الاختلافات في الواقع سببها الاختلاف في الرؤية الكونية

هناك الكثير من القضايا التي تثير جدلا بين مختلف الأفراد والدول والمجتمعات والثقافات والحضارات، ويرجع سبب هذا الاختلاف والجدل حولها إلى الاختلافات في الرؤى الكلية للوجود. إذ لكل فرد من بني البشر رؤية كلية للوجود أو للعالم، سواء أدرك ذلك أم لم يدرك، فكل فرد له افتراضات وصور وتحيزات تؤثر على الطريقة التي يرى فيها الوجود والحياة. وتتصف هذه الافتراضات بقدر من الثبات والتماسك، وليس بالضرورة أن تكون صحيحة. وتشبه رؤية العالم النظارات التي تؤثر على الطريقة التي يرى بها الفرد الأشياء من حوله.
والوظيفة الأساسية لرؤية العالم عند الفرد هي وظيفة تفسيرية، فبها يفهم العالم ويفسِّر أحداثه وظواهره، وبها يفهم لماذا يفكر ويسلك بالطريقة التي يفكر بها أو يسلكها. والرؤى الكلية المتنافسة كثيراً ما تتصادم وتكون الأساس في ما يكون بين الأفراد وبين الأمم من اختلافات وخصومات، وقد تتحول إلى معارك دموية، لذلك من المهم أن نعرف أن الرؤى الكونية هي السبب في خلافات الناس، وأنّها سيف ذو حدَّيْن؛ فقد تكون غير الملائمة- سببا في الغبش الذي يمنع من يستعملها من الرؤية الصحيحة للأمور، أو قد تكون سبباً في الرؤية السليمة الواضحة.

