مركزية القرآن في إنتاج المعرفة من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

مركزية القرآن في إنتاج المعرفة
من خلال تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور

بقلم: د. بدران بن لحسن
كلية الدراسات الإسلامية/ جامعة حمد بن خليفة/ مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع/ الدوحة/ قطر

مقدمة:
إن كل دارس لابن عاشور -عليه رحمة الله- يدرك الخط الفكري الذي تموقع فيه. ولا يجد من له أدنى تأملٍ صعوبةً في معرفة أن الخط الذي أسس له كل من الشاطبي وابن خلدون -عليهما رحمة الله- قد اجتمعت روافده في ابن عاشور. فإذا كان الإمام الشاطبي رائداً أكبر في في مبحث المقاصد  على مستوى العالم كله، فإن الإمام ابن عاشور هو مستأنف هذه الريادة في عصرنا الحديث.[i]
أما بالنسبة لابن خلدون الذي كان له فضل التأسيس لعلم العمران، والاتجاه بالبحث والفكر والنظر من التأمل النظري البحت إلى الاستقراء العملي، وإجراء الملاحظة ومراعاة طبائع العمران من تبدل وتداول وصيرورة، فإن ابن عاشور قد سلك مسلكه في ذلك؛ إذ إن الناظر في فكره يجد البعد الاجتماعي والسنني والبحث عن العلل والقوانين مبثوثا في مختلف مؤلفاته سواء في التفسير أو المقاصد أو غيرهما.[ii]
وإذا نظرنا إلى ما يتميز به الخط الخلدوني الشاطبي نجد أنه -من جهة- اتجه إلى الكليات جاعلا منها إطارا للنظر والتحقيق دون أن يؤدي به ذلك إلى إهمال الجزئيات. ومن جهة أخرى، فإن هذا الخط قد اشتغل على استعادة التفكير السنني الذي أرساه القرآن الكريم والذي يجعل من مهمة تحقيق الاستخلاف مهمة إنسانية قائمة على قوانين صارمة لا تحابي، ينبغي اكتشافها والاحتكام إليها وتسخيرها بما يحقق أهداف الاستخلاف. وبهذا فهو خط يعمل على النظر بتوازن، والتأسيس لمرجعية منفتحة، قائمة على قراءة سنن الكتاب والكون، لا على مرجعية اصطفائية حصرية كانت موجودة قبل الرسالة الخاتمة.[iii]
وتهدف هذه المقالة إلى إبراز إسهامات العلامة ابن عاشور -يرحمه الله- في ما اضافه من إضافة نوعية لجهود الإصلاح والتجديد، بما توفره مساهماته من بعد تنظيري وقواعد منهجية ومعرفية لجهود الإصلاح، لتلافي الوقوع في فقدان الرؤية وافتقاد المنهج.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، تقوم الورقة على استراتيجية تحليل واحدة من المقولات الكلية والقواعد المنهجية التي يقوم عليها فكر ابن عاشور وتطبيقاتها في مختلف إنتاجه الفكري وممارساته الإصلاحية؛ والمتمثلة في مركزية القرآن في إنتاج المعرفة.
حيث تمثل هذه القضية (مركزية القرىن في انتاج المعرفة) محورا أساسيا وبعدا مهما في فكر ابن عاشور، وتعدّ جهدا فكريا وعلميا ينطلق من رؤية إصلاحية تحاول إعادة الاعتبار للقرآن الكريم في تشكيل المعارف وبناء الفكر وصياغة المفاهيم من اجل تحقيق البناء النهضوي الذي سعى إليه ابن عاشور -عليه رحمة الله-.

 المقصود بمكرزية القرآن:
وأول ما يمثل محور ارتكاز في فكر ابن عاشور -رحمه الله– اهتمامه بالقرآن الكريم؛ لأنه “جامع لمصالح الدنيا والدين، وموثق شديد العرى من الحق المتين، والحاوي لكليات العلوم ومعاقد استنباطها، والآخذ قوس البلاغة من محل نياطها، طمعا في بيان نكت من العلم وكليات من التشريع، وتفاصيل من مكارم الأخلاق، كان يلوح أنموذج من جميعها في خلال تدبره، أو مطالعة كلام مفسِّره.”[iv] فالقرآن -ومنذ الصفحة الأولى من تفسير ابن عاشور- هو كتاب الله الجامع لخيري الدنيا والآخرة، وهو منبع الحق والهداية، وهو مصدر العلوم على تنوعها، وهو مستمد الكليات في التشريع وفي العلم والأخلاق. ويمكن بالنظر في القرآن وتدبره أن نولد منه نماذج معرفية ومنهجية وعملية.
بعبارة أخرى إن القرآن مصدر لتشكيل التصورات والمفاهيم والقيم كليها وجزئيها، بل إن قراءة المقدمات العشر التي افتتح بها تفسيره يمكن أن ندرك الرؤية التي انطلق منها ابن عاشور في النظر إلى القرآن، وكيف استمد من القرآن ذاته هذه الرؤية، واستمد المنهج، وحدد المقاصد التي يتناولها القرآن، ومختلف العلوم التي تستمد من القرآن الكريم إما بطريق مباشر؛ أي ما يتعلق منها بسنن الهداية، وإما بطريق غير مباشر؛ أي سنن الأفاق والأنفس والتاريخ.
إنها رؤية جديدة تجعل القرآن مركز اهتمام شامل ومتعدد الجوانب. فهو ليس كتابا دينيا بالمفهوم الضيق للدين، وإنما هو كتاب هداية ورحمة وتبيان لكل شيء. ذلك أن القرآن منبع للمعاني والمفاهيم والتصورات، والقيم والآداب، والأحكام والقصص، ومقاصده شاملة لمختلف جوانب الفكر والعمل، ومبثوثة في كل آياته.[v] وهذه الرؤية للقرآن طالما افتقدها العقل المسلم قرونا عديدة. ولهذا يمثل القرآن محوراً مهماً في فكر ابن عاشور ومصدراً لمختلف أفكاره واجتهاداته في الفقه، والاجتماع، والتربية، والعمران، والإصلاح.
بل لا نبالغ إذا قلنا بأن القرآن بالنسبة لابن عاشور يأخذ مركز الاهتمام والاشتغال في تشكيل التصورات، وتحديد الرؤية، وبناء المناهج والمفاهيم، وفي مباشرة عملية التجديد الفكري والعلمي، والإصلاح التربوي والاجتماعي. ولهذا حق أن يعدّ رائداً في العمل على “التوصل إلى الوعي الحضاري العمراني بالقرآن.”[vi]
فالقرآن الكريم في سياق فكر ابن عاشور هو منبع الهداية ومصدر الصواب لهذه الأمة الإسلامية، منه يتكون الإنسان السوي والمجتمع السوي في كل زمان ومكان. وعندما يتعامل المسلم مع القرآن والسنة تعاملاً حسناً، فإنه يصل إلى فهم حسن للقضايا الكبرى التي تشغل بال الإنسان في كل مكان، وهي قضية الخالق سبحانه، والخلق والكون والحياة والهدف منها، ودور الإنسان في هذه الحياة، ومصيره بعدها، ويصل المسلم أيضا إلى فهم حسن للمشكلات الحياتية والحضارية التي يعاني منها العالم الإسلامي في وقتنا الحاضر.[vii]
ولذلك فإنه يحاول الرجوع مباشرة إلى القرآن الكريم من أجل تشكيل التصورات وتحصيل الفهم واستنباط المقاصد، دون الحاجة المعرفية أو المنهجية إلى الرجوع إلى التفاسير السابقة التي صارت حاجزا بيننا وبين القرآن، ولكن في الوقت نفسه دون إهمال لها، بوصفها تراثاً فكرياً ناتجاً عن تعامل مع القرآن، وفق سقف معرفي معين وفي مرحلة معينة، واستجابة لدواعي وظروف قد تختلف وقد تشابه ظروفنا. لذا، ومنذ فاتحة تفسيره “التحرير والتنوير” أيضاً، لا يجد العلامة ابن عاشور -رحمة الله عليه- غضاضة في الإعلان عن رأيه في أنه غير ملزم بالأخذ بالتفاسير السابقة، كما أنه غير مدع لتركها كلها، بل أن يقف “موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وتارة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد تعطيل لفيض القرآن الذي ما له من نفاد.”[viii]
فكأن ابن عاشور يقول لنا أن القرآن الذي نـزل إلى العالمين وإلى الناس كافة على امتداد الزمان والمكان، لابد وأن يبقى مفتوحاً للأجيال تنهل منه على اختلاف بيئاتها وأزمانها، وإن من الأخطاء الكبيرة وبدايات الانحراف في الفهم والاستمداد، أن نعمد إلى محاصرة الوحي بأفهامنا، فلا نسمح له بالامتداد إلا بمقدار ما تسمح به عقولنا ومداركنا، فنحرم عقولا أخرى من حظها في الفهم، ونصادر حقها في الرأي والاجتهاد.[ix]
ليس ذلك فحسب، بل يبدو العلامة ابن عاشور منشغلا بهم الصلاح والإصلاح في الشأن الفردي والشأن العام، وهو في ذلك يسلك نهج المدرسة الإصلاحية منذ الأفغاني ومحمد عبده وغيرهما من رواد المدرسة الإصلاحية التي اشتغلت على أن يسترجع القرآن دوره ومكانه.
إن العمل الذي قام به ابن عاشور في تفسيره، وفي بقية مؤلفاته وهو يتعامل مع القرآن تدبراً وتفكراً واستنباطاً واستقراءً هو بمثابة استدعاء القرآن العظيم للساحة الثقافية الإسلامية، وإنهاء حالة الهجر والفصام بينه وبين العقل المسلم، وجعله المصدر الأول والأهم للمسلم المعاصر، كما كان كذلك عند السلف، يرجع إليه ليستقي منه العلم والمعرفة الدقيقة السليمة في نظرته إلى الإنسان والحياة والوجود، في الفطرة الإنسانية والاجتماعية، وفي قضايا الفرد والأسرة والمجتمع والعلاقات والنظم.[x]
فالقرآن الكريم “أنـزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم. قال الله تعالى: (ونزّلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين) (النحل: 89). فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية.”[xi]

