شعوبنا بين الدواء والمخدر

بدران بن لحسن
نشرة بجريدة العرب القطرية بتاريخ 19 أغسطس 2016
جرى العرف والعادة أن أغلب الأدوية طعمها ليس مستساغا، ورغم ذلك فإن الناس يقبلون على تناول الدواء مهما كان مذاقه إذا كان تشخيص الطبيب للمرض أوصله لوصف ذلك الدواء ليعالج به المريض مرضه، ويكون المريض راض بتناول الدواء لثقته في أن الطبيب حين وصف له ذلك الدواء المر فهو لمصلحته، لأن الطبيب خبير وثقة يجب إعمال وصفته التي وصفها.
بينما جرت العادة أن الناس تستنكر تناول المخدرات، لأنها تؤدي إلى هلاك صاحبها أو ذهاب عقله ووقوعه في الإدمان الذي يجعله أسير عادات سيئة، ويفقد فيها تحكمه في شخصيته ويفقد مركزه الاجتماعي، ويصاب بحالات نفسية مرضية، وتنهار قيمته الأخلاقية، ويفقد وظيفته أو عمله، ويفلس ماله إن كان له مال، رغم أن أغلب المخدرات تكون في صيغة محببة كما يقول العارفون بها، ويروج لها بطريقة تجعلها مغرية، ولهذا لا يثق أكثر الناس بمن يروج للمخدرات، ولا يغتر بها، ولا يتناولها، لعلمه بمآلاتها الوخيمة عليه وعلى أسرته ومجتمعه في مختلف أبعاد وجوده.
إذا كان هذا يصح بشأن الدواء الموجه للأبدان، والمخدرات المفسدة للعقل والبدن، فماذا نقول عما يتعلق بالفكر والروح والمجتمعات والشعوب التي تتعرض أيضا لأمراض، وتحتاج لأطباء يشخصون أمراضها، ويصفون العلاج لأمراضها الدينية، والسياسية، والفكرية، والثقافية، والنفسية، والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.
فإن شاء خبراء هذه الشعوب ونخبتها وقادتها أن يشخصوا أمراضها ويصفوا لها العلاج فذلك ما سيساعد في علاج مشكلاتنا، وإن اكتفى الأطباء بتمجيد ماضيها، ومدح واقعها، وملء صفحات حاضرها بالشعارات المنومة التي تجعل الشعوب تنتشي وتدخل في سبات عميق يخالف حقيقة الواقع، فتلك مصيبة كبيرة، لأن الشعوب إذا انتبهت ووجدت أنها ترزح تحت التخلف، وغارقة في مشاكل متراكبة ومتراكمة، فسيكون من الصعب علاجها، لأنها صارت مدمنة على التخلف، آلفة له، راضية به.
واقع نخبنا مع شعوبهم
والواقع أن نخبتنا اليوم تجامل الشعوب حتى تنال مكاسب آنية من جاه ومنصب ومكانة بين قومها، في خيانة واضحة لمبدأ المناصحة، ولما تقتضيه مكانة المثقف والنخبة في المجتمعات، ذلك أن المثقفين والنخبة وقادة المجتمع هم «المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله» كما جاء في الحديث، لأنها قلب المجتمع.
بل هي ذلك المحول الذي يحول الطاقات الكامنة إلى طاقات متحركة تدفع الشعوب والمجتمعات نحو النهضة والإنجاز والتنمية، أو كما قال الأستاذ مالك بن نبي عليه رحمة الله متحدثا عن دور النخبة المثقفة في مجتمعاتنا المسلمة، حيث قال: «إن وظيفة المثقف المسلم تجاه مجتمعه هي مثل وظيفة المحول، يمكن تحويل طاقة كامنة في القرآن ويبعثها في النفوس في المجتمع».
فالمطلوب من المثقف أن لا يكون مخدرا لمجتمعه، بل مطلوب منه أن يكون مصدرا لتحويل تلك الطاقات الكامنة في دين المجتمع وتاريخه وعاداته وثقافته إلى طاقة محركة للنفوس وللمجتمع، عن طريق تشخيص حاله وتمييز الحالات الصحية من الحالات المرضية، ووصف العلاجات المناسبة، مهما كانت قاسية، بل قد يضطر المثقف أو النخبة إلى عمليات جراحية بالغة التعقيد تستأصل ثقافة التخلف وتزرع ثقافة النهضة، وتقوم بإزالة معوقات النهضة وبناء التحول النفسي والفكري والثقافي الذي يهيئ هذه المجتمعات لتنطلق منجزة نهضتها، متحملة ما يقتضيه ذلك من معاناة وتضحية وضريبة عالية لتحقيق التفوق والنهوض الحضاري.
تجارب أمم
ولنا في شعوب كثيرة في العالم أسوة، فقد كان مثقفوها روادا لها في تشخيص أمراضها، ووصف علاجها، والخروج بها من أمراض التخلف الكثيرة، من خلال الصراحة مع شعوبهم، وعدم مجاملتهم، وعدم الوقع تحت أوهام المنصب أو الرضا بالجاه أو ثقافة العناوين والشهادات، وإذا ما ألقينا النظرة على التجربة اليابانية فسنجد خير مثال، حيث انطلقت في «العهد الميجي» في الوقت الذي انطلقت فيه جهود النهضة في مصر في القرن التاسع عشر، لكن النخبة اليابانية أنجزت ما لم تنجزه النخبة في مصر، وقد استفادت التجربة الكورية الجنوبية من مثيلتها في اليابان، ذلك أن النخبة الكورية اعتمدت على مصارحة شعبها بحالته بعد خروج كوريا من الحرب في الخمسينيات من القرن العشرين، ناهيك مما حققته الصين التي تحولت خلال 60 سنة من بلد محتل إلى بلد ينافس الاقتصادات الكبرى بفعل جهود «ماوتسي تونج» والنخبة الصينية التي كانت حازمة في تعاملها مع مجتمعها لتحمله على النهضة.
ولعل التجربة الماليزية هي الوحيدة من كل التجارب المسلمة التي حققت نجاحا بفضل سياسات مهاتير محمد الذي دأب على مصارحة شعبه حول أمراض تخلفه دون مجاملة، مما جعله يقطع شوطا كبيرا في الخروج بماليزيا من التخلف.
فمتى نصارح شعوبنا العربية بأمراضها، ونصارح مثقفينا بأمراضهم، بدل الإصرار على الضحك على أنفسنا، والبقاء أذلة بين الأمم؟! الصراحة مؤلمة ومرة، وهذا شأن الدواء، فهو مر لكنه يعالج، أما المجاملة والمديح فحلو ممتع لكنه مخدر، يجعلك تنتشي وأنت في الحضيض تكاد تهلك، لذا علينا أن نتوقف عن ترويج المخدرات الفكرية والدينية والثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية، ونتجه إلى تشخيص أمراضنا بعلمية قائمة على سنن الله المختلفة، وتوصيف العلاجات اللازمة المناسبة.
http://www.alarab.qa/story/944049/%D8%B4%D8%B9%D9%88%D8%A8%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D8%A7%D8%A1-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1#category_23

التعليقات

التعليقات