الجامعة من توفير المعرفة إلى إنتاجها

مسيرة التعليم العالي في الجزائر
في سنة 1962 كان هناك 500 طالب في جامعة الجزائر، وفي سنة 1971 كان أول إصلاح للتعليم العالي وكانت النتيجة تخريج عشرات الآلاف من الجامعيين الذين انتشروا في ربوع الجزائر في جميع  الميادين(بوخلخال، 2007). وتتابعت مسيرة التطور في التعليم العالي. وفي سنة 2007 صار هناك حوالي 60 مؤسسة جامعية (جامعة، مركز جامعي) فيها 700 ألف طالب، ومع هذه السنة 2008 بلغ عدد المرسسات الجامعية 62 مؤسسة جامعية (جامعات، ومراكز جامعية، ومدارس وطنية عليا) وبلغ عدد الطلبة رقما يضاهي المليون ونصف المليون طالب، مع وجود أكثر من 30 ألف أستاذ جامعي لتأطير الطلبة وأكثر من مليون مقعد بيداغوجي وأكثر من 250 إقامة جامعية (الخبر، يوم 08/10/2008، ص9).
أهداف التعليم العالي
وحسب ميثاق التعليم العالي، فإن أهدف التعليم العالي تتلخص في التعليم والتكوين، والقضاء على الجهل والأمية، والاستجابة لاحتياجات الجزائر التنموية، والاستجابة للأعداد المتزايدة من الجزائريين والجزائريات المقبلين على الجامعة (بوخلخال، 2007).
بيد أن هذه الأهداف تضعنا أمام تساؤل عن دور الجامعة التقليدي ودورها الجديد؟ فدورها التقليدي هو توفير المعرفة، لكن مع تزايد عدد الطلاب، ومع تطور المجتمع الجزائري من 1962 إلى 2008 والتحولات الكبرى التي حصلت ولا تزال تحصل في مختلف الأصعدة ثقافيا واجتماعيا واقتصاديا وتنمويا وتكنولوجيا تستدعي تحولا في الجامعة وفي دورها، والانتقال من الدور التقليدي المتمثل في توفير المعرفة إلى الدور الاستراتيجي الجديد في إنتاجها.
الدور التقليدي: توفير المعرفة
نلاحظ أن أهداف التعليم العالي في الجزائر هي نفسها الأهداف التقليدية للجامعة وهي: التدريس، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع (لعويرة، 2007). غير أن هذه الأهداف فارغة من محتواها المعرفي؛ أي لم يتجه التدريس أو البحث العلمي أو خدمة المجتمع إلى الجانب الابداعي والإنتاجي في مجال المعرفة. بل اكتفى –بشكل عام- بمجرد توفير الحد الأدنى من المعرفة التي تؤهل المتخرج ليحصل على شهادة ووظيفة، وبقيت الجامعة تابعة لما تنتجه جامعة المراكز الحضارية.
وهذا يجعل الجامعة وسيطا بين مراكز إنتاج المعرفة وبين المجتمع. أي مجرد إتقان الاستفادة من المعرفة، وحسن استعمالها وتوظيفها (الميلاد، 2006). وهذا بدوره أدى إلى تخلف جامعاتنا عن غيرها من جامعات العالم التي اتخذت أدوارا جديدة مع التحولات الكبرى في الحضارة الإنسانية.
وهذا لا يجعلنا نستهين بما تحقق لحد الآن من إنجازات، فطوال العقود الماضية من عمر الاستقلال الوطني حققت الجامعة الجزائرية إنجازات لا يستهان بها، وخاصة فيما يتعلق بإعداد الكوادر والإطارات التي تتوزع في مختلف المؤسسات في بلادنا. ولكن دور الجامعة الجزائرية لا يزال متدنياً من حيث النوعية والكيفية، والتعليم فيها أقل مستوى مما أنجزه التعليم العالي مثلاً في كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وبقية بلدان شرق آسيا التي بدأ نموها بعدنا، ولكن الفارق بينها أي بلدان شرق أسيا وبيننا كبير جداً، هذا على مستوى البلاد النامية.
أما إذا أردنا مقارنة واقع التعليم العالي في الجامعة الجزائرية بأوروبا الغربية أو البلدان الصناعية عموماً فليس هناك وجه للمقارنة خاصة من النواحي الكمية والنوعية، وإنجازات البحث العلمي والاختراع والاكتشاف؛ أي إنتاج المعرفة عموماً. وهذا ما يوضحه قياس مؤشر إنتاج المعرفة الصادر ضمن تقرير التنمية الإنسانية في العالم العربي سنة 2003 .
الدور الاستراتيجي الجديد: إنتاج المعرفة.
إن إنتاج المعرفة هو المرحلة الأرقى من اكتساب المعرفة، حيث ينطوي إنتاج المعرفة على امتلاك الجامعة القدرة على الإضافة إلى رصيد المعرفة الإنسانية الذي يغترف منه البشر(الأنصاري،2004).
ولهذا نتساءل: ما هو حال إنتاج المعرفة في جامعاتنا في المجالات العلمية والتقانية، والأدبية والإنسانية والاجتماعية والفنية؟ وما هي العوامل الفاعلة في تكوين الوضع الراهن؟  وفي تلمس إجابات عن هذه الأسئلة تكمن مفاتيح العمل على تحول جامعاتنا إلى جامعات منتجة للمعرفة.
وقد نتساءل عن كيفية قياس إنتاج المعرفة في الجامعات عموما وفي جامعاتنا بوجه خاص؟ فهناك صعوبة في الحصول على معلومات حديثة ودقيقة ومتكاملة حول مُخرجات أنشطة البحث العلمي في جامعاتنا وفي العالم العربي عموما.  غير أنه يمكن بشكل عام قياس مُخرجات البحث العلمي من خلال المنشورات العلمية، وبراءات الاختراع، والابتكارات(الأنصاري،2007).
وذكر تقرير التنمية العربي وبعض الدراسات إلى أن النتائج الإحصائية لبعض مؤشرات الإنتاج المعرفي لعدد من بلدان العالم فيما يتعلق ببعض بلدان العالم أو فيما يتعلق بعدد العلماء العاملين في مجال البحث العلمي و عدد براءات الاختراع فضلاً عن عدد الكتب المنشورة ، إلى أن هناك فارق  كبير بين الإنتاج المعرفي في دول العالم مقارنة بالجزائر خصوصا وبالعالم العربي عموماً. وأن هناك فقراً شديداً في إنتاج الكتب في البلدان العربية مقارنة بعدد السكان.
كما أن إنتاج الكتب في  البلدان العربية لم يتجاوز 1.1% من الإنتاج العالمي. رغم أن العرب يشكلون نحو 5% من سكان العلم . كما أن إنتاج الكتب الأدبية والفنية يعد أضعف من المستوى العام . فعدد الكتب الأدبية والفنية الصادرة في البلدان العربية لم يتجاوز 1945 كتاباً في عام 1996 مما يمثل 0.8% فقط من الإنتاج العالمي، وهو أقل مما أنتجته دولة مثل تركيا  والتي يتعدى سكانها ربع سكان البلدان العربية. وأيضا، يتسم إنتاج الكتب في البلدان العربية بشح في مجالات كثيرة خاصة الأدب والفن والعلوم الاجتماعية. وتجدر الإشارة إلى أن براءات الاختراع المسجلة للدول العربية تشمل نسبة كبيرة من براءات اختراع  مسجلة من قبل جهات أجنبية ( عمرو أرمنازي، 2002، 40؛ الأنصاري، 2004).
ولا شك أن المنشورات العلمية وبراءات الاختراع مؤشرات مفيدة عن نشاط البحث العلمي إلا أنها لا تعُّبر بحد ذاتها عن النشاط الابتكاري. ولعل الأسواق تكاد تخلو من الابتكارات العربية، مما يشير إلى أن البحث العلمي في البلدان العربية لم يرق بعد إلى مرحلة الابتكار التي تمكن من دخول مشارف اقتصاد المعرفة واطراد التنمية الإنسانية
مما يشير إلى ضعف إنتاج المعرفة ومن ثم يعد إنشاء نسق فعال لإنتاج المعرفة مسألة جوهرية لأمننا الاستراتيجي .
إنشاء  نسق فعال لإنتاج المعرفة
إن النسق الفعال لإنتاج المعرفة يحتاج إلى؛ أولاً: إدراك التحول في طبيعة المعرفة ومكانتها ودورها في المجتمعات المعاصرة (مجتمعات المعرفة). وثانياً: إصلاح مراكز صناعة وإنتاج المعرفة (الجامعات ومراكز البحوث) بشكل خاص. بما يضمن لها أن تكون مواكبة لعصر الانفجار المعرفي وتساهم في إنتاج المعرفة. وثالثاً: عدم فك الارتباط بين إصلاح الجامعة وجوانب الإصلاح  الأخرى في مجتمعنا(الإصلاح الثقافي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، وغيرها)؛ أي الإصلاح الحضاري الشامل.
وفي هذا المقام نركز أكثر على إصلاح مراكز إنتاج وصناعة المعرفة لما لها من أولوية في تصحيح وتطوير الرؤية والمسار المستقبلي لجامعاتنا.
1. إصلاح مراكز إنتاج المعرفة (الجامعات)
وهذا يتم وفق خطوات وبمساهمة أطراف نذكرهم فيما يلي:
• أولا: تغيير الرؤية: وذلك من خلال ضرورة اعتبار إنتاج المعرفة مجالاً أو ميداناً حيوياً مهماً لتطوير وإصلاح التعليم عموما والتعليم العالي بوجه خاص. وهذا بدوره يستدعي اعتبار البحث العلمي يشكل مجالاً أو ميداناً مهماً في جهود تطوير التعليم، فهو يغذي حركة التعليم أولاً بالمعلومات والحقائق، و يهيئ ثانياً الظروف والمعطيات للبدء في حركة إنتاج المعرفة في مؤسسات التعليم العالي، و مراكز البحث العلمي. وما لم يتوجه التعليم العالي إلى وظيفة إنتاج المعرفة ، فسيظل تعليماً قاصراً لا قيمة له في دفع حركة التنمية الوطنية إلى أفق عالمي. والمقصود بإنتاج المعرفة ليس المعرفة التقنية ذات الصلة بالطبيعة والعلوم الطبيعية فقط، ولكن إنتاج المعرفة في العلوم الإنسانية أيضاً أمر ضروري ومهم لأي نهضة أو تقدم. ذلك أن النظرة التجزيئية للمعرفة والتعليم تسببت في انفصام في شخصية وعقل الإنسان بتقديم المعرفة والنظر إليها باعتبارها معرفة مادية أو تقنية فقط . والنظر إلى المعرفة الإنسانية والاجتماعية على أنها غير مهمة أو غير منتجة.
ثانيا: تحديد أطراف عملية إصلاح الجامعة:
وتتمثل في:
1.  الإدارة: الإستراتيجية، والتخطيط، والتوجيه، والتمويل، والمراقبة، والاستثمار.
2. الأستاذ (الهيئة العلمية) التنشئة العلمية والتربوية، البحث والتنظير، الاختراع والإبداع.
3.  الطالب: التلقي، التدريب، التخصص.

