رأي ابن عاشور في عقيدة التثليث

موجز عن ابن عاشور:
إذا كان الرازي عاش في زمن تطور فيه النظر الفلسفي، وكثرت فيه الردود على الفرق المختلفة، بمنهج المتكلمين الذي اختطه المعتزلة وطوره الأشاعرة، وزاد عليه الرازي حين دمج الكلام بالإلهيات، فإن ابن عاشور عاش في زمن يختلف تماماً عن العصر السابق، وفي جميع مناحيه، سواء في جوانبه السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية، إذ أن زمن ابن عاشور شهد سقوط الخلافة الإسلامية، وبروز ظاهرة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، وما انجر عن ذلك من تمزق ثقافي دام قرابة القرنين، إضافة إلى ركام التخلف الذي تراكم عبر القرون، غير أن ما يميز عصر ابن عاشور أيضا ذلك الجانب المضيء منه؛ والمتمثل في جهود التجديد التي انطلقت على أيدي الأفغاني وعبده وتلاميذهما منذ نهاية القرن الميلادي الماضي، ويعتبر ابن عاشور أحد تلاميذ هذا الخط التجديدي، الذي حاول بعث بذور الوعي في الأمة على مختلف المستويات، فأفرز الاستقلال السياسي، إلا أن الاستقلال الثقافي والحضاري عموما، ما زال مطلبا وأملا تعمل له جهود المخلصين.
في ظروف مثل هذه، وبتأثير عوامل متعددة، نشأ ابن عاشور وتكونت شخصيته، واشتهر بمنهجه الأصولي التجديدي، الذي اتبع فيه خطى الشاطبي، واعتمد فيه على علم المقاصد بديلا منهجيا لقضايا الاجتهاد خلفا للمنهج التقليدي القائم على النظر في الجزئيات دون مراعاة الكليات التي جاءت الشريعة لتحقيقها(1) .
ومن بين أعماله التي تدل على هذا، تفسيره المسمى (التحرير والتنوير) الذي ألفه في خمسين عام (2)، وكذا كتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، و(أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، وغيرها من المؤلفات التي تبين عن شخصية ذات إطلاع واسع، واهتمامات متنوعة في مجال العربية والفقه والأصول والكلام والاجتماع وغيرها.
كما أنه تولى مناصب إدارية متعددة، ووصل إلى مرتبة المفتي المالكي في تونس، وإمام الجامع الأعظم (الزيتونة)، وباشر خطط إصلاح متعددة تناولت مناهج التربية في الزيتونة وفي غيرها من بلاد الإسلام، كما تناولت مناهج تفسير القرآن، والنظر الأصولي. مما يمكن الخلوص منه إلى القول أن ابن عاشور كان يجمع بين العلم والعمل، فهو شخصية علمية واجتماعية.
منهج ابن عاشور في الرد على اعتقادات النصارى:
كما سبق عند الحديث عن الرازي ومنهجه في الرد على اعتقادات النصارى، وتفسيره للآيات المتعلقة بذلك، فإن الحديث عن منهج ابن عاشور في الرد على هذه الاعتقادات يستلزم النظر في الآيات التي تتعلق بالموضوع وكيفية تفسيره لها، وما استخرج منها من أدلة وردود، وهي كما يلي:
أولاً: قوله تعالى: “إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين” [آل عمران: 59-60]، من هاتين الآيتين يرى ابن عاشور أن فيهما بيان ما به نشأ التوهم عند النصارى “عن وصف عيسى بأنه كلمة الله فضلوا بتوهمهم أنه ليس خالص الناسوت” (3). وذلك بقولهم أنه نشأ عن اتحاد اللاهوت بالناسوت، فهو له طبيعة إلهية، ولهذا يتجه ابن عاشور إلى إبطال هذه الألوهية، وذلك كما يلي؛
1. التمثيل بين آدم وعيسى: فالنصارى “قالوا بإلهية عيسى من أجل أنه خلق بكلمة من الله وليس له أب، فقالوا هو ابن الله، فأراهم الله أن آدم أولى بأن يدعى له ذلك، فإذا لم يكن آدم إلهاً مع أنه خلق بدون أبوين فعيسى أولى بالمخلوقية من آدم” (4)، ومحل التمثيل كما يرى ابن عاشور هو أن كليهما خلق من غير أب، ويزيد آدم بكونه خلق من دون أم.