القرآن مصدر التصورات
إن المتأمل في تفسيره وبقية كتبه يدرك أن ابن عاشور حاول أن يفك الارتباط بينه وبين بعض التصورات التي أغرقت القرآن في تصورات لاهوتية كلامية، جعلت منه كتاباً طقوسياً بعيداً عن صياغة الحياة، فأراد ان يسترجع المبادرة بالقرآن ويستدعيه لصياغة تصور جديد، هذا التصور هو عدّه أن مدار مقاصد القرآن هو الإنسان وصلاح الإنسان.
وإن تأكيده على أن أحكام الشريعة الإسلامية، من خلال النظر في القرآن الكريم، يتبين أنها في أحكامها؛ الاعتقادية والعملية، تصب كلها في مقصد تحقيق صلاح الإنسان بأبعاده الثلاثة؛ الفردي والجماعي والعمراني، وذلك من خلال ضبط نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح الإنسان في دوائر وجوده الثلاثة السالفة الذكر.[xii]
وبما أن صلاح الإنسان هو المقصد الأعلى للقرآن، فإن كل شؤون الإنسان يشملها القرآن بوعيه الشامل لمختلف دوائر حياة الإنسان، ولمختلف أبعاد شخصيته. وعليه، فإننا بتأملنا لمختلف الدوائر والأبعاد ندرك أن القرآن يكون منبعا لنا في تأسيس مختلف المعارف المتعلقة بصلاح الإنسان؛ فردا وجماعة وعمرانا.
فالصلاح الفردي يقتضي تهذيب النفس وتزكيتها، وعلى رأس ذلك صلاح الاعتقاد؛ لأن الاعتقاد مصدر الآداب والتفكير، ثم صلاح السريرة الخاصة، وهي العبادات الظاهرة كالصلاة، والباطنة كالتخلق بترك الحسد والحقد والكبر.[xiii] وهذا يجعل من القرآن مركزيا ومهيمنا في التأسيس لعلم العقيدة، وعلم الأخلاق، وعلم الأدب وتهذيب النفوس، ومناهج التفكير، وعلم النفس، وعلم الشعائر أو العبادات.
وأما الصلاح الجماعي، فيحصل بالصلاح الفردي أولاً، إذ الأفراد أجزاء المجتمع، ولا يصلح الكل إلا بصلاح أجزائه. غير أن هذا لا يتم وحده على المستوى الفردي، بل يحصل الصلاح الجماعي من خلال ضبط تصرف الناس بعضهم مع بعض. وهذا هو علم المعاملات، ويعبر عنه عند الحكماء بالسياسة المدنية.[xiv] وفي هذا اتجاه إلى تأسيس الفقه الجماعي، أو فقه الشؤون العامة التي تهتم بالوجود الاجتماعي للفرد في وسط جماعة، وفي هذا محاولة لاستدراك ضمور الفقه في هذا الجانب؛ أي فقه الشأن العام.[xv]
وأما الصلاح العمراني، فهو أوسع من ذلك، إذ هو حفظ نظام العالم الإسلامي، وضبط تصرف الجماعات والأقاليم، لحفظ مصالح الجميع، ورعاية المصالح الكلية الإسلامية، وحفظ المصلحة الجامعة عند معارضة المصلحة القاصرة لها، ويسمى هذا بعلم العمران وعلم الاجتماع.[xvi] وهذا بدوره يجعل من القرآن منبعا للعلوم الاجتماعية والعمرانية، ومختلف حقول المعرفة التي تؤسس للتحضر الإنساني والعمران البشري. وهو تأكيد للخط الخلدوني في التركيز على فقه العمران والاجتماع، وتأسيس مهم للبحث الاجتماعي على أسس قرآنية تستدعي القرآن مؤسسا وموجها للنظر الاجتماعي.
فصلاح الإنسان في دوائره الفردية والجماعية والعمرانية هو مقصد القرآن الأعلى. وهذا الفهم للقرآن والنظر إليه بهذه المركزية وهذه الشمولية يجعل من القرآن مرجعا يستقى منه، لا مرجعا للتبرير للآراء الجزئية. وكأن ابن عاشور يريد منا أن نفتقر إلى القرآن ليعطينها من جواهره المكنونة ويحدد لنا المقاصد التي في ضوئها نجتهد ونعمل، ولا يفتقر إلينا القرآن للاحتجاج لها والبرهنة على صحته من خلال ما أنجزه الإنسان، أو نجعل منه مرجع تسويغ لآرائنا ومقاصدنا بعد أن نكون قد حددنها بعيدا عن القرآن.
ولذلك على من أراد فهم القرآن وتفسيره والأخذ منه أن يخضع للقرآن ومقاصده، ليستطيع أن ينتفع به، لا أن يحدد مقاصد لنفسه، ثم يأتي للقرآن طالباً التبرير له، فيقع في التجزيء. ولهذا، فإن على متدبر القرآن أن “يعلم المقاصد الأصلية التي جاء القرآن.”[xvii] هذه المقاصد الأصلية تدور في فلك المقصد الأعلى الذي هو صلاح الإنسان، وتوجه منهجيا التأسيس لعلوم ومعارف يتوسل بها إلى تحقيق المقصد الأعلى، وتشكل المحاور الكبرى التي تحوي مختلف المعارف التي تأتي من فيض القرآن وتتصل به من قريب أو من بعيد كما سيأتي بيانه.