أ. الإدارة
وتشمل الإدارة السياسية، والوزارة، وإدارة الجامعة، ومراكز اتخاذ القرار الاستراتيجي والمرحلي والوطني والمحلي.  ويقوم دور الإدارة في إنتاج المعرفة على: 1. وضع الاستراتيجية، 2. التخطيط، 3. التوجيه، 4. التمويل، 5. المراقبة، 6. الاستثمار.
نقائص الإدارة
حدد تقرير التنمية الإإنسانية العربية سنة 2003 منظومة التعليم العالي العربية ورأى أنها تتصف بما يلي:
• 1 ـ عدم وضوح الرؤيا وغياب سياسات عربية واضحة تحكم العملية التعليمية
• 2 ـ عدم استقلال الجامعات ووقوعها تحت السيطرة المباشرة للنظم الحاكمة المتقلبة المزاج.
• 3 ـ التكدس المخيف لأعداد الملتحقين بالجامعات
• 4 ـ انخفاض الإنفاق والتوسع الكمي على حساب النوعية والجودة (بحيرة، 2004).
• 5- قلة الإنفاق على التعليم العالي.
• 6- التوسع الكمي في نشر التعليم العالي جاء على حساب نوعية التعليم وجودته.
• 7- المكتبات في جامعات كثيرة دون المستوى المطلوب.
• 8- المعامل والمختبرات أصبحت قديمة ولا تتسع الأعداد المتزايدة من الطلبة.
• 9 – أعضاء هيئة التدريس في عدد كبير من الجامعات العربية يعانون من انخفاض حاد في المرتبات لا يسمح لهم بالتفرغ للتعليم, ناهيك عن البحث.
بالنسبة للإستراتيجية
• 1. تتطلب الإستراتيجية الفعالة لإنتاج المعرفة تغييرا في المواقف والقيم والحوافز المجتمعية لتتضمن التزاما شاملاً على جميع مستويات المجتمع. باحترام العلم والمعرفة وتشجيع الإبداع والابتكار واستخدام الاكتشافات الجديدة لزيادة الإنتاجية والدخل وتحسين رفاه الإنسان.
• 2. ويمكن دعم التغيير في المواقف بسياسات توفر الحوافز لتعزيز الوضع الاجتماعي وفرص الربح للعاملين في ميادين العلم والمعرفة والابتكار.
• 3. والسياسات العامة لها دور رئيسي في تشجيع نشاطات البحث والتطوير المرتبطة بالعملية الإنتاجية للمعرفة.
• 4. عدم الاكتفاء بالبناء على قاعدة المعرفة الوطنية لتوليد معرفة جديدة من خلال البحث والتطوير، ولكنه يتطلب أيضاً جني المعرفة المتواجدة في أماكن أخرى وتكييفها. وذلك عن طريق الانفتاح بمعناه الواسع بما في ذلك مثلاً تشجيع الانسياب الحر للمعلومات والأفكار، وتأسيس روابط بناءة مع الأسواق العالمية واجتذاب الاستثمار الأجنبي.
• 5. نظراً لضعف التطوير التقني الحالي في الجرائر وغيرها من البلدان العربية. فإن هذا الضعف يدعو إلى تبنى إستراتيجية على المدى القصير تركز على استيراد وتكييف التقانة واستيعابها من خلال الممارسة، ريثما تتوافر البيئة الضرورية للتطوير التقاني المحلي النشط.
• 6. يمكن تعزيز إنتاج المعرفة بإقامة علاقات مع مراكز الأبحاث الدولية المتقدمة ومؤسسات البحث والتطوير الأخرى. شريطة أن تساعد هذه الروابط على تحسين التطوير العلمي والتقني عندنا لا أن تعمق التبعية للمصادر الأجنبية.
بالنسبة للتمويل
يحتاج حفز البحث العلمي إلى رغبة سياسية جادة في توطين العلم وتأسيس البنية التحتية اللازمة له وهو أمر يحتاج إلى مخصصات مالية تفوق ما ينفق في البلدان العربة على البحث الذي لا يتجاوز 0.2% من الناتج القومي (القاسم، 1999)
ب. الأستاذ (الهيئة العلمية)
– عوائق في وجه الهيئة العلمية:
1. من شروط ازدهار البحث العلمي في أي مجتمع توافر بيئة صحية تشجع العلماء والمبدعين وتوفر لهم الظروف المواتية لممارسة عملهم .
2. ومن غير المتوقع أن تتوافر تلك البيئة المشجعة للإبداع خاصة في العلوم الإنسانية والاجتماعية في ظل نظم سياسية غير ديمقراطية لا تعبر عن مصالح مواطنيها فيفقد الناس الثقة في قدراتهم على الفعل والمبادرة الحرة.
3. وإذا رجعنا إلى القوانين المنظمة لمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي في الجامعات، نجد أن معظمها يتضمن لوائح ونُظُماً تحد من استقلال تلك المؤسسات وتضعها في علاقة تبعية مباشرة للنظم السياسية الحاكمة .
4. ويترتب على ذلك تقليص الحريات الأكاديمية، وتشجيع الأساتذة على الابتعاد عن الإبداع أو التجديد الذي قد يؤدي إلى إثارة قضايا خلافية أو قد يثير مشكلات سياسية وتكون النتيجة أن تقتل روح الإبداع في الباحثين.
5. ويبقى التميز موجوداً وهناك مجموعة من الباحثين الممتازين في جامعاتنا إلا أن تميزهم هذا يكون نتيجة مجهودات فردية وظروف شخصية وليس بسبب وجود دعم مؤسسي، وهو ومن ثم لا يؤسس تياراً أو اتجاهاً ( تقرير التنمية الإنسانية العربية ، 2003).
6. ويؤثر مناخ الحرية كذلك في مدى وصول المنشورات العلمية والأدبية والفنية إلى الأساتذة، وصعوبة الاتصال بقواعد المعلومات الموجود في مراكز البحث وبنوك المعلومات. ويواجه الناشرون صعوبة بالغة في توزيع الكتب والدوريات الصادرة من بلد عربي ما في بقية الدول العربية لأسباب عديدة.
– ما يحتاج إلى تحقيق من أجل الأستاذ (الباحث)
1. تشجيع روح المبادرة والمنافسة يعزز ويدعم البحث والتطوير داخل المجتمع، كما أنه لابد من التفهم بأن أنشطة البحث والتطوير الجادة هي بطبيعتها طويلة المدى وتدعم القدرات الحقيقية للتنمية في المجتمع.
2. إن ثقافة البحث والتطوير تنشأ وتتطور في وجود بنية اجتماعية تثمن وتقدر مبدأ التجربة والخطأ، وتدرك بعمق قيمة النجاح والعائد الذي يترتب عليه. ولهذا نحتاج إلى تدريب الأستاذ على التعود على البحث، وعلى اعتباره أمرا ضروريا له باعتباره أستاذا.
3. توفير الحوافز طويلة الأجل للباحثين، بما في ذلك من تهيئة تقدم وظيفي مضمون للباحثين، بالإضافة إلى عائد مجزٍ للاكتشافات العلمية المتميزة، والدراسات الجادة، وتوفير راتب مريح يصرف الباحث (الأستاذ) عن اللجوء إلى طرق أخرى لتحصيل معاشه مما يصرفه عن أداء دوره الأكاديمي والعلمي..
4. يقع على الدولة مسؤوليات دعم الأنشطة التجارية التي تهدف إلى تعزيز عمليات البحث والتطوير، وذلك من خلال تشريعات ضريبية تفضيلية، وإعطاء حوافز كبيرة للأنشطة الرائدة، والتطبيق الجـاد لقوانين الملكية الفكرية لحماية العوائد الاقتصادية للإنجازات المميزة لتطبيقات نتائج البحث والتطوير، ودعم وتشجيع الاستثمار عالي المخاطر عن طريق توفير تمويل وتسهيلات ائتمانية للمشروعات التي تتناول المراحل المبكرة للمنتجات والخدمات المستحدثة .
ج.الطالب:
يمثل الطالب طرفا مهما في عملية إصلاح الجامعة والانتقال بها من دورها التقليدي إلى دورها الاستراتيجي الجديد، وهو في ذلك يقوم بدورين؛ أحدهما يكون فيه محلا للعناية من قبل الإدارة والهيئة العلمية، وثانيهما يكون مؤثرا ومؤديا لدور المساهم في عملية التحول.
-واجب الجامعة اتجاه الطالب
على الجامعة أن تدرج الطالب في مشروع إنتاج المعرفة وذلك من خلال:
-انتقاء الطالب واختياره.
– توجيهه إلى التخصص المناسب لقدراته التحصيلية.
– تمكينه من أن يتمتع بحرية أكبر في اختيار مجال تكوين وبمرونة أكثر في الانتقال وتغيير المسارات التكوينية.
– توفير مناهج التعليم المتجددة والمواكبة لتطورات العملية التعليمية لعصرنا.
– تدريبه على الاحتراف في البحث العلمي عموما، وفي ميدان تخصصه بشكل أساس.
– تعليمه المشاركة الاجتماعية من خلال تخصصه العلمي.
– إتاحة  التجهيزات والأدوات اللازمة لتشجيع وتعزيز القدرات والهوايات في إطار، وخارج إطار، النظام التعليمي مطلب حيوي لإحياء وتعزيز ثقافة وروح البحث والتطوير.
– تفعيل روح الإبداع والابتكار في مجال البحث والتطوير وتقوية العزيمة والمثابرة والإصرار على النجاح.
-واجب الطالب.
– على الطالب أن يقتنع أيضا بأنه شريك رئيسي في المنظومة التي تؤمّن تكوينه وتحدد مستقبله.
– تحمل مسؤولية أكبر في اختيار مستقبله المهني عبر ثقافة بعث المشاريع.