2. الخلق متعلق بـ(كن): فسواء آدم الذي خلق من تراب، أو عيسى الذي خلق من دون أب، فإن كليهما خلق بكلمة (كن)، وذلك “لتعلق القدرة بتكوينه حيا ذا روح ليعلم السامعون أن التكوين ليس بصنع يد، ولا نحت بآلة، ولكنه بإرادة وتعلق قدرة وتسخير الكائنات التي لها أثر في تكوين المراد”(5).
ثانياً: قوله تعالى: “يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه” [النساء:171]، ينطلق ابن عاشور من هذه الآية للتأكيد على أن الانحراف في اعتقادات النصارى سببه الغلو، إذ أنهم “غلوا في تعظيم عيسى، فادعوا بنوته لله، وجعلوه ثالث الآلهة” (6)، ونرى ابن عاشور يستعمل أساليب العربية في محاجة النصارى، والرد على معتقداتهم، وهو في ذلك يبدو شاطبي المنهج، إذ أن خلفيته المقاصدية الأصولية وجهته إلى اعتماد أساليب العربية محورا لتفسير القرآن، كما هو شيخه الشاطبي، ويذهب ابن عاشور من هذه الآية إلى الحديث عن صفات عيسى، والأقانيم، والعبودية، والتطور التاريخي للتثليث، وغيرها كما يلي؛
1. صفات عيسى الرسول: فقوله تعالى: “إنما المسيح عيسى ابن مريم” فهذه “الجملة أفادت قصر المسيح على صفات ثلاث: صفة الرسالة، وصفة كونه كلمة الله ألقيت إلى مريم، وصفة كونه روحا من عند الله”(7)، فالقصر قصر موصوف على صفة، والقصد من هذا القصر كما يرى ابن عاشور هو إبطال ما أحدثه غلوهم في هذه الصفات حتى أخرجوها عن حقيقتها. والقرآن لم ينكر الصفات التي ادعاها النصارى لعيسى، وهي أنه رسول وأنه كلمة من الله وروح منه، وإنما أنكر ما ذهبوا إليه من غلوا، فحولوا الرسالة إلى بنوة، وجعلوا الكلمة اتحاد اللاهوت بالناسوت، وجعلوا معنى الروح على أن عيسى ذو طبيعة إلهية. كما أن “هذا القصر قصر إضافي، وهو قصر إفراد، أي أن عيسى مقصور على صفة الرسالة والكلمة والروح، لا يتجاوز ذلك إلى ما يزاد على تلك الصفات من كون المسيح ابنا لله واتحاد الإلهية به وكون مريم صاحبة” (8).
2. تفسير الكلمة: في تفسيره لمعنى (الكلمة) فإن ابن عاشور يرجع إلى الأناجيل، مثل إنجيل يوحنا، الذي فيه “في البدء كان الكلمة …”، ثم يبين ابن عاشور أن القرآن حكى هذا، مما يدل على أن هذا من الكلمات الإنجيلية، ومعناه أثر كلمة الله، والكلمة هي التكوين، وهو المعبر عنه في الاصطلاح بـ(كن)، فإطلاق الكلمة على التكوين مجاز، وليس هو بكلمة، ولكنه تعلق القدرة (9).
3. معنى الروح: أما الروح فإن ابن عاشور يرجع إلى العربية وإلى الأناجيل أيضا لتحديد معناها. فمن وجهة اللغة العربية، فإن الروح بمعنى النفخة، والعرب تسمي النفس روحا والنفخ روحا، أما الأناجيل -فكما يقول- فقد طفحت بذكر هذا اللقب لعيسى بأنه روح منه (10). ويتساءل ابن عاشور: ما السر أو الحكمة في إيراد القرآن لهذين الوصفين (الكلمة والروح) على ما فيهما من شبهة ضلت بها النصارى؟ ويجيب عن ذلك بأن هذين الوصفين وقعا في الإنجيل أو في كلام الحواريين وصفا لعيسى عليه السلام، وكانا مفهومين في لغة المخاطبين يومئذ، غير أنه مع الزمن وقع التحريف في فهمهما، والقرآن بذكرهما يؤكد بأنهما لا يؤديان إلى القول بأن عيسى ابن الله أو أن الله حل فيه، ولكن النصارى بضلالهم غلوا في التأويل، وغيروا المعاني (11).
ثالثاً: قوله تعالى: “فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا” [النساء: 172]. وفي تفسيره لهذه الآية يذهب ابن عاشور إلى نقض التثليث ومناقشة النصارى في المفاهيم المختلفة التي أعطوها للتثليث.