المحاور الثمانية لعلوم صلاح الإنسان في القرآن
في المقدمة الرابعة من “التحرير والتنوير”، يتناول ابن عاشور المحاور (المقاصد) الثمانية التي تمثل نواظم منهجية للمعرفة والفكر والعمل والإصلاح، وتحكم التعامل مع القرآن الكريم، وتوجه النظر في كلياته وجزئياته، تحقيقا لصلاح الانسان. ويتطلب كل محور علما أو علوما ومعارف تخدمه وتحقق مقاصده. وبالاستقراء –كما يذهب إلى ذلك ابن عاشور- والمحاور الثمانية هي:
أ. إصلاح الاعتقاد وتعليم العقد الصحيح. وهذا أعظم سبب لإصلاح الخلق.
ب. تهذيب الأخلاق: ذلك أن رسالة القرآن ذاته رسالة أخلاقية كما جاء في الحديث.[xviii] بل إن القرآن امتدح النبي صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4).
ج. التشريع: وهو الأحكام خاصة وعامة. فالقرآن الكريم يؤكد في آياته أنه كتاب تشريع. قال تعالى: (إِنَّآ أَنزَلنَآ إِلَيكَ ٱلكِتَـٰبَ بِٱلحَقِّ لِتَحكُمَ بَينَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَاٰكَ ٱللَّهُ) (النساء:105) (وَاَنزَلنَاۤ اِلَيۡكَ الۡكِتٰبَ بِالۡحَـقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ الۡكِتٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ‌ فَاحۡكُمۡ بَيۡنَهُمۡ بِمَاۤ اَنۡزَلَ اللّٰهُ وَلَا تَتَّبِعۡ اَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الۡحَـقِّ‌ؕ لِكُلٍّ جَعَلۡنَا مِنۡكُمۡ شِرۡعَةً وَّمِنۡهَاجًا ‌ؕ وَلَوۡ شَآءَ اللّٰهُ لَجَـعَلَـكُمۡ اُمَّةً وَّاحِدَةً وَّلٰـكِنۡ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِىۡ مَاۤ اٰتٰٮكُمۡ فَاسۡتَبِقُوا الۡخَـيۡـرٰتِ‌ؕ اِلَى اللّٰهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيۡعًا فَيُنَبِّئُكُمۡ بِمَا كُنۡتُمۡ فِيۡهِ تَخۡتَلِفُوۡنَۙ‏) (المائدة: 48) وقد تضمن القرآن –حسب ابن عاشور- جميع الأحكام إما جمعا كليا أو جمعا جزئيا. حيث إن القرآن فصّل في المهم بأحكام جزئية مفصلة، وأتى بالكليات في الباقي. وهذا مصداق قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 89) وقوله تعالى:(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة: 3) فالمراد من الآيتين حسب ابن عاشور إكمال الكليات التي منها الأمر بالاستنباط والقياس.[xix]
د. سياسة الأمة وهو باب عظيم في القرآن، القصد منه صلاح الأمة وحفظ نظامها.[xx]
ﻫ. القصص وأخبار الأمم السالفة للتأسي بصالح أحوالهم… وللتحذير من مساوئهم.[xxi] ولها فوائد كثيرة تنطوي على تعليم المسلم الوعي التاريخي والتجربة التاريخية للإنسانية، وما تضمنه ذلك من كفاح الأنبياء وأتباعهم من أجل ترسيخ خط النبوة والإكراهات التي تعرضوا لها، والتدرج التاريخي الذي سلكه الأنبياء مع أممهم من أجل الارتقاء بهم، ومختلف التجارب الإنسانية في جوانب التشريع والأخلاق والعمران. والوعي بسنن التبدل والتغير والانهيار والتحضر.[xxii]
و. التعليم بما يناسب حالة عصر المخاطبين، وما يؤهلهم إلى تلقى الشريعة ونشرها، وذلك علم الشرائع، وعلم الأخبار، وتعليم حكمة ميزان العقول وصحة الاستدلال. وقد دعا القرآن إلى النظر ونوه بشأن الحكمة. فقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ) (البقرة: 269) وهذا أوسع باب انبجست منه عيون المعارف، وانفتحت به عيون الأميين إلى العلم. وقد نبه القرآن في كم من آية على فائدة العلم والكتابة والقراءة، في مثل قوله تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ ) (العنكبوت: 43) وقوله تعالى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ)  (الزمر: 9) وقوله تعالى: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) (القلم: 1)
ز. المواعظ والإنذار والتحذير والتبشير. وهذا يجمع جميع آيات الوعد والوعيد، وكذلك المحاجة والمجادلة للمعاندين، وهذا باب الترغيب والترهيب.
ح. الإعجاز بالقرآن ليكون آية دالة على صدق الرسول. إذ التصديق يتوقف على دلالة المعجزة بعد التحدي، والقرآن جمع كونه معجزة بلفظه ومتحدياً لأجله بمعناه.[xxiii] والعناية ببيان وجوه إعجاز القرآن مبعثها أصل كبير من أصول الإسلام وهو كونه المعجزة الكبرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكونه المعجزة الباقية، وهو المعجزة التي تحدى بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- معانديه تحدياً صريحاً.[xxiv]
هذه المقاصد تجعل من القرآن مركزياً في المعرفة، وفي العمل وفي التأسيس للمفاهيم، والقيم، والعبادات, والشعائر, والاجتماع, والعمران, وفي التبيان, وفي التهذيب, أي أنه شامل لكل أوجه الحياة والمعرفة.

كيف تستمد العلوم والمعارف من القرآن[xxv]
إن الناظر في المقدمات التي افتتح بها ابن عاشور تفسيره يجد أن المقصد الأعلى للقرآن -والمتمثل في صلاح الإنسان- له أبعاد ثلاثة؛ هي البعد الفردي والبعد الجماعي والبعد العمراني. وهذه الأبعاد تنطوي بدورها على علوم مختلفة لتحقيق هذا المقصد الأعلى. ليس ذلك فحسب، بل إن المقاصد الأصلية الثمانية التي تتمحور حول المقصد الأعلى تنشئ علوما مختلفة تتعلق بالاعتقاد، والتشريع، والأخلاق والقيم، والمواعظ، والتاريخ، والسياسة العامة، والعلوم العقلية المختلفة.
ولهذا فابن عاشور يؤكد من جهة أخرى على صلة مختلف العلوم بالقرآن الكريم. ذلك أن القرآن الكريم ليس كتابا للعلوم بالمعنى الأكاديمي، وإنما القرآن ينظم علاقته بالعلوم في مستويات أربعة؛ فمنها ما هو مستمد مباشرة من القرآن كتاريخ الأنبياء والأمم وتهذيب الأخلاق والفقه والتشريع والاعتقاد والأصول والعربية والبلاغة، ومنها علوم تزيد المفسر علما كالحكمة والهيأة وخواص المخلوقات، ومنها علوم أشار إليها أو جاءت مؤيدة له كعلم طبقات الأرض والطب والمنطق، ومنها علوم لا علاقة لها بالقرآن إما لبطلانها كالميثولوجيا، وإما لأنها لا تعين على خدمته.[xxvi]
ونفهم من هذا كله أن القرآن يشكل مرجعية للعلوم الدينية وغير الدينية. فالقرآن يقوم بدور مرجعي في هندسة بناء المعرفة، مما يجعلها ذات أصول مشتركة وتتجه إلى تحقيق أهداف متضافرة. ذلك أن التشظي المشهود في المعرفة في العالم الإسلامي والإشكالات المتعددة ناتجة عن استبعاد القرآن الكريم عن مسار الإنتاج المعرفي وعن هيمنته على إنتاج المعرفة.
ولذلك -وخاصة في مجال العلوم المرتبطة بالدين- أن يكون القرآن المصدر الأعلى ويكون معيار صواب الآراء والأفكار والمصدر الرئيس للقواعد الثابتة لجميع المعارف، وجميع مناشط الإنسان لتحقيق الهداية والاستخلاف، والناظم لمختلف أفرع المعرفة.

[i] الحسني، إسماعيل. نظرية المقاصد عند الأمام محمد الطاهر بن عاشور، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416ﻫ/1995م، ص20.
[ii] يمكن النظر إلى المقدمة، وخاصة خطبة المقدمة والمقدمات الخمس الأولى للمقدمة.
[iii] جعفر، هشام. الأبعاد السياسية لمفهوم الحاكمية رؤية معرفية، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1415ﻫ/1995م. من تصدير الشيخ الدكتور طه جابر العلواني للكتاب.
[iv] ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس: دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997م، مج1، ج1، ص5.
[v] المرجع السابق، مج1، ج1، ص8.
[vi] الغزالي، محمد. كيف نتعامل مع القرآن، مدارسة أجراها: عمر عبيد حسنة، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 1411ﻫ/ 1991م، ص3. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[vii] إسماعيل، صلاح. كيف نتعامل مع القرآن والسنة، انظر:
– عارف، نصر محمد. قضايا إشكالية في الفكر الإسلامي المعاصر. هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، سلسلة قضايا الفكر الإسلامي المعاصر 16،، ط1، 1418ﻫ/1987م، ص81.
[viii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص7.
[ix] شبار، سعيد. الاجتهاد والتجديد في الفكر الإسلامي المعاصر، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2007م، ص11.
[x] الغزالي، كيف نتعامل مع القرآن، مرجع سابق، ص1. من تصدير الشيخ طه جابر العلواني.
[xi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xii] الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، مرجع سابق، ص228.
[xiii] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص38.
[xiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص38.
[xv] أبو سليمان، عبد الحميد. أزمة العقل المسلم، هيرندن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط3، 1414ﻫ/ 1994م، ص76-83.
[xvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، ج1، ص38.
[xvii] المرجع السابق، ج1، ص39.
[xviii] جاء في الحديث “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”. وفي رواية “صالح الأخلاق”. رواه البخاري في “الأدب المفرد” (رقم 273)، و”التاريخ الكبير” (4/1/188)، وابن سعد في: “الطبقات” (1/192)، والحاكم (2/192)، وابن عساكر في “تاريخ دمشق” (6/267/1) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا. وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم: “صحيح على شرط مسلم”. ووافقه الذهبي. ورواه مالك في الموطأ (2/409/8) بلاغا، وقال ابن عبد البر في “التمهيد” (24/333-334): “هو حديث صحيح متصل من وجوه صحاح عن أبي هريرة وغيره”. انظر: محمد ناصر الدين الألباني، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، الرياض: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، د.ت.، حديث (رقم 45)، مج1/ ص112.
[xix] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص40.
[xx] المرجع السابق، مج1، ج1، ص40. انظر أيضاً:
– ابن عاشور، محمد الطاهر. أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، تونس- الجزائر: الشركة التونسية للتوزيع، المؤسسة الوطنية للكتاب، د.ت.، ص104.
[xxi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص41.
[xxii] المرجع السابق، مج1، ج1، ص41، ص65-68.
[xxiii] المرجع السابق، ج1، ص40-41.
[xxiv] المرجع السابق، مج1، ج1، ص102.
[xxv] ذكرنا للقرآن ومرجعيته وتشكيله للتصورات واستمداد المعارف منه لا يعني معرفيا ومنهجيا استبعاد السنة كما يتبادر إلى ذهن من لا ينظر إلى القرآن بوصفه المصدر الأعلى وانضواء السنة الصحيحة تحته وتبعيتها له في كليتها، ذلك أن ما من أمر أتت به السنة في تفاصيلها إلا وله أصل عام في القرآن. ولعل أهم ما يمكن الاستناد إليه هنا هو أن اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما ثبتت صحته عنه مأمور به من القرآن ذاته. فلا تستبعد السنة الصحيحة أبدا في وعينا وفي رؤيتنا وفي منهجنا لتناول القرآن الكريم ومرجعته.
[xxvi] ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، مرجع سابق، مج1، ج1، ص45.

