتسويغ لخطاب السيطرة: إن الخطاب المسيطر والمؤسس في القرن التاسع عشر، تحالف تحت قيادته الدولة المركزية الدستورية والعلم، والجيش والصناعة والكنيسة حاملة رسالة التبشير، لتوزيع المهام وتقاسم النفوذ ضمن إستراتيجية منظمة روّج لها رواد (أيديولوجيا) الفتح أمثال مونتسكيو وهيجيل وماركس ووايتفوغل…

THE ARRIVAL OF ISLAM IN SOUTHEAST ASIA

THE ARRIVAL OF ISLAM IN SOUTHEAST ASIA
An Historical Approach

Dr. Badrane Benlahcene
Introduction:
When did Islam come to the Malay world? Who were its mentors and where did they come from? These two questions and some other related questions are among the most commonly asked questions concerning the history of Islam in the Malay world or Southeast Asia. Therefore, it is the purpose of this paper to look for answers which historically could be justifiable.
At the very outset of this discussion, one may honestly acknowledge that mystery still surrounds the origins of Islam in Southeast Asia. The date of the religion’s arrival in the Malay world, and the identity of those responsible for its introduction, will probably never be known with certainty. Some clues are provided by Arab and Chinese documentary sources, archaeological investigations and inscribed stones. However, debate continues as to whether the propagators were from the Middle East, India or China.[1] Despite this, the development of Islam in the region is widely and richly recorded.
Before the arrival of Islam to the region, there were regular contacts with the Indian subcontinent. In addition, a number of Indian states existed in the Malay world. Geographical factors within the archipelago and Southeast Asia, and the inherent relationship with the Indian Ocean, provided the infrastructure for human interaction, precipitating the Indianisation of the region[2].  The Indians introduced the Hindu and Buddhist religions to the region; an early prominent Buddhist kingdom in the peninsula was that of Lankasuka in the Bujang Valley, Kedah, in the north of modern Malaysia. From the 7th to the 13th century, the Hindu-Buddhist empire of Srivijaya, founded in Palembang, controlled all of Sumatra, the Malay Peninsula, the greater part of Java, and numerous other islands in the region[3]. In the 13th century, the Srivijaya Empire was succeeded by the kingdom of Majapahit. Based in Java, Majapahit held sway over vast territory, including parts of Borneo. These Hindu-Buddhist kingdoms blended their religious practices with ancient Southeast Asian customs and traditions.

By the later 13th century, the most poIslam_-_Tradewerful state in Southeast Asia was the Sultanate of Melaka, and this is where the story of the Muslim Malay world really begins.  The political presence of Islam in the Malay world came some time after the first Islamic presence in the region; the connection between Southeast Asia and the Arab world predates Islam itself by many centuries. Scholars have observed that the relationship between the Malay world and Arabia could date back as early as the 1st century AD. Studies have found that Malay navigators learned to use the monsoons, and Malay shipbuilders probably pioneered the balance-lug sail, allowing vessels to sail into the wind by ‘tacking’. The technology is related to and may be the ancestor of the triangular-shaped sail of the Arab dhow, which was in turn borrowed by the Portuguese and Spanish in the design of the caravel[4].

By the 8th century, Muslim traders and merchants had established themselves in Sind (present-day Pakistan), and merchants from Persia, Oman and Hadhramaut had settled on the west coast of India. Gujarat came under Muslim rule in 1287, and significant Muslim trading communities developed in Malabar, Coromandel and Bengal[5]. Extensive trade connections between India, China and West Asia and the Malay Archipelago enabled Muslim sailors, merchants and travellers from Arabia, West Asia, India and China to visit and even settle in the region. Certain locations in the Malay world were well known to Arab and non-Arab Muslim traders, being mentioned in works of early Muslim geographers and travellers[6]. Along the Melaka Straits, Arab merchant colonies were established in Kalah (Kedah) and Zabaj, which has been identified with Srivijaya, in south Sumatra. The harbour of Melaka also became a familiar destination for traders from Arabia. Arab sources mention the existence of tin and jungle products. This reference to tin supports arguments identifying Kalah as Kedah, as well as the discovery in the state of Kedah of two coins from the Abbasid Caliphate, one of which is dated 234 AH (848 AD). Another popular stopover for Arab sailors was Tiyumah, believed to be Pualu Tioman, in the South China Sea. Like Kalah, Tiyumah acted as a stapling port and source of fresh water for ships sailing to China. In the 10th century, an Arab text also mentions ‘Panhang’ (Pahang).[7] The major maritime route followed by early Arab and Persian traders went from Sri Lanka via the Nicobar Islands to Kedah, and then round the southern tip of the Malay Peninsula to the island of Tioman and north to China.