1. معاني التثليث: ويرى أن “التثليث أصل في عقيدة النصارى كلهم، ولكنهم مختلفون في كيفيته” (12)، ولذلك جاء في القرآن “ثلاثة” في صيغة خبر مبتدأ محذوف ليصلح لكل ما يصلح تقديره من مذاهبهم في التثليث، سواء أن الآلهة ثلاثة {لقد كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة}، أو أن عيسى وأمه إلهين مع الله {أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله}، فالمجموع ثلاثة: “كل واحد منهم إله، ولكنهم يقولون: إن مجموع الثلاثة إله واحد أو اتحدت الثلاثة فصار إلها واحدا” (13)، فمعاني التثليث إذن مختلفة، فمنهم من يرى أن هناك ثلاثة آلهة، ومنهم من يرى أن الثلاثة إله واحد، ومنهم من يرى أن الله جوهر واحد بثلاثة أقانيم.
2. تطور التثليث: يرى ابن عاشور التأثير اليوناني على مفهوم التثليث، حيث أنه نشأ من اعتقاد قدماء الإلهيين من نصارى اليونان أن الله تعالى (ثالوث)، أي أنه جوهر واحد، وهذا الجوهر مجموع في ثلاثة أقانيم … أقنوم الأب (الوجود أو الذات)، وأقنوم الابن (العلم)، وأقنوم الروح القدس (الحياة). فأقنوم الذات هو أصل الموجودات، ومن أقنوم العلم كان تدبير القوى العقلية، ومن أقنوم الحياة كان إيجاد عالم المحسوسات (14)، غير أن ذكر ثلاث صفات وإهمال الباقي على تقدير اعتبارهم لها صفات، يؤدي إلى التشابه مع ما كان يقول به الأفلاطونيون الجدد من فكرة التولد والفيض، إذ وكأن الأقنومين الآخرين فيض من الأقنوم الأول.
ثم أن النصارى -كما يرى ابن عاشور- فسروا هذه الصفات تفسيرات أخرى، إذ سموا أقنوم العلم بالكلمة باعتبار أن الأناجيل أطلقت لفظ الكلمة على المسيح، فأرادوا أن المسيح مظهر علم الله، غير أنهم زادوا غلواًّ “فتوهموا أن علم الله اتحد بالمسيح فقالوا: أن المسيح صار ناسوته لاهوتا، باتحاد أقنوم العلم به، فالمسيح جوهران وأقنوم واحد، ثم نشأت فيهم عقيدة الحلول. أي حلول الله في المسيح بعبارات متنوعة، ثم اعتقدوا اتحاد الله بالمسيح، فقالوا: الله هو المسيح” (15).كما أن ابن عاشور يورد الصراع الذي حدث بين دعاة التوحيد (آريوس) وأتباعه، وبين دعاة التثليث خلال القرن الرابع الميلادي، ثم مؤتمر نيقية الذي جمع فيه قسطنطين الرهبان، وأصدروا قانون الإيمان المسيحي الذي قرر: “أن كلمة الله اتحدت بجسد عيسى، وتقمصت ناسوته؛ أي إنسانيته، فصارت الكلمة ذاتا في بطن مريم، وصارت تلك الذات ابنا لله تعالى، فالإله مجموع ثلاثة أشياء: الأول الأب ذو الوجود، والثاني الابن ذو الكلمة، أي العلم، والثالث روح القدس” (16).
بعد ذلك تطورت النصرانية وتشعبت إلى فرق اليعقوبية وهم الأرثوذكس الآن، والنسطورية، والجاثلقية وهم الكاثوليك (17)، بناء على اختلاف مذاهبهم في التثليث، مع اتفاقهم بالقول به.
3. نقض البنوة: ينطلق من قوله تعالى: “سبحانه أن يكون له ولد”، لنقض شبهة النصارى في أن المسيح ابن لله، “فالبنوة منتفاة، لاستحالة الفناء، والاحتياج، والانفصال، والمماثلة للمخلوقات عن الله تعالى. والبنوة تستلزم هذه المستحيلات لأن النسل قانون كوني للموجودات لحكمة استبقاء النوع، والناس يطلبونها لذلك، وللإعانة على لوازم الحياة، وفيها انفصال المولود عن أبيه، وفيها أن الابن مماثل لأبيه فأبوه مماثل له لا محالة” (18).