هل (فعلاً) نحن المسلمين إرهابيّون؟

هل (فعلاً) نحن المسلمين إرهابيّون؟
د. بدران بن الحسن
24/7/1425
09/09/2004

عنوان هذا المقال مثير، ويوحي بأنّ كاتب هذا المقال وقع في الفخّ الذي يريد أنْ يلصق تهمة الارهاب بالإسلام والمسلمين، لكني أكتب وأنا في كامل الوعي متسائلا مثلي مثل آلاف بل ملايين المسلمين الذين يعيشون تحت مطرقة الاعلام العالميّ التي تضرب أسماعهم بصواعق من التّهم، بأنّ المسلمين إرهابيّون، وأنّ الإسلام يشجّع الإرهاب، وأنّه يشجّع العُنف والقتل والوحشيّة.
وننبري بدافع غريزة الدفاع عن النفس، وعن المعتقد ونحاول إما التبرير لما يحدث أو مقارنته بعنف أمريكا وإسرائيل وإرهابهما الأعمى، أو نلجأ إلى نصوص القرآن والسّنة التي تحثّ على السّلم والمعاملة بالحسنى والتسامح، وغيرها من المواقف اللحظيّة العفويّة أو المقصودة ولكنها جزئيّة ارتداديّة لموجة الهجمات العنيفة علينا من قبل القوى الكبرى ووسائل الإعلام، وافتراءات أعداء الإسلام وأعداء الأمّة، وننسى في غمرة ردود الأفعال وحالة الانفعال أنْ نحتكم إلى كتاب الله تعالى، وأنْ نرى من خلاله حالتنا الراهنة، وموقعنا من موجة الإرهاب العالميّة التي نتعرّض لها من غيرنا، أو التي يقوم بها بعض المسلمين بوعي أو بغير وعي، ويساهمون بها في تقديم المبرّرات للذئب ليأكل الحمل بتهمة أنّ أباه فعلها، كما هي القصّة المشهورة في التّراث الشّعبي.
ولهذا بودّي أنْ أتساءل عن موقع القرآن في تشكيل وعينا بالأحداث وبطريقة فهمها والتعامل معها، وفي هذا السياق نجد قول الله تعالى في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المائدة:8]
علينا أنْ ننظر لظاهرة الإرهاب العالميّ بطريقة قرآنيّة، وأنْ نلتزم بالإنصاف تجاه من قام أو يقوم بها، وتجاه نتائجها وما يترتّب عليها بنظرة مبدئيّة واستراتيجيّة في آن واحد. وبخاصة ما حدث في 11/9 وما تلا ذلك.

فئة ترهن مصير أمّة ودين:
وفي هذا الإطار نقول: إنّه لم يحدث في تاريخ الإسلام أنْ يتسبّب عدد قليل من أتباعه – كما هو معترف به من قبل من قاموا بتفجيرات 11/9- في أنْ يصبح الإسلام والمسلمون ممقوتين ومكروهين في مختلف بقاع الأرض، وخاصّة في الغرب وخارج بلاد الاسلام التقليديّة، فالملايين من المسلمين الذين لجؤوا إلى أمريكا الشماليّة وأوروبا الغربيّة فرارًا بدينهم من استبداد الأنظمة ، ومن القرّ والجوع والمرض، ومن الذين ذهبوا طلبًا للعلم والعمل وبناء حياة جديدة، ومن البعثات الدّعويّة والباحثين والدّعاة، صاروا هدفًا للكراهية والقتل، وصاروا أخطارًا محتملة في أعين الغربيين، ونقص التعاطف الذي كان يلاقيه المسلمون في الغرب.
أما داخل العالم الإسلاميّ فقد استأسدت الدكتاتوريّات والسلطات المستبدّة، وأجهزت على هامش الحريّة الضئيل بحجة مكافحة الإرهاب. وإنّ الحملة الأمريكيّة على الإرهاب بتحالف الأنظمة المستبدّة معها لتهدد الجهود التحررية الناشئة في العالم الإسلامي، وتحاصر القوى الوطنيّة الإسلاميّة الأصيلة وتحدّ من فعاليّتها، كما أنّ هامش الحريّات السياسية والدّعويّة والاجتماعيّة والثقافيّة سيشهد نكوصًا رهيبًا من خلال تعاون الحكام المستبدين مع الحملة الأمريكيّة الظالمة، وسيستغلون مشاركتهم في الحرب على الإرهاب لإرهاب وتخويف كلّ من ينتقد الفساد السياسيّ والماليّ، وكل من يتبنى خطّ المعارضة الحقيقيّة، ويخرج من ديمقراطيّة الديكور، والأحزاب التي تسخّن الطبل للحاكم، وتسبّح بحمده.
هذا ما جنته “غزوة نيويورك” و”غزوة منهاتن” كما يحلو للبعض تسميتهما، فأصبح المسلم في أي بقعة من الأرض يخاف أنْ يقضي حاجته في مرحاض عموميّ، أو يسافر من بلد إلى بلد، أو أنْ يحوّل أموالا من بلد إلى آخر، أو أنْ يساهم في مشروع خيريّ فيقع تحت طائلة دعم الإرهاب.
فيا ترى من كلّف فئة من الناس أنْ تقرّر مصير أمة بأكملها، فلو كان “الوحي أمرك بهذا” لكان السّمع والطّاعة هو الجواب كما قال الصّحابة رضوان الله عليهم لسيد الخلق عليه الصلاة والسلام يوم بدر، ولكنّها “الرأي والحرب والمكيدة” وليس الرّأي الحصيف، ولا الحرب المخطط لها، ولا المكيدة البالغة الدّقة كانت متوفرة في 11/9. بل كانت مغامرة في المجهول، و ها نحن – كأمة- نتحمّل وزرها.
قد يكون من قام بهذا مخلص النّية، ولكن لا صواب فيها أبدا؛ لأن الصواب تحدّده السّنن: سنن الواقع والتاريخ والاجتماع، وكل السّنن تقول: إنّ ما وقع كان على غير صواب. إنّ الاستنكار في هذا السّياق لا يكفي، بل لا بدّ من تغيير في نمط التفكير والاجتهاد، وأنْ يوكل الأمر للعلم والاجتهاد،وليس للعاطفة والجهاد، ذلك أنّ الرأي قبل شجاعة الشجعان.