تفسير التاريخ

تفسير التاريخ: قراءة في كتاب “تفسير التاريخ” لعبد الحميد صديقي

تمهيد
إن الاهتمام بفهم سنن التاريخ، والقوانين التي تحكم عملية التغير التاريخي، وكذلك المراحل التي تمر بها الأمم والمجتمعات في تاريخها، والعوامل التي تتحكم في صناعة التاريخ وتغيره، كل هذه القضايا أولاها كثير من المؤرخين وفلاسفة التاريخ والمجددين أهمية بالغة، لما لها من دور مفتاحي في فهم الحركة التاريخية وإمكانية التحكم في سنن التغير، وبذلك المساهمة في حل معضلات كثيرة تواجه الأمم والشعوب والمجتمعات.
ورغبة منا في تتبع بعض المحاولات الإسلامية التي سعت إلى تفسير التاريخ وفق الرؤية الإسلامية فإننا نعرض إلى مناقشة كتاب الدكتور عبد الحميد صديقي المعنون بـ”تفسير التاريخ” الذي كتبه صاحبه باللغة الإنجليزية، وقام بترجمته إلى العربية الدكتور كاظم الجوادي، وقامت بنشره “دار القلم” بالكويت سنة 1400هـ/ 1980م.

مقدمة عامة:
يدور محور هذا الكتاب حول موضوع التاريخ، وكيفية سير التاريخ، هل هو في تقدم مستمر، أم في حالة تقدم وتقهقر، أم في حالة تقهقر مستمر. ومن أجل ذلك يتناول الكاتب ثلاثة اتجاهات في تفسير التاريخ، هذه الاتجاهات هي؛ التفسير الإحيائي (الرؤية الإحيائية) للتاريخ التي ترى أنه يمكن إعادة إحياء حضارة اندثرت وانهارت، والتفسير الهيجلي للتاريخ الذي ينحو منحى مثاليا ويقوم على فكرة روح العالم والدولة، والتفسير المادي (النظرة المادية للتاريخ) الذي يرى أن العوامل المادية هي المحركة للتاريخ، ثم التفسير الإسلامي للتاريخ القائم على المفاهيم القرآنية في الاستخلاف والتكريم والتسخير والعبادة وحرية الانسان في الفعل والاختيار. والكتاب في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة، وملحق بالمراجع الإنجليزية والعربية والأردية.

عرض ومناقشة أهم أفكار الكتاب:
1. أسئلة محورية:
في المقدمة يرى المؤلف أن أصل فلسفة التاريخ يرجع إلى رغبة البشر في أن يجدوا الجواب لسؤالين جوهريين، هما؛ لماذا حدث؟ وكيف حدث؟
ففلسفة التاريخ هي البحث عن القانون الذي ينظم الحوادث التاريخية ويحاول أن يجد في حدوثها معنى يعطي لحوادث الماضي تسلسلا منطقيا، وينير الحاضر، ويضيء جوانب المستقبل.
ويتبنى المؤلف ما ذهب إليه للعلامة إقبال من أن مهمة الانسان هي أن يساهم في أعمق مطامح الكون من حوله، وأن يقرر شكل مصيره هو ومصير الكون، تارة بتكييف نفسه حسب قوى الكون، وتارة ببذل كل طاقته لصياغة قوى الكون بالشكل الذي يتفق وأهداف الانسان وغاياته.
وإذا كانت هذه غاية الانسان، فهل يصل إليها بمجرد السيطرة على محيطه المادي؟ وإذا كان الإنسان في حركة دائبة لتحقيق غايته، وهو في حركته ليس في تقدم دائما، فما هو إذن القانون الذي يسيطر على حركته؟ وهل هو التقدم المادي هو الغاية؟ أم سيطرة المبادئ الأخلاقية على قوى الطبيعة؟ هذه هي الأسئلة التي طرحها المؤلف، ورأى أن فلسفة التاريخ تدور حول هذه الأسئلة، وقد نشأ عن ذلك مدارس، أو نظرات إما إحيائية، أو مثالية، أو مادية، أو إسلامية.