وهذا الدليل الذي تحدثنا عنه عند الرازي؛ وهو دليل الكمال وعدم العجز، ودليل عدم المجانسة، كما أن ابن عاشور يوظف مفهوما آخر في نقض هذا الاعتقاد، وهو مفهوم السنن الكونية، التي تحكم المخلوقات كلها، كما أنه جعل من مقاصد البنوة بقاء النوع أو ما يسمى بلغة علم المقاصد كلية حفظ النسل التي هي من المقاصد الضرورية.
رابعاً: قوله تعالى: “لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إذا أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعاً ولله ملك السموات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير” [المائدة: 17]، وقوله تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرّم عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد..} [المائدة: 72-74].في هذه الآيات رد لادعاء النصارى بألوهية المسيح، وذلك أنهم “جعلوا حقيقة الإله الحق المعلوم متحدة بحقيقة عيسى -عليه السلام- بمنزلة اتحاد الاسمين للمسمى الواحد، ومرادهم امتزاج الحقيقة الإلهية في ذات عيسى” (19). وفي سبيل إثبات فساد هذه المقولة وانصرافها إلى معنى الحلول والاتحاد، فإن ابن عاشور يرجع في ذلك إلى العربية وإلى صلة المسند بالمسند إليه، وإلى استعمال المنطق من خلال مفهوم “حمل (هو هو)، وذلك حين يكون المسند إليه والمسند معلوما للمخاطب ويراد بيان أنها شيء واحد” (20)، ويرجع ابن عاشور أصل ادعائهم ألوهية عيسى إلى قولهم بالأقانيم الثلاثة؛ أقنوم الذات وأقنوم العلم وأقنوم الحياة.
خامساً: قوله تعالى: “ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صدّيقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبيّن لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون” [المائدة: 75]، وفي هذه الآية أيضا تأكيد لنبوة عيسى ونفي لألوهيته أو ألوهية أمه، والدليل أنهما كانا يأكلان الطعام، كما أن عيسى هذا متولد من أم فهو مفتقر لأم، والمفتقر إلى غيره لا يصلح أن يكون إلهاً. ولهذا يرجع ابن عاشور إلى أساليب العربية لاستخراج الحجج التي جاء بها القرآن على بشرية عيسى ومساواته لبقية الرسل، “وأنه ليس بدعا في هذا الوصف ولا هو مختص فيه بخصوصية لم تكن لغيره في وصف الرسالة. فلا شبهة للذين ادّعوا له الإلهية، إذ لم يجئ بشيء زائد على ما جاءت به الرسل، وما جرت على يديه إلا معجزات كما جرت على أيدي رسل قبله” (21)، فإذا كان عيسى -عليه السلام- أحي الموتى من الحيوان، فإن موسى -عليه السلام- أحي العصا وهي جماد فصارت حية. فأين العجيب في عيسى، ولم يكن في غيره من الرسل. فإن اختلفت صفات هذه الأعاجيب أو المعجزات فقد تساوت في أنها خوارق عادات وليس بعضها بأعجب من بعض (22)، أما أمه فقد حدد القرآن مرتبتها بأنها {صدّيقة} والقصد من وصفها بأنها صدّيقة نفيٌ أن يكون لها وصف آخر أعلى من ذلك. وهو وصف الإلهية. ونفي إلهية عيسى وأمه يمكن أن يعقله أي إنسان ذلك أنهما كانا يأكلان الطعام، وهي صفة من صفات البشر، وهي صفة واضحة يراها كل الناس. ويرجع ابن عاشور في تأكيد هذا الأمر إلى الأناجيل نفسها، إذ أنها ” أثبتت أن مريم أكلت ثمر النخلة حين مخاضها، وأن عيسى أكل مع الحواريين يوم الفصح خبزاً وشرب خمراً، فيذكر ابن عاشور ما ورد في إنجيل لوقا الإصحاح 22:{وقال لهم اشتهيت أن آكل هذا الفصح معكم قبل أن أتألم لأني لا أكل منه بعدُ، وفي الصبح إذ كان راجعا في المدينة جاع}” (23)، وكما مرّ معنا عند الحديث عن الرازي بأنه جعل من هذه الآية دليلا على أن عيسى محدث لأنه مفتقر ومحتاج، وينتابه الجوع والحاجة والشهوة، وهذه ليست صفات الله تعالى بل هي صفات ممكن الوجود، الذي هو بالضرورة ليس بإله، والله أعلم.