Among the first confirmed pieces of evidence about the arrival of Islam in Southeast Asia comes from Phan Rang, in Campa (to the south of modern-day Vietnam), where an Arabic-inscribed pillar recording laws, dated to the year 1035, and a Muslim gravestone, dated to 1039, have been found. In addition, a Muslim woman’s gravestone from 1048 was found in Brunei, and another from 1082 is known from Leran, East Java. The existence of these graves indicates that a Muslim presence in these places was well established. As Muslim merchants did not travel with their families, the women commemorated by the gravestones were probably local women who had married the traders during their long periods of stay while awaiting the change of winds[8]. On the Chinese side, from the 12th century, the closing of the overland routes across Central Asia spurred the Hui communities to expand their ocean-going trade activities in Southeast Asia, and Chinese Muslim settlements developed in Southeast Asia. When the Ming emperor sent an imperial fleet through the region, he chose the Chinese Muslim Zhenghe (Cheng Ho) (1371-1435) as his emissary.[9]

The settlements established by Arab merchants along the Straits of Melaka facilitated the expansion of Islam. During the 13th century Muslim missionaries, mainly Sufis from West Asia, travelled to these ports to reintroduce Islam among the traders. From the 13th century onwards the first local Islamic kingdoms appeared, the earliest of which was Pasai in northern Sumatra. From that time onwards the commercial presence of Muslim traders in the Malay regions was essential to introducing local societies to Islam, and Islamic influence became very pronounced[10].

The Pioneers of Islam in Southeast Asia
Unlike the date of the arrival of Islam to the region, most scholars agree on how Islam made its way to Southeast Asia and who its pioneers were. The leading mentors included traders, the Ulama and Sufi ‘saints’, and the local Sultans. Islam took root in Southeast Asia through a combination of the patience of religious scholars and the adaptation of members of royal courts. Although extensive Arab contact with Southeast Asia predated Islam itself, and despite the Chams of Vietnam adopting Islam in the 10th century, it was not until the end of the 13th century that the faith came to be a major influence in Southeast Asia’s coastal regions. From there, it made inroads into the hinterland of Southeast Asia.[11]

Although Islam travelled by many different routes, sometimes converting rulers and entire populations in a single initiative, it was not solely traders and religious figures who provided spiritual guidance. The sultans played a vital role in the spread of Islam among the different tribes and kingdoms of the region. They were the protectors of Islam on the one hand, while on the other hand they found in Islam a sense of a unity to live by and a message to accomplish. These elements formed the basis of the establishment and spread of Islam in Southeast Asia. Once established, the spread of Islam was accelerated through marriages between the daughters of wealthy local merchants and Muslim traders, combined with commercial policies.[12] From the 13th century onwards, as is evident in the use of Arabic terminology in the Sejarah Melayu, Islam made incursions into the region through trade with Arab merchants and as a result of the movements of Islamic scholars and pilgrims across the seas to Mecca.[13]

By the 14th century, Muslim traders in Java were among the elite at the capital of Majapahit. In addition, Java’s port cities converted and, as sultanates, competed with Majapahit for trade. New men, especially merchants, formed the elites of these sultanates.[14] While the names of the prominent traders who contributed to the arrival of Islam remain unknown, historical records state that they came mainly from southern Arabia and other parts of the Arab world, as well as Persia, India and Turkey. During the 13th and 14th centuries, the Islamisation of the region was advanced especially by traders and Sufi saints from the Hadramaut in southern Arabia, as well as by merchants from southern India.[15] These were areas in which Shafi’ite Sunnism was prevalent, propagated in the garb of a mysticism imbued with the ideals of sainthood and attached to the leading mystical orders then active in the Middle East and India.[16]

The emergence of various Malay-Muslim kingdoms in the wake of the disintegration of Srivijaya Empire, based in south Sumatra, and the Majapahit in Java took place at different times and under different circumstances. Following the example of powerful kingdoms in the region, beginning with Samudra Pasai in north Sumatra in 13th century, the succeeding centuries saw the rise of Melaka, Aceh, Brunei, Patani, Banten and Cirebon, culminating in the 19th century with sultanates in southern Thailand and along the coasts of Borneo. These kingdoms were not only the centres for the propagation of Islam, but they also nurtured its intellectual development through the presence of the Ulama and advanced Islamic education, especially Sufi philosophies.[17]