اضطراب في المواقف لاضطراب في المدارك
إنّ 11/9 وما تلاها من إرهاب عالميّ، وعلى رأسه إرهاب الدولة الذي تمارسه أمريكا في أفغانستان والعراق، وإرهاب العصابات الصهيونيّة في فلسطين، وإرهاب السلطات الحاكمة في العالم العربيّ على وجه الخصوص جعل مواقفنا مضطربة: هل نفرح بما وقع أم نحزن له؟ هل نؤيّد ما وقع في نيويورك وواشنطن أم نشجبه؟ هل نساند ابن لادن أم نعارضه؟ هل نحارب أمريكا أم نهادنها؟
إن الاضطراب الذي حصل في المواقف ولا يزال، إنما بسبب ضبابيّة في الرؤية، واضطراب في المنهج، وخلل في تركيبتنا النفسيّة، والعقليّة والفكريّة. فلأنّنا لا نعرف ما نريد بدقّة، ولأنّ رؤيتنا للأمور مشوّشة فإنّنا لم نحدّد رسالتنا للعالم بدقّة، وبالتالي فإنّ المنهج الذي نريد به أنْ نحقّق حضورنا وتميّزنا وعزتّنا لم يتحدّد بعد؛ فأنتج ذلك خللا في تركيبتنا النفسيّة والعقليّة والفكريّة، فنفسيًّا نشعر بالقهر أمام أمريكا وأمام إسرائيل ونريد أنْ نخرج من هذه الحالة لكن كيف؟ هل يكفي أنْ نموت في سبيل مبادئنا من أجل الموت، أم نموت لتحيا المبادئ وتحيا الأمّة وتتجدّد الحياة؟
وعقليًّا :هل نريد أنْ نبني حياتنا وفق الإسلام، وبالتالي نقدّم أنفسنا بديلا حضاريًّا عقلانيًّا قائمًا على إنجاز عمليّ في الواقع، وندخل في حوار متمدّن مع الغالب المهيمن على العالم، ونحاول أنْ نفكّ خيوط الأزمة بأقل الخسائر ونرسم منهج نهضتنا؟ أم لا بد من تحطيم كلّ النّسق الحضاريّ القائم حاليًّا على أساس بعضه شرك وبعضه ليس بشرك؟
وفكريًّا صار كل من يستطيع الخطابة والتعبئة يملأ الدنيا جلبة ويقود الجماهير ويهيمن على الخطاب. ومتى كانت العامّة تغيّر التاريخ؟ ومتى كان الخطاب العاطفيّ وحده يحدث التّغيير؟ فتاهت مفاهيمنا الفكريّة بين الولاء والبراء: الولاء لمن والبراء ممّن؟ والأخذ ممّن والترك ممّن؟ وهكذا سادت فوضى الأفكار، ووقعنا “بين مطرقة الأفكار الميّتة، وسندان الكفار القاتلة” بتعبير الأستاذ مالك بن نبيّ عليه رحمة الله.

بين الخسائر والمكاسب:
إنّ الوصف بالإرهاب الذي تحاول أمريكا وإسرائيل وأعوانهما في العالم الإسلاميّ إلصاقه بالإسلام والمسلمين أدخل الشكّ فينا، وجعلنا نقتنع أننا – فعلا- إرهابيّون في الوقت الذي نحن فيه ضحايا، ولكن كما ذكرت الآية المذكورة سابقًا، فإنّ شعورنا بأنّنا ضحيّة لا ينبغي أنْ ينسينا ما تسبّب فيه بعض منّا في تأليب الرّأي العالم العالميّ ضدّنا. إنّ تعاطفنا النفسيّ المشوّش مع الجهاد ومع من يجاهدون الكفار لا ينسينا بأنْ نوازن بين ما تسبّبت فيه “غزوة نيويورك وواشنطن” وما أفادت به.
ولا أظنّ أنّ واحدًا منّا يتجرّأ ويعطي إيجابيّة أو فائدة واحدة لما حدث أو ما تسبّبت فيه أحداث 11/9. فإنّ ذلك اليوم وما تلاه تسبب في تشكيل صورة سوداويّة عنا نحن المسلمين، وتخويف الناس منّا، ومعاداتهم لنا، والتّضييق علينا وعلى التعامل معنا. كما أنّه ساهم في إغلاق آلاف المدارس، وآلاف المؤسّسات الخيريّة والدّعويّة والإغاثيّة ، وآلاف الشركات الإسلاميّة أو التي يملكها مسلمون، وتسبب في قطع التمويل عن مئات المؤسّسات والمستشفيات والجامعات، وتوقيف آلاف أو مئات الآلاف من المنح التي كانت تمنحها المؤسّسات الخيريّة والشركات لطلبة العلم في مختلف التخصصات، وصودرت – بسبب تهمة الإرهاب- ملايين الدولارات من أصحابها بغير وجه حق. فهل هذه مكاسبنا؟
يضاف إلى كلّ تلك الخسائر المبدئيّة والاستراتيجيّة أنّ الأنظمة الشموليّة الاستبداديّة في العالم الإسلامي عمومًا وفي العالم العربيّ خاصّة زادت من تحديد الحريّات وتكميم الأفواه، والتّضييق على الدّعاة والمثقّفين والمناضلين من أجل كرامة الإنسان وحقّه في الحياة والعمل والمعتقد.

وأخيراً
وفي الختام، أودّ أنْ أقول: إنّه لولا قناعتي بأنّ الإسلام دين سلم، وأنّ المسلمين أسلم شعوب الأرض لاعتقدت أنّنا – فعلا- إرهابيّون. ذلك أنّ أيّ إنسان غير مسلم أو مسلم أصابته لوثات العلمانيّة لا يتردّد مطلقًا في الاعتقاد بأنّ الإسلام دين الإرهاب، والمسلمون إرهابيّون بالفطرة، ولذا علينا أنْ نكون نفسيًّا أكثر استقرارا، وعقليًّا أكثر حكمة، وفكريًّا أكثر وضوحًا من أجل أنْ نخرج من النّفق، ونساهم في تحقيق مشروع أمتنا الحضاريّ في الوجود.

كيف فهم الصّحابة التأسّي..عمر نموذجاً

كيف فهم الصّحابة التأسّي..عمر نموذجاً
د. بدران بن الحسن – د. فريدة صادق زوزو
13/7/1425
29/08/2004

 أهمّية التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم:
إنّ التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي درج عليه المسلمون منذ عصر الصحابة يحتاج إلى تأمّل ونظر وتدبّر، ذلك أنّ هذا التأسّي إمّا وقع فيه إفراط أخرجه عن غايته، وإما وقع فيه تفريط أدّى إلى الطّعن في صاحب الرّسالة صلى الله عليه وسلم، وذلك طبعاً بعد عصر الصحابة رضوان الله عليهم.
كما أنّ التأسّي منذ عصر التدوين قُصِر في الغالب الأعمّ على التأسّي الفقهيّ، وما يتعلّق بالعبادات والشعائر، ولا يكاد يخرج من دائرة الحلال والحرام، ولست أدري لماذا إذا ذكرت القدوة أو التأسّي يذهب ذهن المسلم إلى اتباع السّنة بالمفهوم الذي صاغه الأصولّيون والفقهاء فيما يتعلق بالجانب التشريعيّ، رغم أنّ القرآن الكريم جاءت فيه آيات كثيرة تدعو إلى مطلق التأسّي والاقتداء. قال الله تعالى: (لقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ …)[الأحزاب: من الآية21] ، وقال عزّ وجلّ: (…وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا…)[الحشر: من الآية7]، وقال تعالى: (…فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ… )[النور: من الآية63]، وقال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة:128] .
وقال تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ…)[الجمعة: من الآية2] وغيرها من الآيات القرآنيّة الكريمة.
والمعلوم أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالإسلام، والاسلام ليس تشريعاً فحسب، بالرغم من مركزيّة قضيّة التشريع، بل هو هداية للانسان في كل أبعاد شخصيّته.
لهذا لا بد من تأسيس علم التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث يعمل هذا العلم على دراسة واستكناه الدوائر التي يشملها التأسّي، وكيفيّته، حتى يكون الرسول صلى الله عليه وسلم نموذجاً لكل مسلم في كل أبعاد شخصيّته؛ في رؤيته للحياة والكون، في فعاليته، في منهجيّته، في دوره كحاكم،ومربٍ، ومبلغ، وداعية، ومجتهد، وأب، و …

دور الصحابة رضي الله عنهم في فهم التأسّي:
ولا شك أنّ بناء هذا التأسّي على أسس متينة من الفهم لحقيقة التأسّي، يقتضي معايشة الصحابة رضوان الله عنهم، وهم مقبلون بكليّتهم على استلهام النموذج النبويّ أثناء وجوده بين ظهرانيهم، وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم.
وأهمية معرفة الكيفيّة التي فهم بها الصحابة التأسّي تشكل قاعدة مركزيّة وأساساً في سبيل بناء منهج التأسّي، باعتبار أنّ الصحابة شهدوا نزول الوحي، وعاصروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسدّدهم ويصحح فُهُومهم وأعمالهم، ويوجّه بصائرهم إلى معاني الهداية والاقتداء، فحقّقوا صفة الخيريّة بشهادة الله ورسوله؛ الخيريّة في تحقيق الوعي؛ وعي الرسالة، والعمل، والاتباع، والطاعة، والتأسّي، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى فقد حافظ كل صحابي على شخصيّته المتميزة، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكلهم صوراً مكرّرة له، ولم يكونوا يريدون أنْ يكونوا صوراً مستنسخة منه، رغم تقديرهم لقيمته، وتضحيتهم في سبيله، وطاعتهم المطلقة له عليه الصلاة والسلام، ورغم أنّه أعاد صياغة شخصياتهم، أو بتعبير الصحابة رضوان الله عنهم: “كان رسول الله يفرغنا ثم يملؤنا”.