2. النظرات التفسيرية للتاريخ:
تناول المؤلف هذه النظرات التفسيرية للتاريخ بالتحليل والنقد في الفصول المتوالية للكتاب. وأول ما بدأ به المؤلف هو النظرة الإحيائية للتاريخ، هذه النظرة يرى أصحبها أن الحضارة بظاهرها المادي شبيهة بأطوار حياة البشر، ويمثل هذه النظرة في رأي المؤلف كل من أزوالد شبنجلر وأرنولد توينبي، غير أن الأول يرى حتمية السقوط بعد مرور الحضارة بأطوارها المختلفة، بينما يرى توينبي أن الحضارة “يمكن تكرارها وإحياؤها لأن أية طائفة أو أمة تستطيع أن تتخذ أية نظرة للحياة متى شاءت. وهذه النظرة تضفي لونها الخاص على كل الأعمال.
ولست أدري كيف جمع المؤلف بين كل من الرجلين بالرغم من أن أحدهما (شبينجلر) يجعل من سقوط الحضارة حتمية لا مفر منها، بينما الآخر (توينبي) يرى إمكانية تجدد الحضارة، وإذا كان شبينجلر يرى الحضارة في إنجازها المادي، فإن توينبي يرى أن لكل حضارة روحاً خاصة بها تظهر في وجوه المدنية العديدة، وهذه الروح يمكن أن تضعف، ولكنها لا يمكن أن تموت.
ثم أن المؤلف يتجاهل النظرة الخلدونية التي تجعل من السقوط حتمية أيضا، ولم يشر إليه رغم أنه له نفس الفكرة تقريبا عند شبينجلر فيما يخص سيرورة السقوط الحضاري بحتمية.
في هذا الفصل أيضا يناقش فكرة الحركة الدورية للحضارة، ويرى المؤلف أنه يمكن فحصها من خلال أربعة أشياء، هي: الفنون الجميلة، ونظام الحقيقة، والأخلاق، والقانون. ومن خلالها نستطيع أن نحدد نوع الحضارة؛ “حضارة إلهية” تستند إلى الدين، أو “حضارة حسية” تستند إلى المادية والحس. فالفنون في الحضارة الدينية هدفها تنمية الجانب النبيل من الانسان، والإقبال على كل ما هو شريف وسام وجميل، أما الفنون في الحضارة الحسية المادية فهدفها اللذة والتسلية والمتعة، فالفن الديني فن معبر عن فكرة، أم الفن المادي ففن معبر عن تسلية ومتعة، وغلبة أحد هذين اللونين على الآخر يرجع إلى النظرة الخاصة (Specific Worldview) التي يتخذها كل شعب من زمن إلى آخر.
أما نظام الحقيقة والمعرفة، فإن النظرة المادية تجعل من نظام الحقيقة والواقع المحسوسين يستبعدان فكرة البحث في كل ظاهرة تسمو على الحس وتراها ضربا من الخرافة، والميزان الوحيد بين الصواب والخطأ والفضيلة والرذيلة هو إما المنفعة الحسية أو الملذات الحسية.
بينما نظام الحقيقة السماوي يؤمن بالقيم الأخلاقية التي تمثل أهدافاً وهو نظام مبني على الوحي الرباني، لذلك فهو موثوق به ومطلق. كما يرى المؤلف أن الأوربي مهما كان مستواه او اتجاهه، فإنه يعلم يدنا إيجابيا واحداً هو عبادة المادة والتقدم المادي والاعتقاد بأن هدف الحياة الوحيد أن تزداد سهولة ويسراً، والنتيجة هي الصراع والعداوة بين الناس، ومن الناحية الحضارية كان هذا التوجه سببا في اعتبار أن الأخلاق مرتكزها مسألة النفعية العملية وحدها، وأسمى ميزان للفرق بين الخير والشر هو النجاح المادي.
يرى المؤلف أن الخطأ الذي وقع فيه اشبنجلر وماركس وهيجل – كما سنرى- هو بناؤهم لنظريات ازدهار الحضارات وسقوطها بناء على الخطوات الهائلة التي خطاها العلم المادي في العالم، حتى اعتقدوا أنه ليس وراء (المادة) شيء، وأن الوعي والإرادة كليهما شكلان متطوران من المادة.
فنظروا إلى المجتمع على أنه مجرد جهاز عضوي حيّ، وألغوا شخصية الفرد، فإذا كان شبنجلر ألغاها بقوله بالحتمية في القانون الاجتماعي، فإن ماركس ألغاها حينما اعتبر الطبقة هي المحرك للتاريخ، أما هيجل فعندما ألغى الفرد واستبدله بروح الجماعة (الدولة).
في الفصل الثاني: فلسفة هيجل للتاريخ، يتناول المؤلف تحليلا لنظرية هيجل التفسيرية للتاريخ، فيرى أن هيجل أقام نظريته على مزيج المتناقضات، فجوهر التطور عنده هو نتيجة لصراع المتناقضات؛ ظاهرة تحوي تناقضا، تتحطم وينتج عنها ظاهرة جديدة تدفع السابقة وهي ذاتها تحمل تناقضا، لتنشأ ظاهرة جديدة، وهكذا: ظاهرة ونقيضها، وظاهرة أخرى مركبة منهما.
كما أن هذه الفلسفة تلغي شخصية الفرد إلى حساب روح العالم أو روح العظماء، التي تصنع التاريخ، كما أنها تجعل من الأخلاق مسألة يمكن تجاوزها من قبل هؤلاء العظماء لتحقيق الهدف العظيم. هذا الهدف العظيم يتحقق في شكل (الدولة) التي تجسد الكل الأخلاقي أو الروح الكلي، الذي يحرك الإرادة الذاتية والاندفاع الذاتي للبشر (Self-Realization). فالفكرة: هي المنبع الداخلي للعمل (تطور العقل الكلي والحياة العقلية).
أما الدولة: فهي الحياة الخلقية المتصورة التي توجد حقيقة في عالم الواقع. والفرد -حسب هيجل- لا يكون إنسانا ما لم يعمل بتعاون باعتباره عضوا في الدولة. غير أن ما يمكن ملاحظته على فلسفة هيجل أن كل شيء مدين بوجوده لنقيضه، وأن الصراع أبدي، فإذا حقق نظام اجتماعي ما كل ما فيه من إمكانيات يبدأ بالانحلال، وتتولد من باطنه نفسه قوى تحطمه تحطيما وتقيم أنظمة جديدة على أنقاضه. غير أن الحدود بين هذه النقائض ليست واضحة ومتداخلة ومتصلة بحيث لا يمكن رسم حدود القضية وحدود نقيضها.
وعلى العكس من اشبنجلر الذي يرى حتمية السقوط، فإن هيجل يرى حتمية التقدم وحتمية استمراره، غير أن هيجل وإن كان يبدو محقا من الناحية الظاهرية المادية للحضارة، فإن روح الحضارة ليست دائما في تقدم، فقد حدثت نكسات كثيرة في حالة العقل، والأخلاق، والفن. كما أن الصيرورة “الديالكتيكية” الجدلية التي جاء بها هيجل -كما يرى المؤلف- قد علمت الناس عبادة القوة، ولعل هذا في رأيي هو منطلق الفكر النازي في ألمانيا، بل إن هيجل نفسه كان ساندا لكل من تغلب على العرش في زمانه، فقد ساند نابليون عندما استولى على ألمانيا، كما أيد الملكية الاقطاعية في عهد فريدريك وليم الثالث. كما أن فكرة هيجل عن الدولة وأنه تمثل الروح الكلي، أدى إلى تولّد الاتجاهات الفاشية ، فهو قد جعل الدولة هي القانون المطلق، وهو بذلك يشرع للدكتاتورية في الحكم. وفي الفصل الثالث: الفكرة المادية عن التاريخ، وتتجلى بشكل واضح في الفلسفة الماركسية، وبالرغم من أن الفكرة المادية كان له سابق وجود على ماركس، فإن ماركس أقامها على النهج الديالكتيكي (الجدلي)، وحدد فروضه بشكل واضح في مجال تفسير التاريخ، وأهم هذه الفروض مايلي:
أ. أن الناس يدخلون مضطرين في علاقات إنتاج ويحدثون ظروفا معينة، هذه الظروف الانتاجية تتفق مع مرحلة معينة من تطور القوى المادية.
ب. أن ظروف الانتاج إذا أخذت ككل، تكون الكيان الاقتصادي للمجتمع، وهذه هي القاعدة المادية التي يقام عليها بنيان القوانين والأنظمة السياسية ويرجع إليها بعض أشكال الوعي السياسي.
ج. ليس وعي الانسان هو الذي يعين أشكالالوجود، بل أشكال الحياة الاقتصادية والاجتماعية هي التي تعين الوعي.
د. بعد أن تبلغ قوى الانتاج مرحلة معينة تصطدم مع الظروف الانتاجية الموجودة، أي مع نظام الانتاج الذي تعمل في ظله.
هـ. إن تاريخ المجتمع منذ وجد حتى الآن هو تاريخ صراع طبقات: حر وعبد، نبيل وعامي، سيد وخادم، رب عمل وصانع، … فالشيء الحاسم في حركة التاريخ هو أسلوب الانتاج. وينتقد المؤلف هذه الفلسفة من جوانب عدة، ومن بينها أن هذه الفلسفة الماركسية المادية بما أنها تعتقد أن الأفكار ولااتجاهات في عصر ما، إنما هي نتيجة مرحلة التطور الاقتصادي التي تم الحصول عليها. ولذلك فلا قانون مطلقاً ولا أخلاق مطلقة في هذا العالم، وإنما هذه كلها انعكاسات لأسلوب الانتاج.

