حديث في الممارسة النقديّة 1

موجة النقد:الحديث عن النقد والعملية النقدية أصبح حديثا مكرراً ومسموعاً ما اجتمع اثنان، أو في أعمدة الصحف والمنابر الفكرية والثقافية، وحتى في المنتديات الاجتماعية والسياسية.
ففي كل مرة نقرأ أو نسمع أو نشهد كلاماً جميلاً عن النقد وضرورته، وضرورة الممارسة النقدية لأوضاعنا الحاضرة؛ في أفكارنا، وفي حركتنا السياسية، وفي آليات عملنا أفراداً وجماعات، وفي علاقاتنا الاجتماعية والسياسية، وفي مشاريعنا الثقافية والسياسية، وجهودنا كلها الناجحة منها والفاشلة.
هذا الحديث المكثف عن العملية النقدية يطرح عدة أسئلة عن مدى ضرورتها، ومفهومها، كما قد يثور التساؤل بإلحاح عن كُنْه وآليات هذه العملية، وتباين مدى حيويتها، من خلال السجال القائم باسم النقد والمراجعات، في شكل مناقبية تصل حد النرجسية، أو جلد للذات يصل حد كفران السعي والتشهير والانتقاص.
ففهم مكنون ومضمون هذه العملية، وفهم مدى ارتباطها بحركية الفعل الإنساني، وتبيين المعايير التي تضع النقد والعملية النقدية في إطارها الصحيح، والإمساك بالمنهج والآليات الصحيحة للممارسة النقدية، والتحرك وفق المستويات التي تتطلبها عملية بمثل هذه الحيوية والأهمية، كل هذه الأمور مقدمات لازمة للانخراط في عملية نقدية تستوعب كل مجال من مجالات حركتنا اليومية، وتحقق ما يقصد إليه النقد من أهداف في البناء الاجتماعي والثقافي والسياسي والحضاري بشكل سليم، ومدافعة التشوهات التي دخلت في العملية النقدية فحوّلتها إما إلى مناقبية، وإما إلى كلام لا طائل من ورائه إلا البكاء على الأطلال وإيهام النفس بممارسة هذه العملية الحيوية في المراجعة والتصحيح المستمر.
فمثلا بعد حادثة 11 سبتمبر 2001، وما تلاها من أحداث احتلال أفغانستان والعراق من قبل قوى الاستكبار العالمية، وعلى رأسها أمريكا وبريطانيا وإسرائيل، وما شهدته كثير من دول العالم الإسلامي من أحداث عنف ولا تزال، شهدنا موجة من النقد، وسيلاً من هذه الممارسة، تنوعَ بين العمق والسطحية، كما تراوح بين اللغو ولوك الكلام، وبين محاولات البحث عن أسباب هذه الأحداث المروّعة.
وإن أي مرحلة تحوّل تاريخية أو اهتزاز تحدث في وسط ما إلا وتدفع أصحابه إلى البحث في أسباب هذا الاهتزاز أو هذا التغير.  وإن أحداث 11 سبتمبر واحتلال أفغانستان والعراق دفعت بالعالم الإسلامي إلى مرحلة من المراجعات ونقد الأطروحات الجهادية أو الممارسة للعنف أو المطالبة بالتغيير السياسي أو الثوري، وانهال السيل العرم من محاولات فهم وتفسير الاهتزاز الكبير الذي عمّ العالم كله، والعالم الإسلامي بصفة خاصة، والعالم العربي بصفة أخص، واستنهضت الأحداث فينا كوامن الممارسة النقدية لكثير من تعبيراتنا الدينية والفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية، وأشكال التنظيم الفكري والاجتماعي والسياسي، واجتاحت الوسط الإسلامي حُمّى النقد، لتصل في بعض الأحيان إلى السب والاستهانة بمخزون الأمة الثقافي والحضاري، وبصورة أخص بمخزونها الفقهي والعقدي، كما وصلت في أحيان أخرى كثيرة إلى تصيّد للأخطاء والإخفاقات، حتى لكأن المقصود بالعملية النقدية محاصرة الآخرين بأخطائهم والدفع بهم لمزيد من الأخطاء وربما الخطايا. بل نمّت اتجاهات نقدية وتقويمية عن البعض تعمل على الشطب الكلي والكامل على جهود الآخرين وأفكارهم وما بذلوه من جهود وتضحيات، وما قدّموه من مشاريع، لا لشيء إلا لأن الغالب المحتل أو قوى الاستكبار العالمية غير راضية عنها.
ولهذا فإن وِقفة منهجية تبدو ضرورية، لنقف مع أنفسنا أفراداً ومجموعات، وجمعيات ومؤسسات، وحكاماً ومحكومين، لنبحث في كيفية بعث وتأسيس ومنهجة عملية النقد لتؤتي أُكُلها بما يخدم تحقيق حل مشكلاتنا في العالم الإسلامي، ويخرجنا من بين فكي المناقبية وجلد الذات.