تأسّي مجموع الصحابة يشكل نموذجاً للتأسّي الكلّي:
وفهم الصحابة للتأسّي له جانب مرتبط بشخصيّة كل منهم، وبمجموع هذه التأسّيات –إنّ صح التعبير-تشكل النموذج الكلّي للتأسّي الذي صاغه الصحابة رضوان الله عنهم، بشكل علميّ توفّرت فيه الممارسة العملية والاحتكاك بالرسول -صلى الله عليه وسلم- ومشاهدته وهو يبني النموذج لبنة لبنة.
ولو أخذنا أيّ صحابي كمثال أو نموذج لوجدناه يمثل أحد جوانب التأسّي الكلّي لجيل الصحابة رضوان الله عنهم.
وفي مقالتنا هذه نريد أن نأخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه نموذجاً نحاول من خلاله تبيّن كيف فهم الصحابة التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم.

نموذج التأسّي العمريّ:
واختيارنا لعمر رضي الله عنه يرجع لمواصفات وخصائص توفرت له تساعدنا أكثر على فهم نموذجه في الاقتداء، ذلك أنّه كان أقرب الصحابة للرسول صلى الله عليه وسلم بعد أبي بكر الصّديق رضي الله عنه، وأكثرهم حضوراً في تشكل الدّعوة والدّولة والأمّة، وأُتيحت له فرصة الافتاء(1)، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والوزارة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والخلافة لمدة تزيد على العقد من الزمن، وأنشأ من الدواوين وأحدث من العمال الكثير الكثير، وتوسعت في عهده رقعة بلاد الاسلام، وأول من جمع القرآن في المصحف (2)، وموافقاته للقرآن أشهر من أنْ تذكر.
والدارس لسيرة عمر رضي الله عنه، والمطلع على مروياته، ينتبه إلى مفارقة تستحقّ التأمّل؛ فهو من جهة كثير الحضور والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جهة أخرى نجد أنّ مرويّاته من القلّة بحيث تُعدّ على الأصابع.
ألم يكن عمر يقدّر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن عمر يهتمّ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
ألم يكن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
إذا كان يتبعه فكيف يجادله ويناقشه في كل أمر لا يستوعبه؟!
وما محلّ اعتبار عمر؟!
وما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، يقول به”؟!
لو كان التأسّي رواية الحديث فقط ونقل أقوال الرسول-صلى الله عليه وسلم- وملازمته دائما لما وسع عمر أنْ يتجاهل هذا، ولكان أكثر الصحابة حفظاً ورواية عن رسول الله عليه الصلاة والسلام.
ولو كان التأسّي إعمالا لما رود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم لما أوسع في الاجتهاد بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بل وحتى في حياته –كما سبق ذكره- ولما أنشأ من المصالح والدواوين ما لم يكن من قبل في مرحلة النبوّة.
ولو كان التأسّي يقتضي اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم- دون تفهّم وتعليل ومحاولة استيعاب، لما كان من عمر أن يجادل ويناقش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كثير من المواضع، مثل: أسرى بدر، ويوم الحديبية، والصلاة على عبد الله بن أبي بن سلول، ولما كان منه أن يقترح ويبدي رأيه لرسول الله في مواضع عديدة.
ولو كان التأسّي ظاهرياً لما وسع عمر قطع شجرة الحديبية، أو أحجار منى، أو إيقاف إعطاء سهم المؤلّفة قلوبهم.
ولو كان التأسّي مناقشة كل ما يرد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتعقله، لما كان من عمر أنْ يقول مقالته عن الحجر الأسود وهو يُقَبِّلُه، وهو يعلم أنّه يقبّله لأنّه رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقبله، ويعلم أيضا أنّه حجر لا يضرّ ولا ينفع.
إنّ عمر رضي الله عنه لو لم يكن متبعاً لرسول الله ومتأسياً به لما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنّ الحق ينطق على لسانه”(3). كما أن السلف فهموا من حديث: “فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ”(4) الخلفاء الأربعة، وبالأخص الشيخان؛ أبو بكر وعمر، كما جاء في الطبقات لابن سعد من حديث سفيان بن عيينة: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: “اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر”(5).
هذا القبول الذي لاقاه عمر من الأمّة منذ عهد الصحابة، وهذه الشهادة له من النبي صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع، تجعل منه من أقرب الناس إلى النبي وسنته، مع أنّه قليل الرواية، وكثير الانجازات التي لم تكن معروفة في الأمّة قبله.
من هنا نفهم أنّ عمر رضي الله عنه فهم اتباع السنة والتأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والاقتداء به على أنّه اتباع لطريقة ومنهج وعادة (6) النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع الوحي، وسيرته التي سلكها في تبليغ الرسالة وتحقيق النموذج الأمثل للاقتداء، وتحقيق هداية القرآن في الناس.
ورغم اشتراك الصحابة رضوان الله عنهم في أصل الاتباع إلا أنّ كل صحابّي له ميزته في اتباع السنة، شكّلت شخصيّته، وتوافقت مع روحه، فإذا كان عبد الله بن عمر يتتبّع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم في مشيه وجلوسه واستظلاله، فإنّنا نجد عمر بن الخطاب له منهجه في اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والتأسّي به، يمكن لنا أنْ نعتبر أنّ منهج عمر رضي الله عنه في فهم التأسّي يقوم على عدة قواعد مميّزة لخطّ عمر الذي صاغه فيما بعد من تأثروا به:

قواعد منهج التأسّي العمريّ برسول الله صلى الله عليه وسلم:
أول هذه القواعد: أنّ عمر رضي الله عنه كان يعتبر الاقتداء الأمثل في حفظ كتاب الله، والانشغال به عما سواه، مستلهما ذلك من نهي رسول الله عن كتابة السنة، وأنّ السنة تحفظ بحفظ القرآن والعناية به، والعيش في رحاب القرآن كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
وثانيها: أنّ عمر يتوقف ويتّبع ما كان ليس له علّة مثل تقبيل الحجر الأسود وغيرها، فإنّه لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فعله، ولو لم يعقله لتحققه من أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا حقاً، ولا يزيد عليه، وينهى عن الزيادة على ما اكتفى عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: كان عمر يفهم التأسّي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في صورته الاجتماعيّة المعروفة كسلوك، وتتداولها الناس بينهم، وهذا معروف عن سيرة عمر وعدم تقبّله لما كان شاذاً، واعتباره للنقل العام وما يرتبط بكل الناس، وهذا المذهب هو ما تجسّد فيما بعد في عمل أهل المدينة كمستند فقهيّ في المذهب المالكيّ، حتى إنّ عمر لما جاءه أبو موسى الأشعريّ -رضي الله عنه- بحديث لم يكن معروفاً لديه طالبه بالدليل والشاهد.
رابعها: أنّ تأسّي عمر وتشبّهه برسول الله -صلى الله عليه وسلم- جعله يتشدّد في رواية الحديث، وكان من أحرص الصحابة وأكثرهم تميّزاً في الحرص على عدم التقوّل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وما أظنّ ذلك إلا نابعاً من وعي دقيق ،وعميق من مخافة انشغال الناس برواية الحديث والافتراء أو عدم التثبّت، وترك القرآن الكريم الذي هو أصل ومستند للسنّة، وأحسب أنّ عمر بتشدّده في رواية السنة لم يكن يعني به عدم الاهتمام بالسنة، بقدر ما كان يبذر البذور الأولى للتثبّت العلميّ ومنهج نقد الرواية والجرح والتعديل الذي تحوّل فيما بعد إلى علم الحديث رواية ودراية، وحافظ على السنة، وحماها من الدّخيل والزائف، وعمر كان يعي تماماً وجوب بقاء نموذج النبي -صلى الله عليه وسلم- واضحاً في أجيال المسلمين القادمة، ولا تتداخل سنته -صلى الله عليه وسلم- وسيرته مع آراء الرواة(7).
خامسها: أنّ عمر رضي الله عنه عايش رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حالات متعدّدة؛ في الحرب والسلم، قاضياً وحاكماً، ومبلغاً وداعياً، ومجتهداً وقاضياً، وأباً، وزوجاً لابنته، وأخاً(8)، ومشرّعاً، فامتلك الفهم الذي استطاع من خلاله أنْ يصوغ منهجه في التأسّي الذي يقوم على التفريق بين مستويات التأسّي المختلفة؛ ما هو واجب الاتباع، وما هو من العادة القابلة لعدم الأخذ بها، وما هو مرتبط بالزمان والمكان والأحوال.
كما أنّه امتلك روح التأسّي التي جعلت منه يراعي روح الشريعة ومقاصدها كما يراعي أفرادها الجزئيّة، وظاهرها في التعامل مع القرآن والسنة في حضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وبعد وفاته، كما تجلّى في نقاشاته لرسول الله -صلّى الله عليه وسلم- في حياته، ويتجلّى أيضا في اجتهاداته التي أنجزها في اقتراح خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وفي سهم المؤلّفة قلوبهم، وفي خراج أرض السواد، وفي توسعة الحرم، وفي إقراره معاوية على لباسه واتخاذه الحجب، … وغيرها.
فبالرغم من معارضته الظاهريّة للنصوص، فإنّ التأمّل الدّقيق في اجتهاداته يرى أنّها كانت صائبة، وسارت مع روح النص حيث يجب مراعاة روحه، وتوقفت عند الظاهر حيث يجب التوقّف عند الظاهر.