The Sultanate of Melaka was one of the most significant bases of Islamisation in the region, before it was taken by the Portuguese in 1511. This empire controlled much of the trade passing through the Straits of Melaka and was also a centre of  Malay culture and a model for subsequent Malay-Muslim sultanates.[18] Aceh, also known as the ‘Veranda of Makka’, reached the height of its power during the reign of Sultan Iskandar Muda (1607-36), controlling the lucrative trade in pepper and providing patronage for many Islamic works.[19] History mentions the names of many other sultans who were patrons of learning; among the most notable of whom were al-Malik al-Zahir of Samudra-Pasai, Mansur Shah of Melaka, and Iskandar Muda Mahkota Alam of Aceh. Some were the protectors of Sufi orders and followed the mystical paths or were closely associated with the teachers of Sufism. These include Muhammad Yusuf al-Khalidi al-Naqshabandi of Riau and Agung Tirtayasa of Banten.[20]

The institutions which have played a more continuous role in the Islamisation of Southeast Asia are the Ulama and Sufi orders. The Ulama and Sufis formed a special and greatly respected group which influenced all aspects of society. Among the leading figures who played a part in developing regional Islamic culture were the prolific writer and scholar Hamza al-Fansuri (d. 1629) of Barus in Sumatra, Nur al-din al-Raniri (d. 1666), Shams al-Din al-Sumatrani (d. 1630), Abd al-Ra’uf Singkl (d. 1693), Daud Ibn Abdullah al-Fatani (1718-1847), Abdullah al-Arif (1165-1177) and the Nine Saints in Java, Sumatra, Kalimantan and Sulawesi.

The Development of Islamic Culture
The advent of Islam and the subsequent spread of Islamic learning in Southeast Asia brought about a major cultural change. The process of Islamisation and the formation of the Malay world’s Islamic culture and identity underwent a gradual evolution in three phases. The first of these (circa 1200-1400) was the phase of nominal conversion, or ‘conversion of the body’. The second phase (circa 1400-1700) is described as the period of the ‘conversion of the spirit’, and saw the rising influence and spread of philosophical mysticism, tasawwuf and kalam. The third phase (from 1700 onwards) saw the continuation and consummation of the second phase coinciding with the coming of the West[21].

The Islamic theological, mystical and metaphysical literature set in motion the process of revolutionising the Malay world’s world view, turning it away from a crumbling world of mythology to the world of intelligence, reason and order. Islamic monotheism also transformed the Malay language. By the 16th century, Malay had become the literary and religious language of Islam in the region. The 16th and 17th centuries, a period which marked the rise of rationalism and intellectualism not manifested anywhere before in the Malay Archipelago, saw the emergence of philosophical mysticism and rational theology. The works of this new stream of Malay literature reveal a language of logical reasoning and scientific analysis. The great significance of this period of Islamisation is that it set in motion the process of revolutionising the Malay world view, effecting its transformation from an aesthetic to a scientific one.[22]

The new conception of being in the world view of Tawhid (monotheism) was the fundamental factor in the cultural transformation of the 15th -17th centuries, which reflected the beginning of the modern age in the archipelago.[23] This affected all aspects of Malay culture by introducing the concept of the Ummah (universal community of Islam). In addition, there are the essential concepts of a sultan who takes responsibility as a guardian of religion and society; for society, there is the importance equality in the sight of God; for culture and knowledge, Islam introduced the fundamental call of the Qur’an for believers to base their life and their religion on reading and knowledge.

This process helped remove many mythical and tyrannical traditions, and caused the disintegration of the magical world view of the Malay world. This latter was further assisted by the coming of the Western imperialism as well as the imposition of Western culture beginning in the 16th century.[24] The advent of Islam changed the culture of maritime Southeast Asia in many ways. It brought a new system of writing; the Malay language was now written in Arabic script called Jawi.[25] Malay itself became the language of religious works, and, next to Arabic and Persian, a major vehicle of Islamic discourse.