وإذا استطعنا أن نحدّد معايير لعملية النقد بشكل منهجي وليس بطريقة عفوية، وإذا وقفنا مع أنفسنا وِقفة منهجية نراجع فيها أنفسنا وما أصابنا وأصاب أعمالنا، فإننا سندرك أنه لا بد لنا من آلية منهجية نصحّح بها أفكارنا وآراءنا وأعمالنا لتنسجم مع مراد الله في الخلق والأمر، هذه الآلية المنهجية هي النقد بما له من معايير واضحة.  بأن تكون عملية النقد تقوم على الموازنة بين “ما كسب” كل واحد منا وبين “ما اكتسب”، وأن تدخل عملية النقد في وعينا على أنها ضرورة حركيّة كما أن للنقد منهجاً ومعايير يحتكم إليها.  ولكن قد يتساءل أحدنا، أو أحد القراء أو المهتمين بقضايا التجديد الحضاري لأمتنا الإسلامية عن جدوى هذا التحديد.
فإننا نقول: إن الهدف من هذا التحديد كما سيتبين في الأسطر الموالية أنه يقصد إلى تحديد مفهوم النقد وإبعاده عن البكائيات أو التجريح أو جلد الذات، كما يهدف إلى جعل عملية النقد آلية أو (ميكانيزم) داخلي وليس مستورداً أو مفروضاً، وإخراجه عن العفوية والخلط، فلا نريد نقداً اعتباطياً عفوياً بل، يكون خطوة منهجية متضمنة في عملنا اليومي، وفي مناهجنا، وتحويله من مجرد ترف نظري إلى ممارسة سلوكية ذات منطق عملي له كثافة الواقع وحقيقة مجريات الأحداث، بحيث يساهم عملياً وتطبيقياً في تغيير أفكارنا وانطباعاتنا وتوجّهاتنا وفرزها وتقويمها وتوجيهها الوجهة المثمرة الدافعة بعملية التغيير إلى تحقيق أهدافها والمحافظة عليها. ولنأت إلى تفصيل تلك المحدّدات المنهجية لعملية النقد.
أولاً: النقد موازنة ونفي:من أهم معاني النقد في اللغة مما له صلة بموضوعنا أن النقد تمييز الجيد من الرديء، والخبيث من الطيّب، والحسن من القبيح. وحتى يكون النقد إيجابيا فإنه يعمد إلى تثبيت الطيب والإيجابي والجيد والحسن، ويطرح جانباً كل خبيث ورديء وقبيح.
وكما يقول الأستاذ سلمان العودة في كتابه (لماذا نخاف النقد) أن النقد في الشرع يعني: معرفة الخطأ والصواب، ويعني: الثناء على الخير ومدحه، وذم الشر ونقده، سواء أكان هذا الخير أو الشر في شخص، أو كتاب، أو عمل، أو هيئة، أو دولة، أو جماعة، أو أمة، أو غير ذلك. وهذا هو المعروف لدى أهل العلم والإيمان أفرادًا. فهناك موازنة بين جهتين في الشيء أو الفعل، ثم فيه تثبيت لإحداهما ونفي للأخرى.
ومن هنا نقول: إن عملية النقد في معناها الحقيقي ممارسة الملاحظة الدقيقة على الفعل البشري في أي صورة كان؛ فكرة أو ممارسة، ووزنه بالمعيار العلمي، وإعمال الموازنة بين سلبياته وإيجابياته، ثم محاولة الحفاظ على الإيجابي منه، وتثمينه، والدفع به إلى الاستمرار، والبحث عن كوامن الزلل والانحراف والغلو المنتجة للجانب السلبي لذلك الفعل وتفكيكها وعزل مفعولها، وتقويم ذلك الزلل حتى لا تحدث هزة في الفعل، وحتى يتكامل الفعل وينمو خالياً من كوامن الخلل، ويؤتي ثماره.
والنقد بالمفهوم الإيجابي رصد الإنسان في دوائره المتعددة؛ فرداً وجماعة، وتمحيص ما كسب وما اكتسب بالتعبير القرآني (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)، حيث يزن الإنسان أو الفعل بحسناته وسيئاته، ويهب قليله لكثيره، فإذا ما له من إيجابيات أكبر مما عليه من سلبيات على المدى القريب والبعيد عدّ الفعل حسناً، وإذا كان على غير ذلك عدّ الفعل سيئاً.
فالدعوة الوهابية مثلاً، أو الحركة السلفية، أو الحركة الإسلامية، أو التيار الإسلامي، أو المسلمون بصفة عامة في حراكهم خلال التاريخ، للتحقق بالإسلام ولتحقيق حضارة الإسلام في الأرض، إنما ينبغي أن ننظر إلى ما تحقّق على أيديهم أو ما أخفقوا في تحقيقه على أنه تجربة قابلة للنقد والتمحيص كما علمنا القرآن الكريم من ذكر التجربة كلها وطرحها أمام بساط الموازنة، ثم نقوم بعملية اختزال الفعل المعتل والسلبي لنخرج في الأخير بحكم يتسم بالصدق والموضوعية، لنستفيد منها باعتبارها تجارب بشرية قابلة للخطأ والصواب، ونخرج بالتالي من ذهنية التقديس لما مضى أو جلد ذواتنا.

نشر بموقع النهضة بتاريخ 11/21/2009

التعليقات

التعليقات