وختاماً: وفي ختام مقالتنا المقتضبة هذه، نودّ أنْ نؤكّد أنّ منهج التأسّي العام برسول الله-صلى الله عليه وسلم- يتشكّل من مجموع تأسيّات كل صحابته، ذلك أن لا أحد من الصحابة ادّعى أنّه استوعب كل ما يجب عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بشكل يغني عن الاخرين، وإلا صار هو في مقام النبيّ. كما أنّ تأسّي كل صحابّي مرتبط بشخصه إلى حد كبير(9).
ووجود الصحابة في حد ذاته له دلالة بالغة الأهميّة في دور التأسّي الجماعي للصحابة في حفظ الصورة واضحة عن كيفيّة تعامل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع الوحي، وتنزيله على واقع الناس، وتحقيق الهداية به، وتبليغه، وتحقيق النموذج القرآني في بناء الشخص، والشخصيّة المسلمة، والمجتمع المسلم، والدولة المسلمة، والأمّة المسلمة.
وانفراد بعض الصحابة بالإكثار من الرواية يقابله انفراد بعضهم في جوانب أخرى من النقل العمليّ لشخصية محمد بن عبد الله الرسول، وشمائله، وطريقته، وعادته في تمثّل الوحي، والأخذ عنه في كل ما يتعلق به كمعلم للهداية.
والاقتصار على التأسّي الفقهي يحصر عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في دائرة الحلال والحرام والحكام الفقهية العملية فقط، وفي مستوى واحد من التأسّي دون بقية المستويات المطلوبة من النبيّ الخاتم والرسالة الخاتمة، وهذا ما لا أظن أنّ الصحابة يغيب عنهم هذا الوعي الكلّي للتأسّي، وإلا طعنّا في الرسول ذاته لأنّه يكون قد اختار لصحبته والتبلغ عنه ناساً قاصرين، وهذا ما لم يقلْ به عاقل فضلاً عن مسلم.
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.

(1) طبقات ابن سعد، ج2/ص334.
(2) مناقب عمر بن الخطاب، ابن الجوزي، ص126.
(3) طبقات ابن سعد، ج2/ ص335.
(4) الحديث رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والتّرمذي وحسّنه وصحّحه، انظر حجية السنة، الشيخ عبد الغني عبد الخالق، ص57.
(5) طبقات ابن سعد، ج2/ ص234.
(6) من معاني السنة في اللغة: الطريقة والعادة والسيرة، انظر: القاموس المحيط للفيروزأبادي.
(7) ذكر ذلك ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، ج2/ ص120.
(8) جاء في كتب السنة والسيرة أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان يدعوه أحياناً: يا أخي.
(9) وهذا لا يدل على أنّ الصحابي يروي ما يوافق شخصيته ومنهجه، بل الرواية جزء من التأسّي، يتضمن معنى وعي نقل علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهديه، ولا تأثير لشخصية الصحابي بشكل يؤثر على النصّ المرويّ كما أثبتت ذلك كثير من الدلائل التاريخيّة.