3. التفسير الإسلامي للتاريخ:
وفي الفصل الرابع يبحث المؤلف التفسير الإسلامي للتاريخ، ويقدم رؤية تفسيرية للتاريخ مستلهمة من القرآن والسنة. وإذا كان الفلاسفة الغربيون (على اختلاف آرائهم) قد اتفقوا على (فناء الفرد في المجموع) وأن وجود الفرد وجودا منفصلا قائما بذاته خداع، فإن الاسلام أعطى اعتبارا خاصة للفرد وللمجموع معاً. فالإنسان في النظرة الإسلامي لا يعتبر مجرد كائن حي، بل إن الإسلام يضعه في منزلة رفيعة هي خلافة الله في الأرض. فأهم ما تقوم عليه النظرة الإسلامية للتاريخ، هو مفهوم خلافة الانسان على هذه الأرض. ويورد المؤلف آيات عديدة من القرآن ليبين بها مفهوم الخلافة، هذا المفهوم الذي يستلزم أن الانسان له الحق في أن يستخدم كل شيء في هذا العالم استخداما كاملاً. وهذا الاستخلاف، كما يستلزم سيادة الانسان على هذه الأرض، فإنه يستلزم خضوع الانسان لإرادة الله الذي استخلفه، فلا يفعل ما يريد، وإنما يستهدي بهداية الذي استخلفه وأعطاه الحرية والشخصية الحرة التي تتحمل مسؤولية الاستخلاف أمام المثل الخلقية العليا. كما أن الله الحكيم العادل قد وضع لهذه الحياة قوانين ، فارتقاء الأمم وانهيارها له قوانين، ولم يترك لمشيئة عمياء.

4. مبادئ التفسير الإسلامي للتاريخ:
ويرى المؤلف أن هناك مبادئ مهمة تعتبر مقدمات للتفسير الإسلامي للتاريخ، وهذه المبادئ هي:
أ.أن الاسلام لا يعتقد بالخطيئة الأولى أو الخطيئة الأصلية، لذا فالفجور الوراثي والإثم الطبيعي أمران غريبان على الاسلام.
ب. وهذا يؤدي بنا إلى فكرة أخرى وهي أن فكرة النمو الخلقي الحتمي لا وجود لها بين المسلمين، وليس هناك حقبة من التاريخ هي أسمى من حقبة بحكم الحتم، وإنما الانسان حر في الاختيار والسير في طريق الأخلاق أو التراجع والنكوص، لذا فالأفراد والأمم قد يرتقون أو ينحطون حسب ما يتجهون إليه.
ج. وثالثا، يصرح القرآن أن قوانين الله لا يمكن تغييرها، فهي ليست من صنع ظروف المناخ في الدولة، ولا هي ناتجة عن البيئة الاقتصادية ووسائل الانتاج، ولا تختلف من زمن إلى زمن، ولا من مكان إلى مكان. فهي قوانين خلقية عالمية ترجع إلى أن طبيعة الانسان لا تتغير.
د. حوادث الماضي فيها عبرة للناس … وهذا يبين أن الماضي بكل ما فيه من نور مشرق وآلام مبرحة يتكرر متخذا ثوب المستقبل، لذا فإن في حركة التاريخ تكرارا وإعادة.
هـ. السبب الأساسي للتغير في التاريخ: ثم يتناول المؤلف السبب الأساسي للتغيير في التاريخ؟ ويرجع إلى القرآن ليجد الجواب في قوله تعالى: “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”. وهذا معناه -حسب المؤلف- أن عامل التغيير هو الدفعة الداخلية، أي الروح التي بداخل الانسان. إنها الفكرة (الملة) التي تمنح الإنسان رؤية تتجاوز حدود حياته اليومية إلى ما بعد حياته.
وفي سبيل تحديد الأسباب التي تؤدي بالأمم في هذا العالم إلى طريق المجد، والأسباب التي تجلب لها الدمار. ولعل أهم هذه الأسباب هي؛ العدل والخير، والعقيدة والمثل الأعلى، والصدق الذي هو أساس العلاقات الاجتماعية، والإخلاص إذ بونه ينهار البناء الاجتماعي، ثم الشجاعة، والتواصي بالحق، والصبر والتحمل. ولقد أورد المؤلف أمثلة عديدة عن حضور هذه القيم وما أثرت به في الدفع بالحضارة إلى الأمام، وفي غيابها وما تسبب فيه من دمار الحضارات. أما أسباب السقوط أو الانهيار فهي: الاستغراق في غرائز التملك، واستنفاد الطاقة الخلقية عند الانغماس في الملذات والشهوات، والترف.