Conclusion:
To conclude with, one can say that Islam is a civilisation, as well as a religion, which in the span of about eight centuries has shaped most of the Malay Archipelago into a distinctive Islamic entity. The areas that make up the Malay world are inhabited by over 200 million Muslims of Malay ethnic stock, speaking a form of the Malay language as their lingua-franca[26], along with other local dialects which are cognate to Malay. Not only has Islam developed into a civilisation recognisable for having its own cultural configuration, based on the religious fundamentals of Islam, but it also makes Islam a regional force to be reckoned with.

[1] Yatim, Othman. (1998). The Arrival of Islam. In Nik Abdul Rahman, Nik Hassan Shuhaimi (Ed). Early history. Volume 4. The Encyclopedia of Malaysia. Kuala Lumpur: Editions Didier millet, p 126; Taufik, Abdullah. (1999). Islam in The Malay World: Intellectual Heritage and Political Traditions. In Taufik Abdullah (ed). Islamic civilization in the Malay World. Istanbul: Research Center for Islamic history, Art & civilization, p 3.
[2] Kasim, Kamarul Baharin A. (2003). Koleksi Pilihan dunia Melayu (Distinctive Malay World collections). Kuala Lumpur: Jabatan Musium Dan Antikuiti, p 90.
[3] Mutalib, Hussin. (2000). Islamic Malay Polity in Southeast Asia. In Mohd. Taib Osman, Islamic Civilization in The Malay world. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka & Istanbul: The Research Center for Islamic History, Art and Culture, p 5.
[4] Suarez, Thomas. (1999). Early Maps of Southeast Asia. Singapore: Periplus Editions (HK) Ltd, p 29.
[5]Andaya, Barbara Watson. (1998). Early Muslim Traders. In Nik Abdul Rahman, Nik Hassan Shuhaimi (Ed). Early history. Volume 4. The Encyclopedia of Malaysia. Kuala Lumpur: Editions Didier millet. p 85.
[6] Ali, Zakaria. (1994). Islamic art in Southeast Asia (830 Ad – 1570 AD). Kuala Lumpur: Dewan Bahasa dan Pustaka, p 20.
[7] Yatim, 1998, p 127; Andaya, 1998, pp 84-85.
[8] Richter, Anne. (2000). the Jewelry of Southeast Asia. London: Thames & Hudson Ltd . pp 150-152; Yatim, 1998, p 126.
[9] Andaya, 1998, p 85.
[10] Yatim, 1998, p 127; Heidhues, Mary Somers. (2000). Southeast Asia: A Concise History. London: Thames & Hudson, p 77.
[11] Suaresz, 1999, p 21.
[12] Suaresz, 1999, p 21.
[13] Leigh, 2000, p 6.
[14] Heidhues, 2000: 77)
[15] Smith, holly S. (1997). Aceh art and Culture. Oxford: Oxford University Press, P 3, 27; Irwin, Robert. (1996). The Emergence of the Islamic World System 1000-15000. In Francis Robinson (Ed). The Cambridge Illustrated History of The Islamic World. Cambridge: Cambridge University Press, pp 52-53.
[16] al-Attas, Some Aspects of Sufism, as Understood and Practiced Among the Malays; (Hall, A History of South-East Asia, pp. 221 ff.)
[17] Osman, Mohd. Taib. (2000). Islamic civilization in the Malay World. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa Dan Pustaka, pp xxvi-xxix.
[18] Heidhues, 2000, p 79.
[19] Heidhues, 2000, p 78-79
[20] Ibrahim, 1999, p 119.
[21] Hassan, M. Kamal. (1999). Muslim Intellectual Life in The Malay-Indonesian Archipelago: A Preliminary Study. In Taufik Abdullah (ed). Islamic civilization in the Malay World. Istanbul: Research Center for Islamic history, Art & civilization, pp 195-196; Al-Attas, S. M. (1996). Preliminary Statement on a General Theory of the Islamization of the Malay-Indonesian Archipelago. Kuala Lumpur: Dewan Bahasa Dan Pustaka, pp 29-30.
[22] Al-Attas, S. M. (1996), p 29.
[23] Al-Attas, S. M. (1996), p 30.
[24] Al-Attas, S. M. (1996), p30.
[25] Roudfoot, Ian and Hooker Virginia. (1999). The Malay Writing Tradition. In John H. McGlynn (editor). Indonesian Heritage: Language and Literature. Jakarta: Archipelago Press, p 22.
[26] Omar. Asmah Haj (Volume Editor). (2004). Languages and Literature. In the Encyclopedia of Malaysia. Vo 9, P 24