مقاصد الشريعة تحقق أخلاقية الرؤية الإسلامية

ينتاب كثيرا من المشتغلين بالعلم الشرعي ريبة وشك وتردد في القول بالمقاصد والعمل بها وإعمالها، ظنا منهم أنها هروب من الالتزام بأحكام الشرع الفرعية، ومدخل إلى التمييع والتسيب في تطبيق الأحكام الشرعية. وهذا لعمري حكم فيه مغالطة لأنه مبني عن سوء فهم لمقاصد الشريعة، أو هيمنة للفهم الحداثي العلماني للإسلام، أو أنه فقدان للتصور الصحيح لعلم المقاصد، وأهميته في تحقيق تكامل أحكام الشريعة في حياة المسلم، وترتيبها في كليات وجزئيات تابعة لها.

خاصة في زمننا هذا حيث يتطلب منا تشكيل تصور عام وإطار كلي، من خلاله نتصرف تصرفا شرعيا، يحقق ذاتيتنا، ويحكم نظرتنا في جزئيات الأمور، بما يحقق الغايات العامة الكلية، ويحفظ إعمال الجزئيات، بما لا يحدث تناقضا في فهمنا وتعاملنا.

ولهذا، فإن على طلبة العلم الشرعي وعلى الدعاة والعاملين للإسلام والمثقفين المسلمين أن يبذلوا جهدا، ولو قليلا، في مدارسة بعض الكتب المتعلقة بعلم المقاصد، لتزويد أنفسهم بفهم صحيح لمقاصد الشريعة، ولتمكين أنفسهم من الخروج من العقل الجزئي والتناقض أو التعارض الذي يجدونه في أذهانهم بين بعض الأحكام، ولتحقيق أخلاقية الرؤية الإسلامية للحياة.

ماهية المقاصد الشرعية
ولو اطلعنا على ما كتبه الشاطبي في «الموافقات» أو ما كتبه ابن عاشور في «مقاصد الشريعة الإسلامية»، فإننا سنجد زادا معرفيا ومنهجيا عظيما قدمه هذا العلم للمسلم اليوم؛ لأن القارئ لهما ولتراثهما العلمي يجد أن مقاصد الشريعة رابط جامع لكل فروع التشريع في جميع المناحي العبادية والعادية والاجتماعية والقضائية وغيرها، فهي لا تخرج عن كلياتها ومقاصدها الثابتة، وهذه الكليات العامة والأهداف الرئيسة للتشريع حاكمة للفروع وليست محكومة بها، ويسير الاجتهاد الفقهي في فلكها ولا تخضع لأفلاك المجتهدين أو الفقهاء.

هذه المقاصد تتجه إلى تحقيق مقصد عام أشار إليه الشاطبي من قبل، ثم ركز عليه ابن عاشور كثيرا. هذا المقصد العام هو الأمة في عمومها، والإنسان خصوصا.

وفي هذا يقول ابن عاشور: «إذا نحن استقرأنا موارد الشريعة الإسلامية الدالة على مقاصدها من التشريع استبان لنا… أن المقصد العام من التشريع فيها حفظ نظام الأمة واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان».

خطاب المقاصد تحول من الفردي والجزئي إلى الاجتماعي والكلي
والتحديد المذكور أعلاه، والمتعلق بالمقصد العام من التشريع، يعد في الحقيقة تحولا مهما في التفكير الفقهي والاجتهادي، لأنه انتقل من التمركز على الفقه الجزئي والفردي إلى التوسع إلى الفقه الاجتماعي والانتباه إلى الشأن العام، وهذا من خلال التأكيد على مفهوم «الأمة» ومفهوم «نوع الإنسان» ومفهوم «الصلاح».

فإذا كان مفهوم «الأمة» يخرجنا من الدائرة الضيقة التي حصر فيها الفقه نفسه قرونا عديدة، فإن مفهوم «الإنسان» ارتفع في مستوى الخطاب إلى مستوى مفهومي واسع هو الإنسان من حيث هو إنسان، وليس مفهوم «المكلف» الذي يوحي بانحسار المفهوم في الدائرة الفقهية.