ملاحظات ختامية:
في ختام عرض هذا الكتاب ومناقشة أفكاره، أود أن أسجل بعض الملاحظات عن إطاره النظري وأدواته التحليلية، وعن محتواه.
أولا: فيما يتعلق بالإطار النظري، فإن الكاتب ينطلق من مرتكز إقبالي (نسبة إلى إقبال)، فما من فكرة يناقشها إلا ويأتي بقول لإقبال يستند عليه، ومعروف أن إقبال ينطلق من مبدأ ان الانسان هو مرتكز التغيير، وأن الذات الإنسانية هي مجال حركة التغير، أي أن الذات الانسانية هي التي تحرك التاريخ.
ثانيا: كما أن المؤلف بالرغم مناقشته لموضوع مهم، ومحاولته تقديم رؤية إسلامية لتفسير التاريخ، فإنه لم يوسع من إطاره النظري، حيث حسر نفسه في فكر إقبال فقط، ولم يستحضر كل الفكر الإسلامي في هذا المجال من فلسفة التاريخ، إذ أننا لم نجد ذكرا لابن خلدون، ولا للمؤرخين أو الفلاسفة المسلمين الذين أسهموا في هذا الميدان. بل إن الكاتب يبدو عليه الاطلاع على الفكر الغربي أكثر من اطلاعه على الفكر الإسلامي في مجال التاريخ وفلسفة التاريخ.
ثالثاً: مرة أخرى يبدو تأثير إقبال على الإطار النظري للمؤلف، إذ يرى أن فلسفة التاريخ الإسلامية هي تفسير التاريخ المعنوي، أو الروحي، لأنها ترى الانسان كائنا معنويا، ومعلوم أن إقبال من خلال كتابه (تجديد الفكر الديني) قد ذهب إلى هذا الرأي، وكما يثبته المؤلف نفسه.
رابعاً: في مناقشته لأهم اتجاهات تفسير التاريخ، فإنه يخلط نوعا ما بين اشبنجلر وتوينبي، إذ يجعلهما في منظور واحد هو الرؤية الإحيائية، ثم يفصل بينهما دون أن يميز بدقة، كما أن التفسير الذي ذهب إليه اشبنجلر قد يلتقي مع ما ذهب إليه ابن خلدون في بعض جوانبه، لكن المؤلف لم يعن بالمقارنة أو التحليل في هذا الجانب، بقدر ما ركز على مناقشة اشبنجلر وحده.
خامساً: ثم إن هذه النظرات الأربعة في تفسير التاريخ لا تدل بدقة على أهم اتجاهات تفسر التاريخ، إذ هناك مدارس أخرى لم يتطرق إليها المؤلف، كالمدرسة الكلاسيكية المسيحية، مثلا، أو مدرسة الظاهرة الدورية، التي ترى في أن حركة الحضارة تتداولها فترات قوة وفترات ضعف، ومن القائلين بذلك ابن خلدون ومالك بن نبي وتوينبي، غير أنهم يختلفون في كيفية وأسباب واتجاه هذه الحركة الدورية.
سادساً: أطال المؤلف في انتقاد أدوات التحليل عند اشبنجلر، وكذلك عند هيجل وماركس، غير أنه لما جاء إلى الأدوات التي يفسر بها التاريخ من وجهة إسلامية لم يبين ذلك بقوة، حيث أنه أشار إلى التطور المعنوي، وكذلك الانسان باعتباره الأداة الأولى لتفسير التاريخ، والمثل الأعلى، ولكنه لم يجعل منها أدوات واضحة في نسق مترابط، ولم يبين أهي مفاهيم أم أدوات تحليل(Concepts or Units and tools of Analysis)، كما أنه لم يبين بشكل واضح كيف تعمل هذه المفاهيم فيما بينها في تشكل رؤية تفسيرية للتاريخ.
سابعاً: يفرق المؤلف بين الحضارة والمدنية، حيث يرى من الحضارة أنها تشكل الروح والجوهر، بينما المدنية هي ذلك الانتاج والجانب المادي الظاهري للحضارة، وأن الحضارة تقوم على أساس الفكرة، لا على أساس تكديس المنتجات المادية، وهو في هذا الرأي يقترب من المفهوم الذي قال به ابن نبي من أن بناء الحضارة يقوم على الأفكار التي تدخل بالانسان مجال التاريخ، أما تكديس أشياء الحضارة فإنه ليس علامة على التحضر، إذ هناك فرق بين إنجاز حضارة وبين تكديس أشيائها ومنتجاتها.

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أين النخبة التي تبني الحضارة؟