قواعد المنهج عند ابن عاشور: هذا عن أهم القضايا التي ناقشها ابن عاشور في سياق تفسيره لآيات القرآن المتعلقة بالمسيح عليه السلام والرد على معتقدات التثليث النصرانية، ويمكن أن نكتشف أهم القواعد التي كان ابن عاشور يتبعها في رده على النصارى، ويعتمد عليها في نقض معتقدهم، وهي -حسب رأيي المتواضع- كما يلي؛
1. اعتماد البيان العربي: حيث أنه في تفسيره للألفاظ أو المعاني أو الآيات فإنه يرجع إلى معهود العرب في الاستعمال لاستخراج مدلول الكلمات، وتحديد معاني الجمل، ولقد لاحظنا ذلك عند تفسيرها لمعاني (الكلمة)، و(الروح)، وقوله تعالى: {ولا تقولوا ثلاثة}، و{إنما المسيح ابن مريم رسول الله}، حيث اعتمد على أساليب القصر (إفراداً أو قلباً)، والتمثيل، والمجاز، والحذف والتقدير، وغيرها، كما هو مبين أعلاه. والسبب في ذلك على ما يبدو يتضح من مقدماته التفسيرية العشرة التي ذكرها في مقدمة (التحرير والتنوير)، والتي من بينها الرجوع إلى معهود العرب في الاستعمال، كما يبدو منهجه المقاصدي واضحا في سبب اختياره الاعتماد على أساليب العربية أو”منطق اللغة العربية”، حيث أنه وشيخه الشاطبي يجعلان المبدأ الأول للتعامل مع القرآن هو الرجوع إلى العربية، فبمقدار إحاطة المرء بالعربية فهو ملم بالشرع (24).
2. تفسير القرآن بالقرآن:
وهذا أيضا أحد مبادئ المدرسة التفسيرية الحديثة، التي دعا إليها محمد عبده وتلاميذه، وهو ما صار يعرف بالتفسير الموضوعي، أو التفسير النسقي لآيات القرآن الكريم، وذلك من خلال محاولة جمع آيات الموضوع الواحد وتفسيرها ببعضها، وبالرغم من أن هذا ليس جديداً عند المفسرين، فقد رأيناه عند الرازي، فإن المدرسة الحديثة جعلت منه مبدأ وأعلنته صراحة، وذلك لتفادي تضارب النصوص في ذهن المفسر، والنظر إلى البناء القرآني نظرة متكاملة.
3. الرجوع إلى الأناجيل: وهو ما لم نجده عند الرازي، الذي اعتمد على البرهان العقلي المجرد، فابن عاشور في تفسيره للآيات التي تعرضت لعقيدة النصارى يرجع إلى الأناجيل، وقد تبين ذلك من خلال ذكره لعبارات الإنجيل المتعلقة بالروح، والكلمة، والبنوة، وهي عبارات يحكيها القرآن ولا ينفيها، غير أن القرآن يبيّن غلوهم فيها، وتحريفهم لمعانيها. وهذا الرجوع إلى الأناجيل أيضا كان ابن عاشور يهدف منه إلى تتبع التطور التاريخي الذي حدث في العقيدة المسيحية.
(1) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة، (تونس: الشركة التونسية للتوزيع، 1988)، ص5.

(2) – اسماعيل الحسني، نظرية المقاصد عند الإمام محمد الطاهر بن عاشور، الطبعة الأولى، (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1416هـ/ 1995م)، ص ص90-91.
(3) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(4) التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(5)التحرير والتنوير، ج3/ ص263.
(6)التحرير والتنوير، ج6/ ص50.
(7) التحرير والتنوير، ج6/ ص51.
(8) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(9) التحرير والتنوير، ج6/ ص52.
(10) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(11) التحرير والتنوير، ج6/ ص53.
(12) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(13) التحرير والتنوير، ج6/ ص54.
(14) التحرير والتنوير، ج6/ ص55.
(15) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(16) التحرير والتنوير، ج6/ ص56.
(17) التحرير والتنوير، ج7/ ص153.
(18) التحرير والتنوير، ج6/ ص58.
(19) التحرير والتنويرج7/ ص153.
(20) التحرير والتنوير، ج7/ ص152.
(21) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(22) التحرير والتنوير، ج7/ ص285.
(23) التحرير والتنوير، ج7/ ص286.
(24) للمزيد انظر: الشطبي، الموافقات، تحقيق وتعليق: عبد الله دراز ومحمد عبد الله دراز، (بيروت: دار الفكر)، ج4/ ص115.

التعليقات

التعليقات