نظرة في مفهوم التصوّف الإسلاميّ

 الحديث عن مفهوم التصوّف الإسلاميّ يقتضي منا الحديث عن جذره اللغويّ، وتأصيله من الناحية التاريخيّة، وتتبع مساراته، ودراسة مضمون الإنتاج المعرفيّ لهذا الاتجاه في حقل المعرفة الإسلاميّة، كما يقتضي التنقيب عن مضامينه الروحيّة والعقليّة، وتتبع مدى أصالة انتمائه إلى حقل العلوم والمعارف الشرعيّة، ومدى علميّة ما يطرحه المتصوفة من رؤى عن الله عز وجل، ثم عن الكون والحياة والإنسان، وتحليل المنهج الصوفيّ في المعرفة والتلقي، مع مراعاة أدوات المعرفة الصوفيّة وموقع العقل والبداهة منها، وقبل ذلك تعاملها مع الوحي كمصدر مركزيّ للمعرفة، ودور العقل في التعامل مع المعطيات والحقائق، واستكناه حقيقة القول بأولويّة المعرفة اللدنّية، أو الذاتيّة، والتجربة، والتذوق في الوصول إلى الحقيقة، ومدى قابليّة هذا المنهج الصوفيّ –إن صح تسميته منهجًا- للتعميم، ليكون عامًا للناس كلهم، وسبيلا موصلاً ومفضلاً على العقل والبرهان.
إنّ البحث في هذا المستوى يحتاج إلى اطلاع واسع، وتأمل دقيق في التجربة الصوفيّة، لذا فإنّ مقالنا هذا لن يهتم بالجذر اللغويّ كثيراً، وإثبات مدى الأصالة الشرعيّة تاريخياً لهذا المنهج –الصوفيّ- وإنما سننظر إليه كظاهرة سلوكيّة وعباديّة وتأمّلية.
ومن هذا الوجه، فالتصوّف من حيث هو ظاهرة سلوكيّة وعباديّة، وتطهير للنفس الإنسانيّة وتأمل وفكر في الوجود، أصيل في الإسلام. فالتربية الروحيّة في المجتمع الإنسانيّ وصياغة شخصيّة الإنسان في ظلها لكي تحفظ توازنها أمام مغريات الحياة، كانت من المهمات الواضحة للوحي (القرآن والسنة).
فالقرآن الكريم قائم أساساً على الدعوة إلى الله تعالى وعبادته، وتطهير النفس الأمّارة بالسوء، وبيان سبل الاستقامة والسلوك الموزون في الحياة.
وإنّ الإيمان العقليّ المجرد بخالق الكون ثم بالقيم والفضائل التي تنبعث من هذا الإيمان لا يمكن أنْ يجعل من الإنسان يقظ الحس، رقيق الوجدان، مستقيم السلوك، رباني المشاعر، متطلعاً إلى رضوان الله بشوق وانتظار.
ونحن إذا قرأنا القرآن الكريم وجدنا آيات كثيرة تدعو الإنسان إلى الجانب الروحيّ من حياته، ضمن الإطار العام في الكيان الإنسانيّ المتكامل.
فقول الله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) [الحجر: 99]، وقوله عز وجل: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا) [السجدة: 16]، وقوله تعالى: (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) [الشمس: 9-10]، وآيات كثيرة شواهد على اهتمام الإسلام بتربية الروح وتعويد النفس على الطاعة عن طريق العبادة الشاملة في الحياة كلها.
ولقد أحدثت التربية النبويّة الشريفة تغييراً كلياً في النفوس، وأيقظت الأرواح، ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته وأمته من بعده إلى تأمل كتاب الله، فأشرقت قلوب صحابته، واقتدوا به صلى الله عليه وسلم في عدم إعطاء حياة الشهوات أكثر من حجمها، وعدم التذلّل لها، وتميّز من بينهم جمع من خالص أصحابه، كانوا -كما وُصِفوا- رهبانًا بالليل فرساناً بالنهار، استغرقوا في العبادة والصلاة وقراءة القرآن والكفاح اليومي على نهج النبوّة والاقتداء الكامل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ورث هؤلاء الصّحابة في مسلكهم في العبادة كبار التابعين وتابعيهم، واستمر هذا الاتجاه الذي سمّي بالزهد في المجتمع الإسلاميّ، نتيجة تطور أوضاعه.
إذ كلما استبدت المغريات المادية بالناس، وكثرت الآثام، وظهرت المفاسد، وانتشرت المظالم، علت الدعوة إلى محاربة النفس الأمّارة بالسوء.
وكان الوعّاظ وأهل الزهد والإرشاد ينبهون الناس إلى الثغرات الروحيّة في الحياة وكيفيّة معالجتها، وكانوا ينطلقون من منطلقات قرآنيّة.
وبقي الاتجاه الروحي على صفائه الإسلاميّ، حتى بعد تطوره إلى فكر، واتخاذه مصطلح “التصوّف” بوضوح ابتداء من القرن الثالث الهجريّ، حيث انقلب التصوّف إلى علم قائم بذاته، سمّي بعلوم الخواطر أو الأحوال أو المكاشفات(1) .
يقول ابن خلدون: “هذا العلم من علوم الشريعة الحادثة في الملّة. وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم طريقة الحقّ والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عن زخرف الدنيا وزينتها، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذّة ومال وجاه، والانفراد في الخلوة للعبادة. وكان ذلك عامًّا في الصّحابة والسلف. فلما فشا الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفيّة والمتصوفة”(2).
وعندما بدأ الصوفيّة يتعمّقون في حقائق الدين ولا يكتفون بظاهرها فحسب ظهر الفكر الصوفيّ كأحد مظاهر الفكر الإسلاميّ، هذا التطوّر الذي عده ابن خلدون بسبب تطوّر حركة المجتمع الإسلاميّ وامتداده، ونشوء ظواهر جديدة كالترف والبذخ، والإقبال على الدنيا.
فكان التطوّر الروحيّ الذي انتهى إلى علم التصوّف كما تطوّر الاتجاه العقليّ النظريّ إلى علم الكلام والفلسفة، وتطوّر الاتجاه العمليّ إلى الفقه وأصول الفقه والمدارس الفقهيّة المعروفة.
كان في الفكر الصوفيّ في مبتدأ أمره قائمًا على الكتاب والسنة، ملتزمًا بضوابط الشرع، عند أمثال معروف الكرخي (ت 255هـ) والحارث المحاسبي (ت 243هـ) وسير السقطي (ت 253هـ) والجنيد البغدادي (ت 298هـ) وغيرهم.
ذلك أنّه كان يقوم على التأمّل العميق في التوحيد والعبوديّة التّامة لله تعالى عن طريق تصفية القلب، واستقامة السلوك، ومجانبة الدواعي النفسانيّة، والتعلّق بالعلوم المستنبطة من الكتاب والسنة.
يقول الجنيد البغدادي رحمه الله: “إنّ من لم يحفظ القرآن ولم يكتب الحديث لا يُقتدى به في هذا الأمر (أي التصوّف) لأنّ عملنا هذا مقيّد بالكتاب والسّنة”(3).
ولقد تبلور فكر صوفّي إسلاميّ عميق في هذه المدرسة الصوفيّة، حول حقيقة العبادة والتوحيد واتباع السلوك الصحيح إلى الحقّ تبارك وتعالى، ووصف مراتب النفس وتصفيتها، وأمراض القلوب وشفاءها، وحقيقة هذه الحياة وموقع الإنسان فيها، والخلاص من الرذائل، ونبذ العبوديّة للدنيا، ومعرفة مظاهر الشرك الخفيّ ومراتبها.
غير أنّ هذا الفكر الصوفيّ السليم الذي تضبطه ضوابط القرآن الكريم والسّنة النبويّة، لم يستطع أنْ يسيطر على عالم التصوّف، بل ظهرت منذ “الجنيد” بوادر انحرافات واضحة، تمثلت في شَطَحات الحلاج التي كانت نتيجة الغنوصيّة الشرقيّة (الهنديّة والمجوسيّة …) التي دخلت المجتمع الإسلاميّ، ودعت إلى الحلول عند الحلاج، والإشراق عند السهروردي الزنديق المقتول، ووحدة الوجود عند ابن الفارض والجيلي وابن سبعين وابن عربي، هذا الأخير الذي قال بوحدة الأديان وأوّل الحقائق الشرعيّة تأويلا منكرًا، ودعا إلى نظريّة الاتحاد بين الخالق والمخلوق، وغيرها(4).
هذه النظريّات لم تكن تجربة روحيّة إسلاميّة، بل كانت مظهرًا واضحًا لدراسات فلسفيّة حلوليّة وغنوصيّة لا علاقة لها بروحانيّة الإسلام عند المتصوّفة الأُوَل المستقيمين من المتمسكين بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وضوابط فهمهما الصحيح.
ولا يعني وجود هذا الانحراف أنّ ساحة الفكر الإسلاميّ الصوفيّ خلت من التيار الصوفيّ المنضبط بضوابط الشّرع، بل استمر عند القشيري وعبد القادر الجيلاني، والشيخ زروق وغيرهم. الذين حاربوا تيار الإشرافية، ووحدة الوجود، والإباحية، ودعَوْا إلى كتاب الله تعالى وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم.
غير أنّ ما يمكن ملاحظته من الناحية المعرفيّة والمنهجيّة أنّ التصوّف يقوم على الذّوق والتجرِبة الذاتيّة، وما يسمى “بالكشف”، وهذا يشكّل حاجزًا كبيرًا أنْ يكون المنهج الصوفيّ منهجًا مشتركًا بين الناس يمكن التحقّق منه ومن علميّته، إذ إنّه لا يقوم على النظر العقليّ ولا على الحِسّ، وهذا ما يشترك فيه الناس جميعًا، وإنما يقوم هذا المنهج على التجربة الذاتيّة والمجاهدة وسلوك طريق الأحوال والمقامات، وهي فضلاً عن غرابتها من الناحية الشرعيّة، فإنها غير قابلة للتعميم، ولا يمكن البرهنة على صدقها، ولذلك تبقى قاصرة عن التعميم. وقد يمكن أنْ تكون صادقة ومقبولة عند صاحبها، ولكن لا تعتبر قانوناً عاماًّ يحتكم إليه الجميع، ويتصف بالموضوعيّة وإمكان المحاججة كما هو الشأن في مناهج علم الحديث أو الفقه أو التاريخ أو أصول الفقه مثلاً.
وبالرغم من أن الفكر الصوفيّ في العصر الحديث حاول أنْ يصطبغ بصبغة تجديديّة على أيدي كثير من الصوفيّة العلماء؛ أمثال العلاّمة محمد إقبال والشيخ عبد الحليم محمود والشيخ فريد الدين شهيدي الهندي وغيرهم، إلا أنّ ما طرحه “إقبال” مثلاً من تجديد الفكر الديني في الإسلام، وبالأساس التصوّف، مازال يواجه أسئلة تقدح في صميم المنهج الصوفيّ القائم على البداهة والذاتيّة والعلم الذاتي غير المكتسب بالطرق المتعارف عليها والمعهودة بين أهل العلم، بحيث إذا ما قورن بضوابط الشرع أو العقل يواجه بأسئلة كثيرة على المستوى المعياري، والمستوى المعرفي (الابستمولوجي)، والمستوى الوجودي (الأنطولوجي).
ذلك أنّ اعتبار التجربة الذوقيّة والإلهام المصدر الحقيقي للمعرفة، ليس له في الحقيقة معنى منطقيًّا. فما هو معيار اختبار هذه التجربة الباطنيّة؟ وما هو المبرر العلمي لصرف ظواهر النصوص الشرعيّة وإعطائها معاني تخالف قواعد التأويل العربّي من الناحية اللغويّة باعتبار أنّ العربيّة لغة الوحي، كما تعطّل الحدود وتسقط الرسوم وتؤدّي إلى التحلّل من العبادة؟
كما أنّه من المتّفق عليه بين كل المسلمين أنّ العبادة الأصل فيها الحضر إلا إذا دلّ الشرع الحكيم عليها وعلى تشريعها. من هنا فإنّ اختراع المتصوّفة لأحوال وطرق ومسالك لم تؤثر عن صاحب الشرع يجعلهم في موقف مناقض لأصل التوحيد، والدخول في الابتداع.
كما أنّ القول بالإلهام كمصدر للمعرفة، أمر غير مضبوط، وفيه طعن لخاتميّة الرسالة المحمديّة التي اكتملت بوفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم.
أخيراً نقول: إنّ التصوّف لا يعدو أنْ يكون خطًّا فكريًّا، وُلد مبكّرًا في المجتمع الإسلاميّ، ومرَّ بمراحل وتطوّرات هامّة، وأثناء تطوّره تشكّلت فيه مدرستان؛ مدرسة التصوّف السّني التي يمكن اعتبارها “مدرسة تربية الرّوح، وتزكية النفس، وتطهير القلب، وهذه تحتاج إلى قليل من المراجعة ليستفاد منها في ميدان علم النفس والتربية والاجتماع والسلوك”.
أمّا المدرسة الثانية، فهي مدرسة التصوّف الفلسفي التي اخترقتها تيارات الإشراق والغنوصيّة والحلول والأفلاطونيّة، فابتعدت عن معايير العقل فضلاً عن الوحي. وهذه الأخيرة هي التي قالت بالحلول، والاتحاد، والفَيْض، ووَحْدة الوجود، والحقيقة الباطنيّة، وأسقطت ظاهر الشريعة من الاعتبار، وهذه تحتاج إلى نقد وتفكيك ومواجهة علميّة، لهدم ما يبدو فيها من تناسق علميّ ومنطقيّ على غير أساس متين.
والله أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الهوامش :
(1) محمد جلال شرف، دراسات في التصوف الإسلامي، ص28.
(2) عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ج3/ص1063، تحقيق: علي عبد الواحد واف.
(3) الجنيد البغدادي، نقلا عن كتاب “دليل الباحثين إلى المفاهيم النفسية في التراث”، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ج1/ ص270.
(4) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، ص 60 وما بعدها.