أما مفهوم «الصلاح» فهو نقل للتفكير الاجتهادي إلى مستوى الخطاب الأخلاقي؛ ذلك أن الصلاح باعتباره موضوعا أخلاقيا يجعل من مقاصد الشريعة علما أخلاقيا، وعليه فإن الهدف العام أو المقصد العام أو الغاية القصوى للدين والتشريع هي غاية أخلاقية بأن يحقق الإنسان الصلاح، أو بعبارة أخرى أن يكون الإنسان كائنا أخلاقيا.

المقاصد إعمال للصلاح ونفي للفساد بمنظور كلي
والرؤية المقاصدية كما يذكر ابن عاشور وعلماء المقاصد تقوم على تحقيق أمرين مهمين ومتلازمين: أولهما تغيير الأحوال الفاسدة وإعلان فاسدها، وهو المشار إليه في قوله تعالى: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة:257)، وفي قوله تعالى: {وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (المائدة: 16).

أما ثانيهما فتقرير أحوال صالحة قد اتبعها الناس، وهي الأحوال المعبر عنها بالمعروف في قوله تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الأعراف: 157)، بل إن القرآن الكريم أنزله الله تعالى كتابا لصلاح أمر الناس كافة رحمة لهم لتبليغهم مراد الله منهم كما يقول ابن عاشور، فقد قال الله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل: 89). فكان المقصد الأعلى منه صلاح الأحوال الفردية والجماعية والعمرانية.

??القول بالمقاصد قول برؤية أخلاقية كلية للشريعة
إن القول بالمقاصد، قول بوجود كليات قيمية كبرى تشكل المحاور الأساس للشريعة الإسلامية، وتجعل منها غايات يسعى النظر الفقهي إلى الاحتكام إليها في سعيه الاجتهادي توجهه إلى غايات عليا، تحقق إنسانية الإنسان.

هذه الغايات في جوهرها مجموعة قيم كلية عامة، وهذا بدوره يجعل من الشريعة ذات طابع أخلاقي، ويجعل من الرؤية الإسلامية رؤية أخلاقية تتغيا أخلقة الإنسان في دوائر وجود الفردية والجماعية والعمرانية الحضارية.

والذي يجعلنا نقول: إن مقولة المقاصد باعتبارها مقولة كلية من مقولات الفكر والتفكير الشرعي ، أنها تؤسس لأخلاقية الرؤية الإسلامية؛ لأن القول بوجود مقاصد عامة للشريعة ينطوي على انطواء الشريعة على كليات كبرى وغايات قصوى تقوم عليها هذه الرؤية.

وتمحور الشريعة ومقاصدها على محور تحقيق المصالح،، ودورانها حول محور صلاح الإنسان يجعلها مقاصد أخلاقية، باعتبار أن أعلى قيمة تحكم الإنسان في الرؤية الإسلامية هي القيمة الأخلاقية. وذلك من جهتين: من جهة أن الشريعة (الدين) ذاتها تصنع الخميرة الأخلاقية للمجتمع بتعبير مالك بن نبي، ومن جهة أن الصلاح مفهوم أخلاقي في أساسه، وأن أخص خصائص الإنسان أخلاقياته كما يذهب إلى ذلك طه عبدالرحمن.

فهل يبقى بعد هذا شك في أهمية المقاصد والنظر المقاصدي كما أسسه علماء الإسلام الأعلام، ومدى حاجة المسلم لهذا الإطار الكلي للنظر الشرعي بما يجعلنا على اقتدار معرفي ومنهجي في إدراك كليات الشريعة والعمل بجزئياتها في انسجام وتكامل؟

http://www.alarab.qa/story/706968/%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%B5%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B1%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%82-%D8%A3%D8%AE%D9%84%D8%A7%D9%82%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9#category_23

التعليقات

التعليقات