العمل للإسلام وضرورة المراجعة النقدية

بدران مسعود بن لحسن
جريدة العرب القطرية، الجمعة، 06 مايو 2016
عند تأملنا في قوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [الرعد: 11]، والنظر في حركات التغيير والإصلاح ومشاريع التجديد الإسلامي في القرنين الأخيرين، نجد أن معظمها اتخذ هذه الآية شعاراً له، كأن ذلك تنبيه إلى أن الحركة التجديدية والإصلاحية بمختلف رموزها قد وعت أن هناك شروطاً للتغير، وأن تغير ما بنا من تخلف حضاري شامل تسبقها عملية تغيير ما بالأنفس.
إن هذه الآية تدعو إلى أمر غاية في الأهمية، وهو النظر إلى عملية التغيير في مختلف مستوياتها، وأن التغيير يجري وفق قوانين وسنن لا تتخلف، وعلينا التعامل معها بمنهجية، لأن تلك السنن من أقدار الله التي تحكم حركة التاريخ والمجتمعات والواقع، وهذا ما يمكن تسميته بـ»السننية» في التفكير والعمل.
والتعرف على هذه السنن والانضباط بمقتضياتها، هو حقيقة التكليف، وحقيقة الإيمان والتوكل على الله تعالى، وهي مظهر من مظاهر العدل الإلهي الذي قامت عليه السماوات والأرض.
والله عز وجل سخر هذا الكون للإنسان، وعلى الإنسان أن يوظف هذه السنن، ويتتبع حركتها، وكيفية عملها وتعاقبها فيما بينها، لتحقيق مستوى استخلافي أرقى. ذلك أن فهم السنن، بمعنى القوانين المطردة والثابتة، التي تحكم حركة الحياة والأحياء، وتحكم حركة التاريخ، أمر بالغ الأهمية. كما أن معرفتها، كما يقول الدكتور أحمد كنعان، تعتبر شرطًا أساسيًا للتبصر بالعواقب، وتؤهل معرفتها إلى تسخيرها والتمكن من الإنجاز والإبداع الحضاري.
وهذا ما ينبغي أن ننتبه له نحن أبناء الإسلام، إذا أردنا فعلا أن تنجح أعمالنا في خدمة ديننا وأمتنا، بأن نحتكم إلى السنن الإلهية في نجاح الأعمال والمشاريع والدعوات، وأن لا نوكل أمرنا لكل من هب ودب في قيادة الأمة وتوجيهها عشوائيا.
توسيد الأمر إلى غير أهله مخالف للسنن:
وفي هذا السياق فإني وصلت إلى قناعة تامة بأن بعض التنظيمات الإسلامية وبعض أصناف العمل الدعوي وبعض طرائق تنظيم العمل الإسلامي، ينبغي أن يتم تفكيكها من الداخل، أي على يدي الواعين من أبنائها، لأنها غاب عنها الاحتكام إلى سنن الله، وتحولت إلى أوثان وغابت فيها الأفكار، ولأنها صارت عائقا للعمل المشترك الذي يخدم الأمة.
وهذا ليس حديثا عن النوايا الطيبة، فإني أجزم أن أغلب النوايا طيبة، لكن المشكل في منهج العمل والأداء، وقبل ذلك وبعده المشكلة في الرؤية والمنظور الذي نقارب فيه الدعوة والعمل للإسلام والسعي إلى تحقيق النهضة.
فإنه لا ينبغي أن تكون التنظيمات والانتماءات الحزبية هي المقصودة في ذاتها، لأن ذلك يحولها إلى أوثان ويخرجها عن مقاصدها، بل ويحولها إلى معيقات نهضة، وإلى مضادات للعمل المنهجي المنسجم مع سنن الله ومع تطلعات الأمة في النهضة والعزة والوحدة وتحقيق الفعالية.
فحينما يتحول التنظيم أو الجماعة أو الحزب إلى سقف نهائي أو يتحول إلى غاية في ذاته، كما قال أحدهم (فليكن خروج أرواحكم أهون عليكم من خروجكم من تنظيمكم)، فإن الكارثة تحل بنا، ولا ينفع معها نياتنا الطيبة، ولا نوايانا الحسنة، ولا سابقيتنا في الدعوة، ولا بلاؤنا في ما مضى. لأن ذلك لن يغير شيئا في عمل سنن الله في الأفكار والدعوات والجماعات والاجتماع الإنساني، وستسحقنا تلك السنن وتطحننا، لأننا لم نراع في عملنا كيفية عملها، ولم نوجه أنظارنا إلى كيفية اشتغالها، فلم نسخرها ولم نرتق إلى مستواها.
التاريخ يسير وفق السنن لا النوايا الطيبة:
ولهذا كتبت قبل أيام تغريدة قلت فيها: (إن التاريخ لا يسير بالنوايا الطيبة ولكن بالأفعال التي تقوم على وفق سنن الله، ولها كثافة الواقع)، وقصدي من ذلك أن ننبه من بقي في نفسه وعقله وقلبه بعض وعي أن يخرج من «أوهام الكهف» الفكري والأيديولوجي الذي دخله، وأن لا تطغى عليه «أوهام القبيلة» الحزبية أو الوطنية أو السياسية التي ينتمي إليها، فتمارس عليه ضغطا ينسى فيه المنهج ويفقد فيه الصواب، وعليه أن لا يتيه في زحمة ضجيج «أوهام السوق»، حيث تروج بعض الجهات بقوة دعايتها لأفكار ميتة وأخرى مميتة.
وهذا يكون بتوسيد الأمر إلى أهله وإعطاء القوس باريها، وهذا مضمون ما كتبته في إحدى تغريداتي السابقة، في أن أعطوا القوس باريها وذلك بقولي: «نحتاج لنخرج من تخلفنا أن نتجاوز الضبابية وثقافة العمل وراء الكواليس، وأن علينا العمل في الضوء وفي وضح النهار، وعلى أساس قاعدة إعطاء الخبراء مكانتهم اللازمة لهم في أي مشروع، وعدم الاكتفاء بمقولات استشرافية، سرعان ما تتحول إلى أيديولوجيا حالمة، عند فقدانها لمهارة الخبير وحكمة المتخصص ورؤيته».
علينا أن نعطي القوس باريها ولا نبقى نراوح المكان ونشكو التبطل ونزدري الخبرات التي تزخر بها الأمة. لأنه «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». فساعة أي مشروع أو فكرة أو جماعة أو مؤسسة أو دولة تقوم إذا لم نفوض الأمر إلى من يحسنه. والله أعلم وهو من وراء القصد والهادي إلى سواء السبيل.
http://www.alarab.qa/…/%D8%A3%D9%87%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D8%A…

التعليقات

التعليقات