الدعوة … وإبل المئة

الدعوة إلى الله – تعالى – وإلى نهجه، والعمل على خدمة الإسلام مسؤولية ملتزمي خط النبوة. ونصرة دين الله وتحقيق نهضة الأمة واستعادتها وعيها ورشدها يلزمه رؤية واضحة، وعملاً منهجيًّا بصيرًا، وأداء منظمًا، ومداومة على الفعل المنتج ولو كان قليلاً، ذلك أن “أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ”، وأن “المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهراً أبقى”، كما تحتاج الدعوة إلى النفرة مصداقًا لقوله – تعالى -: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا به قومهم إذا رجعوا إليهم). ولقد دلتنا السيرة النبوية وسيرة السلف الصالح أن الدعوة في ساعات العسرة لم تجد إلا أولئك الذين آمنوا بها وأعطوها حياتهم، أما الذين أعطوها فضلة وقتهم أو هامشًا من اهتماماتهم أو تجمعوا حولها في ساعة الرخاء؛ فإن الدعوة لم تجد لهم أثرًا، ومن وجدته تراه ينظر إليك “نظر المغشي عليه من الموت” خوفًا من تحمل المسؤولية، وتهربًا من أداء الواجب، وتنكرًا لتحمل نصيب من العبء. ولهذا ميز الله البدريين وأصحاب بيعة الرضوان من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار عن غيرهم من المسلمين؛ لما لهم من همة عالية، وإخلاص للدعوة، ووعي بحقيقتها، والتزام بقيمها وأهدافها، وحفاظ على محتواها العقدي والأخلاقي، وتضحية في تحقيق مقاصدها الكبرى، وعمل على مراعاة جزئياتها المتكاملة. فكان أن غفر الله لهم ورضي عنهم وضاعف لهم الجزاء، وخلد ذكرهم في العالمين؛ لأنهم جيل أعطى ولم يأخذ، وبذل ولم ينتظر، ومنح كل وقته وماله وجهده وقواه للدعوة؛ فأفنى ما عنده في سبيل دعوة الله – تعالى – فأعطاه الله وجزاه بما لا يفنى جنة ونعيمًا. فكان بحق جيلاً قرآنيًّا فريدًا كما سماه سيد قطب -عليه رحمة الله-؛ تناغمت طموحاته وآماله وأفكاره وأعماله مع الدعوة الإسلامية، فكان خير أمة أخرجت للناس.
وفي عصرنا هذا تحتاج الدعوة إلى أمثال ذلك الجيل، لأننا في ساعة العسرة، ونحتاج إلى كل جهد، وإلى كل فكرة متسقة مع الدعوة، وإلى كل يد تساعد على سد أي ثغرة، ونحتاج إلى كل واحد من أبناء الإسلام “ليخذِّل عنا ما استطاع” كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم – لنعيم بن مسعود -رضي الله عنه- في غزوة الأحزاب. إن الدعوة اليوم في حاجة ماسة إلى جميع أبنائها.. إنها تحتاج إلى جيل ولا تحتاج إلى أفراد، وتحتاج إلى البدريين الذين أعطوا ولم ينتظروا الجزاء الفاني، أكثر مما تحتاج على الطلقاء الذين التحقوا بالدعوة بعد أن استقامت على عودها، وإن كان منهم كثير من النماذج الرائدة. وأكثر من هذا؛ فإن الدعوة ليست في حاجة إلى الذين إذا رأوها مزهرة منتصرة “قالوا آمنا وهم لا يؤمنون” لا بالدعوة ولا بأهدافها، وإنما هم قناصوا فرص، كما لا تحتاج الدعوة إلى أصحاب الأوجه المتعددة حتى لا نقول المنافقين، الذين يقولون “إنا معكم”، “وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا “إنا معكم إنما نحن مستهزئون” أو أنهم يعضون الأنامل علينا من الغيظ. وهذا الذي ينبغي التأكيد عليه أكثر من غيره؛ ذلك أن المنتسبين إلى الدعوة اليوم كثير، ويتكلمون باسمها في كل مجلس، غير أن العاملين لها قليل، أو أقل من القليل. وخاصة عندما تحتاجهم الدعوة ليبذلوا ليس أرواحهم، وليس أموالهم، وليس وقتهم، وليس ذلك كله؛ بل تحتاج الدعوة منهم جزءًا مستقرًّا ومنتظمًا من الوقت والجهد والفكر والبذل.. تحتاج منهم ولو جزءًا ضئيلاً، ولكن ثابتًا ومستقرًّا، ومخصصًا للدعوة بشكل واضح ومنتظم وقصدي. وهذا ليس كثيرًا على الملايين من أبناء الإسلام؛ بل قد تجد الكثير ممن يعتبره أقل المطلوب؛ لكن عمليًّا، لن تجد من يخصص مثل هذا الحيز الوجيز لإنجاز عمل ينفع الأمة، ويكون هذا العمل مستمرًّا غير منبت ولا متنطع ولا مزاجي. وحتى لا نبقى نسبح في إطار الكلام النظري فلنتأمل أي عمل جماعي أو أي مشروع عام؛ فإنا نجده يعاني من قلة الباذلين، وندرة المتفرغين له، بل قد تحصي من الكفاءات القادرة على الأداء والإنجاز والمساهمة العدد الكثير، غير أنا عند ساعة التنفيذ والحقيقة ينفضّوا من حولك كما تنفض قطعان النعم إذا رأت الوحش يهاجمها. وكم من المشاريع الدعوية توقفت أو أفلست أو لم تستطع الاستمرار بسبب قلة العاملين وكثرة المتكلمين “غثاء كغثاء السيل”. ولهذا فإن أشد ما تعاني منه الدعوة هو هذه الغثائية التي لا تكاد تفرز منها ما ينفع وكأنها “إبل المئة لا تجد فيها راحلة”؛ فمتى تزول هذه الظاهرة السلبية ونشهد ميلاد جيل جديد يؤمن بأن تغيير مسار التاريخ يحتاج إلى ميزانية ضخمة من الأفكار والأفعال التي تحمل كثافة الواقع، ونصل إلى الإيجابية الرسالية التي كان عليها ربعي بن عامر.. ذلك الرمز الذي يمثل وضوح الهدف، وسعة الرؤية، والتصميم على الفعل، والصدق في التوجه، والحرص على الإنجاز، لنخرج أنفسنا وغيرنا “من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة”؟ وتلك لعمري حقيقة الدعوة وحقيقة الدعاة وليست إبل المئة التي لا تكاد تفرز منها ناقة واحدة تحمل عليها هموم الدعوة والأمة التي تراكمت دهرًا طويلاً!.