«لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ»: تنوع التجربة الدينية واختلافها

الإسلام دين الله الواحد
ذلك أن المتأمل في القرآن الكريم يجد أنه يعتبر الإسلام هو الدين الحق، وهو دين الله الواحد، كما في قوله تعالى: ?إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ? [آل عمران: 19]، و ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ? [التوبة: 33]، و ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا? [الفتح: 28]، و ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ? [الصف: 9].

وهو الدين الذي ارتضاه الله لعباده ?وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا? [المائدة: 3]، وهو الذي لا يقبل سواه دينا ?وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ? [آل عمران: 85].
ويعتبر القرآن الإسلام دين الأنبياء جميعا، أساسه الدعوة إلى توحيد الله، ولذلك هتف به الأنبياء جميعا، وانتسب إليه جميع الموحدين، فهو الذي أمر الله به إبراهيم عليه السلام فاستجاب له طائعا مسلما، واتبعه أبناؤه من بعده يعقوب عليه السلام وبنوه، واتبعه نوح من قبل وكل أنبياء الله.دين الله واحد وتجارب التدين متعددة
إن تصميم القرآن على أن الإسلام هو الدين الحق وأنه دين الله تعالى الذي ارتضاه وأنه دين الأنبياء جميعا، لا يمنع من التسليم بالوجود الفعلي للأديان المختلفة، بمعنى أنه يؤمن بواقعية التعدد الذي لا يريد محوه بالقوة والإكراه؛ لأنه ?لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ? [البقرة: 256]، و ?لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ? [الكافرون: 6].

كذلك فإن في القرآن ذكر لأنواع من التدين، واعتراف القرآن بوجودها التاريخي رغم عدم إقراره لها، وهذا كله يمنح المسلم القدرة على ممارسة النقد لأنواع التدين الأخرى، ويفسح المجال أمام النظر والتأمل في التجربة التاريخية التي تثبت أن هناك تدينات شتى، واختلافات كثيرة في طرائق التدين، وهذا تبعا لحقيقة الاختلاف الواقع بين الناس باعتباره سنة من سنن الله في الوجود الإنساني، ومن هنا كان حديث القرآن الكريم عن الحقوق والواجبات لأهل الأديان الأخرى وبيان السنة المطهرة لها.وقوع الاختلاف بين الناس

والقرآن يؤكد حقيقة قانون الاختلاف في قوله تعالى: ?كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ? [البقرة: 213]، و ?وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ? [هود: 118]، ?وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ? [البقرة: 253]. ولعلنا نستشف من هذه الآيات أن الاختلاف قانون إنساني في مختلف أبعاده الفكرية والاجتماعية والدينية وغيرها، «فأخبر سبحانه أنهم لا يزالون مختلفين أبدا» كما يقول الشاطبي.

وذهب أكثر المفسرين إلى أن الآيات تتحدث عن واقع إنساني لا تنفك عنه الإنسانية منذ أن أوجدها الله تعالى وحدث بينها الاختلاف، ولا يزال، كما ذهب إلى ذلك القرطبي. أما الطبري فيرى أنه لا يزال الخِلْف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. في حين يذهب ابن كثير إلى أن الله تعالى يخبرنا أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة، من إيمان أو كفران، ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم. ويرى الرازي أن المراد افتراق الناس في الأديان والأخلاق والأفعال، كما يؤكد ذلك ابن عاشور بقوله: «إن جعلهم أمة واحدة في الدين منتفية، أي منتف دوامها على الوحدة في الدين وإن كانوا قد وجدوا في أول النشأة متفقين فلم يلبثوا حتى طرأ الاختلاف».

فالقرآن من جهة يؤكد على أن دين الله واحد، وأنه دين الأنبياء جميعا، ومن جهة أخرى فإنه يؤكد أيضا حقيقة الاختلاف الواقع في بين الناس، ولكن باعتبار هذا الاختلاف حقيقة تاريخية واقعة، وليس إقرارا لتلك الاختلافات في صحتها.

ولهذا فإن القرآن يضع منهجية التصديق والهيمنة لتصحيح الاختلافات وتحقيق دخول الناس في إخلاص العبودية لله والاستقامة على دين الحق، ?هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ? [الصف: 9]، ولكن بلا إكراه للناس أن يؤمنوا ?أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ? [يونس: 99]، لأن الله تعالى خلق الإنسان وزوده بالقدرة على الاختيار ?إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا? [الإنسان: 3]، فلا يكره أحد على الإيمان بشيء لأنه ?قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ? [البقرة: 256]، من خلال سلسلة النبوة التي لم تنقطع من أول نبي إلى خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.

قاعدة منهجية: لا إكراه ولا تلفيق

هذا الاختلاف الإنساني في القناعات والآراء والديانات يعترف القرآن بوجوده حقيقة في الواقع، بغض النظر عن أن هذا الاختلاف محمود أو مذموم، ولهذا فإن القرآن يضع قاعدة مهمة في شأن التعامل مع الاختلاف الديني وهي عدم الإكراه.

فإذا كان القرآن وضع قاعدة التصديق والهيمنة، فإنه وضع أيضا قاعدة منهجية هي عدم الإكراه في الدين، لأن الدين يبنى على الاقتناع والحقيقة وليس على الإكراه أو المجاملة ?لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ? [البقرة: 256].

وهذا ما يفسح المجال للتعددية الدينية أمام الناس والتعايش بينهم، دون تلفيق بين الأديان، ودون محاولة دمج أحدها في الآخر، أو إكراه اتباع أحدها على تبني ما لم يقتنعوا به، ويوم القيامة يتحملون مسؤوليتهم أمام الله ?إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ? [المائدة: 105].

http://www.alarab.qa/story/682790/%D9%84%D8%A7-%D8%A5%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%87-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86-%D8%AA%D9%86%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AC%D8%B1%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%8A%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%84%D8%A7%D9%81%D9%87%D8%A7#category_23

التعليقات

التعليقات