لقد قضى العالم الإسلامي وقتا طويلا من عمره الحضاري باحثا عن نقطة بداية لإعادة بناء حضارته من جديد، وإعطاء نفسه الحضاري دفعة تخرجه من حالة التراوح والتبطل التي استنفدت قدراته في جهود مضنية. وكان لمالك بن نبي –عليه رحمة الله- رأي في مسألة التخلف الحضاري الشامل التي يعانيها العالم الإسلامي، ورأى منذ الأربعينات من القرن الماضي أن العالم الإسلامي يهدر طاقته في حل مشكلات جزئية متغاضيا عن المشكلة الكلية التي تحتوي كل تلك المشكلات، ألا وهي مشكلة الحضارة. ورأى أيضا أنه طالما أن العالم الإسلامي يفتقد إلى الرؤية الواضحة لما يريد أن يقوم به فإنه لن يتمكن من صياغة مشروع للنهضة أو الخروج من التخلف، ولن يتمكن من تحديد وجهته ولا بناء منهج لبناء الحضارة، وذلك في تصوره راجع إلى أن “الرؤية تحدد المنهج والوجهة”. وبعبارة أخرى، فإن تصورنا لمشكلة العالم الإسلامي تصور جزئي ومفكك، ولذلك فإن فهمنا للمشكلة فهم جزئي وعقيم لأنه لا يحيط بكل أبعاد المشكلة، ولذلك فإن الحلول التي طُرحت كلها حلول جزئية، إن اهتمت بجانب أغفلت –عن قصد أو غير قصد- جوانب أخرى لا تقل أهمية عن الجانب الذي أولته اهتمامها. فأنتجت هذه التصورات الجزئية رؤى متناقضة ومشوهة وقاصرة في أغلب الأحوال، وغير قادرة على صياغة منهج لحل المشكلة الأم ولا لحل المشكلات الجزئية المتراكمة.
ولذلك فإن أسئلة كثيرة تطرح نفسها بقوة على كل متامل في ما نحن فيه من تردٍّ وتهلهل وتخلف شامل في العالم الإسلامي؛ فلما ذا لم نستطع امتلاك هذه الرؤية المتكاملة لمشكلتنا في العالم الإسلامي؟ ولماذا لم نستطع بناء منهج قادر على الخروج بنا من المحنة التي نحن فيها؟ لعل هذا النوع من الأسئلة تراود كل من اهتم بأمر المسلمين وسعى إلى المساهمة في فك خيوط الأزمة التي أحكمت. ولا شك أن كثيرا من الإجابات راودت كل من طرح هذه الأسئلة على نفسه. وفي تصوري، فإن الإجابة عن الأسئلة السابقة يمر حتما بالإجابة عن سؤال أو أسئلة أخرى تتعلق بمن يتولى صياغة الرؤى الحضارية، ومن يقوم على بناء مناهج التغيير؟ هل هم عامة الناس؟ أم هم النخبة من المجتمع؟ وإذا استقرأنا التاريخ؛ تاريخ التغيرات الكبرى في تاريخ المجتمعات رأينا أن هناك دائما “فرقة” تقوم بالمبادرة بحمل لواء التغيير، وتتبنى الأفكار والمشاريع والبرامج الجديدة التي تسوغ على وفقها نمطا جديدا للتفكير وصورة جديدة عن العالم، وبالتالي منهجا جديدا لمعالجة الأمور. ولنا في الأنبياء وأتباعهم أسوة حسنة، ولنا في تاريخ النبوات، وتاريخ الأفكار الكبرى، والأمم التي تعاقبت الريادة الحضارية في العالم، والمجتمعات التي سادت ثم بادت. لنا في كل هؤلاء خير دليل على أن هناك “نفر” من كل “فرقة” يقومون بتغيير “القوم” وبصياغة منهج جديد للحياة. ولذلك فإن مسألة القيادة التي هي النخبة أو النفر أو الفرقة التي تتولى شؤون القوم وإنذارهم وإبلاغهم وقيادتهم بالتعبير القرآني هي المسألة المركزية في صياغة الرؤية والتصور الكلي الشامل من أجل أن تتبنى منهجا يخرج قومها من ظلمات الفوضى إلى نور المنهج الواضح الأسس البيّن الخطوات من أجل تحقيق مبادئ النخبة والمجتمع في أرض الواقع. وفي هذا السياق فإن المشكلة في تصوري تتعلق بنمط القيادة التي تقود عملية التغيير الحضاري، ومدى وعيها واستيعابها للمعطيات المختلفة للواقع المعاصر ولما يتطلبه القيام بمشروع بناء الحضارة من جديد من وضوح للرؤية وتوفر منهج شمولي متكامل للتغيير. والحديث هنا يتجه أساساً إلى العلماء والمجتهدين والمثقفين، إلى النخبة التي تقود المجتمعات الإسلامية، ومدى قدرة هذه القيادات على قيادة مشروع بناء الحضارة الإسلامية من جديد، إن نظريا أو عمليا. ذلك أن مستقبل العالم الإسلامي يناط بالقيادة التي تمتلك القدرة على شق الطريق اليبس في بحر الأزمة الخانق، وأن تكون قادرة –في رأي الجماهير من الناس- على فعل المعجزات التي تحول مسار التاريخ في لحظاته المدلهمة، وتنير الدرب بفعل تجاوزها ليوميات الأحداث، من خلال قدرتها على استشراف المستقبل، ورسم مسارات العمل المستقبلي، والحد من الخسائر، وتحفظ المحتوى العقائدي لما تحمله من أفكار، حتى لا يفرغ من محتواه أو يحوّر أو يبدل. غير أن مؤسساتنا بكل تنوعها؛ الدعوية والسياسية والثقافية والعلمية والاجتماعية وغيرها، غير قادرة اليوم أن تواكب نمط التحولات السريعة والهائلة التي تحدث بفعل عصر العولمة الذي نعيشه، ولذلك فهي غير قادرة على صياغة المجتمع وفق التطلعات التي تؤمن بها. كما أن النخبة بمختلف طبقاتها اليوم في عالمنا الإسلامي غير قادرة على أن تحمل في وعيها آمال الجماهير وغير قادرة على توجيه هذه الجماهير أيضا. بل إن هذه النخبة التي من المفترض فيها أن تكون هي المعبر عن آمال وتطلعات الناس من جهة، وأن تكون هي مجسات الوعي من جهة أخرى قد انغلقت على نفسها، ولم تعد قادرة على متابعة التغيرات والأحداث الكبرى التي تجري في عالم اليوم. ولذلك فإن النخبة في العالم الإسلامي اليوم مدعوة إلى مراجعات جوهرية لكل الأطروحات التي تتداةلها منذ أمد، وعلى مختلف الأصعدة، ومن كل الأطراف. وعلى النخبة أيضا أن تعيد ترتيب أولوياتها ووضع خط فاصل وواضح بين القيم المبدئية التي لا يمكن أن تتغير وبين المواقف والخطوات الإجرائية التي يمكن التراجع عنها أو تغييرها أو تطويرها أو تجاوزها إلى ما هو أكثر نضجا ونجاحاً وقابلية لتحقيق مقاصد القيم الأصلية المبدئية وتحقيق مصالح الأمة.
وعليه فإن النخبة مطلوب منها اليوم ان تعيد تشكيل مواقفها وفق المبادئ الكبرى للأمة بشكل واضح وصريح ومؤسس ومنهجي، وأن لا تلجأ إلى التلفيق بين المفاهيم، ولا التركيب المشوه بين مختلف المقولات والتصورات. كما ان على النخبة أن تعيد النظر في مفاهيمها التقليدية الموروثة شواء من تراثنا الإسلامي أو من التراث الحضاري للأمم الأخرى، ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة والبرهان العلمي والحوار المنفتح على الآخر، القابل للحقيقة مهما كان مصدرها، خاصة إذا علمنا أن الإسلام لا يُخشى عليه من أي فكرة أخرى، بل إن الإسلام ذاته ما هو إلا رسالة لإتمام المكارم التي بين الناس. ومن هذا المنطلق، فإن النخبة يكون أمامها مجال فسيح للاجتهاد المحتكم إلى القيم الثابة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، تسترشد بعد ذلك بما استقر من صالح الكسب البشري من فكر وثقافة وحضارة شحذتها وهذبتها الخبرة الانسانية الطويلة الأمد. وعليه، لا نكون في اجتهادنا أمام خطر الانحراف عن القيم الكلية الثابتة لأن القرآن مصدِّق ومهيمن على كل تجربة أو فكرة، ولا نكون أيضا أمام خطر التخلف عن مواكبة الأحداث، لأن الانفتاح على مختلف التجارب يذكي الخبرة وحس الخطأ والصواب لدى الأمة، ويقوي مجسات التحقق من صلاح التجارب على اختلاف مصادرها ومدى مواءمتها لمختلف المشكلات التي تهدف النخبة لحلها. ونختم حديثنا هذا بالتأكيد على أن سلوك نهج الحضارة، والعمل على بعث الحضارة الإسلامية من جديد، والتمكين للإسلام والمسلمين لن يتحقق طالما بقيت النخبة في العالم الإسلامي غير قادرة على بناء رؤية واضحة من خلالها تستطيع تحديد القيم والمبادئ الكلية وتحديد المنهج ذي الإجراءات العملية لتحقيق مقاصد هذه القيم في دنيا الناس.